آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » قابوس السلطان والإنسان

قابوس السلطان والإنسان

  • سليمان الصدي

غاب على جناحي الموت الرجل البارز، السلطان المعروف بعطاءاته وأخلاقه السلطان قابوس بعد حياة حافلة بالعطاء والعمل المبهر الذي جعل بلده بلداً متميزاً في المجالات كلها.
كانت السلطنة في قلبه، وهو الآن في قلوبنا. وكم يحضرني قول جبران: ” السعادة والحزن توءم لا ينفصل” لقد أسعدت شعبك بحضورك، وأحزننا رحيلك. لكن مع ألم الحزن والفراق ارتسمت ابتسامة عريضة على شفاهنا، ابتسامة إعجاب شديد بما تركت يداك من خيرات، وما أبقت أفعالك من بصمات. ولك أقول:
يا أرضُ ضمِّي رفاتَ الغالي في جَللٍ
شيخُ المروءةِ تداعى كي تُواريه
لو غابَ عنا سيبقى خالداً أبداً
فَلْيمكُثِ اليومَ في أحضانِ باريه
يا أختُ قولي إذا ما غابَ غالينا
الدربُ باقٍ ونحنُ اليومَ نمشيه
في جنةِ الخلدِ يا غالي إلى أبدٍ
فارقُدْ عظيماً بحضنِ المجدِ والتّيه
كان رجلاً فريداً، كوّنت حياته السياسية التي امتدت على مدى نصف قرن كامل رجلاً غيَّر وجه عمان، وأدخلها في مرحلة حضارية متميزة.
‎ما زلت أذكر كيف كنت أتابع كعربي أعمال السلطان قابوس، ونشاطاته في محطاته المختلفة وخصوصاً في بدايات حكمه، وقلبي ضارع إلى الله بالدعاء أن يوفقه في إدارة البلاد، وإجراء الإصلاحات والتطويرات اللازمة في هذا البلد المضياف.
‎ عادة يقولون إن الأمة أنبتت رجلاً، وفي حال قابوس هو من أنبت عمان، وأعاد لها بعضاً من ماضيها المجيد، ووضعها بين الدول القوية، وارتقى بها إلى سلم المجد والعطاء.
‎كان السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، ركناً من أركان الأمة، وصمّام أمان عندما كانت تحتاج إلى صمام أمان، عمل ليل نهار لخدمة قضايا شعبه وشعوب مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي.
‎كل من يعرف السلطان عن قرب يقول إنه كان يتميز بحكمته، وسياسته المعتدلة والمتزنة، وببعد نظره عبر ما اختطه لسلطنة عمان من سياسة خارجية واضحة وشفافة فرضت احترامها على الساحة الدولية.
‎لم يكن من الذين يتكلمون كثيراً، بل كان ممن يفعلون كثيراً. لم يعرف يوماً معنى التردد والتراجع أو الخوف والانكسار. كان مصلحاً ومحباً بطريقته الخاصة، وأسلوبه الفريد.
‎لقد بنى عمان، وجعل منها دولة عصرية بكل معنى الكلمة، وطوَّر حياة أبنائها في كل نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
‎يوم تسلم الحكم كانت عمان صحراء قاحلة، فحوّلها في عقود ثلاثة إلى واحة للعلم والمعرفة والبناء والحضارة مقرونة بقدرات أجيال من الشباب النجباء والمفكرين النبلاء الذين رفعوا راية العزة والكرامة والحرية عالياً، وحملوا على أكتافهم مهمة إعادة المجد لبلادهم رافعين رايات نهضة فكرية وسياسية واجتماعية مدهشة صقلتها المحن والأزمات والتجارب لتشكل دولة استثنائية ذات ملامح ومكونات متكاملة تُوّجت برجل صاحب كاريزما ذاتية، وحضور لافت محلياً وعربياً ودولياً.
وقد كانت لي تجربة في ذلك البلد الرائع لن أنساها ما حييت، عززت من قناعتي بكونه بلد الحب والتسامح والانفتاح، وترسخت في ذاكرتي صورة سلطان أكنّ له الحب والتقدير.
‎ رحل السلطان عن وطنه بجسده بعد أن زرع بذور فكره وحكمته، ورآها تورقُ أمامه وارفة الظلال في قلب حكومته وشعبه، ولتبقى روحه منارة للوطن.
‎ما عرفنا قبل موتك أن النجوم في التراب تغور، نودعك بالألم والدموع، ولنا عزاء في أن التاريخ سيحفظ اسمك نبراساً بين صفحاته وذاكرته كرجل سلام، وباني عمان الحديثة.
قد يرحل الياسمين لكن لا يمكن أن تنسى رائحته، سيعشش عطر أعماله أبداً في ذاكرتنا؛ ليذكِّرنا برجل قلما يجود الزمان بمثله. وكم أجد أني بحاجة إلى أن أرفع صوتي وأنا أردد: ما أشد الشبه بين الرجل الصالح والنهر الخالد.

(سيرياهوم نيوز16-1-2020)-/٥

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحلاف جديدة

عارف العلي: 2020/03/31 العالم يعيش حالة تخبط حيال جائحة “كورونا”، فنصفه تحت الحجر الصحي ونصفه الآخر هائم على وجهه.. ما قبل “كورونا” ليس كما بعده، ...