آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » خطاب الميديا والأمّية «الصّورانية»

خطاب الميديا والأمّية «الصّورانية»

إدريس هاني:  2020/01/22

يقدم حقل إنتاج الخبر نفسه كحقل لإنتاج الحقيقة، لكنه في الحقيقة لا يعدو كونه حقلاً لتملّكها وإعادة إنتاج سلطة الزّيف. لقد ساهمت الميديا في استعمال المعجم المفاهيمي للحقيقة استعمالاً ماكراً إذ غطّى فائض الصورة على الندوب والفراغات التي ينتجها الشطط المفرط في إدارة المعنى داخل خطاب ليس فقط يتعرّض للرّقابة بل هو خطاب رقابة في ذاته يؤمّن هذا النّمط اليومي من العنف الذي يستهدف الحقيقة كذوق وذاكرة ويتهدّد مصيرها من خلال استراتيجيا تنتج التمركز والاستبعاد في آن معاً.
يكاد الحقل الإعلامي يصبح قطاعاً لانتهاكات جسيمة بحقّ الذّوق العام ومعيار الحقيقة، وفي نشاطه المزدوج: إعادة إنتاج التّمركز والاستبعاد يصبح أنجع قطاع لاستبداد الزّيف. إذا كان الإعلام مجالاً لإنتاج الخطاب، فما علينا إلاّ اختبار هذا الخطاب من وجهة نظر فوكونية (نسبة للمخرج الفرنسي فيليب فوكون) إذ نواجه جملة من الوسائل والأنظمة التي يتوسلها الخطاب مثل إنشاء الحقيقة بمقتضى شكل معيّن من إرادة الحقيقة، استبعاد الجنون بصورة تختزل كل أشكال الاستبعاد للمختلف عبر وسائل شيطنته، وكل ذلك لغرض تملّك الخطاب الذي يقتضي هو الآخر تمكين الذّوات المتكلمة وحدها من الخطاب وتمكينها من وسائله.
وبينما أصبح هذا هو واقع الميديا في العالم لكنها في تجارب الأمم المتخلّفة تراها تستعيض بأساليب غير تقنية في إعادة إنتاج المُغالطة، إذ يؤدّي ضعف تقنية إعادة إنتاج المُغالطة إلى أشكال متدنّية في الأذواق وانحطاط الصّورة. ينقص الميديا في تجارب معظم مجتمعاتنا التّقنية والخيال، وبينما تعوّض هذا النّقص بسلوك تغلب عليه البدائية السوسيو- ثقافية فإنّها تحوّل الممارسة الإعلامية إلى استمرار لفوضى الكلام ويُصبح الإقناع مسألة حظّ.
تشريح خطاب الميديا يضعنا أمام اقتراب حقل إنتاج الخبر من حقلين سبق أن ربط الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بينهما والخطاب: الرغبة والسلطة وكلاهما ينطلقان من الجنس والسياسة. وبقدر هذا الجموح والافتقار المزمن الذي تحدثنا عنه على مستوى التقنية والخيال فإنّ الرغبة في التوسّلات غير التقنية تنتهي بهذا القطاع إلى وضعية التعهير: «الميديا- المومس»، التي تستثمر في شرف الحقيقة والمعنى. ففي هذا الحقل «يجب» رصد كل «أشكال» الاستغلال والاستخدام للرغبة والسلطة في مجال يُفترض أن يكون مجال إنتاج وتوزيع الحقيقة ضمن برنامج منضبط بقواعد إنتاج المعرفة نفسها، وهو الأمر الذي يدّعيه خطاب الميديا ويتنكّر له في آن معاً.
الانتقاء وإعادة تنسيق الحدث هو ذلك النمط من إعادة إنتاج الواقع بصورة سوريالية يتم من خلالها تهديم ملكات التّلقّي العقلاني للواقع عن طريق سياسة التّملّك للحقيقة ولوسائل إنتاجها. ولعل أكثر من يخشى انهيار العملية الإعلامية هو المستفيد من تدبير خطاب تملّك الحقيقة. وهنا أحبّ أن أتحدّث عن تلك السّلطة التي يفرضها الخبر/ الواجهة الذي يغطي ويحتوي المشهد في الإخبار، ونتساءل: من أين يستمدّ الخبر سلطته؟
ضمن شريط من الأخبار يتصدّر أحدها الواجهة فتصبح الأخبار الأخرى متوارية وتشكّل نوعاً من «الكومبّارس»، لأننا في شريط الأخبار لابد من أن نبرز أحدها في صورة البطل. وهذه «البطولة» لا تنسجم دائماً مع منطق الأحداث، وربما هي نفسها تفرض نوعاً من الغفلة عن عدد من الأخبار غير المُعتنى بها داخل ماكينة الإعلام وهي أساسية وأكثر انسجاماً مع منطق الأحداث. وهكذا يبدو المتلقي في خضم محاولة لإعادة إنتاج الوقائع وفق سيناريوهات تبدأ من المشاتل الأولى لصناعة الخبر (وكالات الأنباء) حتى آخر الوسائط التي تعيد توزيع الخبر بالتقسيط وببهارات محلّية من التأويل.
ليس الإعلامي سوى ذلك المُنخرط الوظيفي في هذه الصناعة ولكنه لا يمتلك سياستها، ومهما بدا أنّ الإعلام هو ضحية لمحترفيه فإنّ الواقع يؤكد أنّ مجال تملّك الحقيقة وإنتاج الزّيف هو قضية ترتهن لبرنامج أعمق مما تتيحه أساليب المهنيّة وخطابها المتآكل بفعل الانهيار الذي يشهده مجال إنتاج الحقيقة وجهاز المعنى، إذ يبدو أنّ الإعلام يواجه مصيراً خطراً على صعيد بناء الثقة بين المنتج والمتلقّي مكتفيّاً بجمهور خاص لا يتوفّر على المناعة الكافية لتحليل الخطاب وهضمه عبر أساليب الاستهلاك الصّحّي، وهذا ما يجعل الصناعة الإعلامية جزءاً لا يتجزّأ من التّحدّي الذي تواجهه البيئة، بل إنّ الإعلام بات بهذا المعنى موضوعاً للمقاربة الإيكولوجية.
ولما كان الخطاب الإعلامي بات معنيّاً بصناعة جمهوره فهو في حاجة إلى إحلال الوهم كبديل عن الحقيقة، وفي «يوتوبيا» الصّورة التي تحتوي المضمون الثّابت ما زالت التّقنية هي سيّدة الموقف، وما زالت سلطة الإعلام ولاسيما المرئي متقدّمة نظراً لتقنية الصورة وسلطتها داخل محيط يعاني الأمّية، ونعني هنا بالأمّية أمّية الصّورة، سيميائياً وتقنيّاً ما يجعل لغتها محلّ استهلاك عمومي بينما هي على صعيد الفهم تظل قضية نخبوية بامتياز. فالصورة هنا تتضخّم وتحتوي المشهد أكثر من الكلام، لأنّ الصورة في ذهن المتلقي – الأمّي صورانيّاً – هي حقيقة، فالصورة هنا لا تنفكّ عن الحقيقة بخلاف الكلام. نعود إلى أصل الصورة المتحركة، إلى ميلاد السينما، صورة بلا صوت إن اقتضى الحال، فالصورة ما زالت تحتفظ بطقسها الخاص في الإقناع (الحقيقة هي الصورة والعكس بالعكس).
تهيمن الصورة على المتلقّي العالمي وما زالت ترخي بلغزها وكأنّنا نعيش على المفارقة الويبرية (الماركسية): نزع السحر عن العالم، بلى، فالصورة تعكس أهمية وحضور الـ(le Fetish الفيتيش- الوثن) في الحياة العامّة، ليس «الفيتيش» تجسيماً للرغبة، بل أيضا هو تحريف لها، احتواء للرغبة واختزال ينتهي بالقبض على الشّاذ اللاّواقعي لكنه موصول بأحد نتوءاته التي يُعاد إنتاجها في الوهم، لكن «الفيتيش» يحجب الواقع عبر هذا التّضخّم المفتعل للأشياء، الميديا إذاً هي هذه الوسيلة التي تُغذّي فيتيشية متلقّ.. متلقّ يعاني وعكة لأسواء التّلقّي.
للمعنى دلالة صنمية هنا، تنتصر فيها الصّورة على كلّ أشكال الإقناع الأخرى، وهذا حظّ العالم من الاستنارة ولعبة الضّوء ما يعزز الحاجة إلى العتمة، وحدها اللحظة التي تفرض إعادة رؤية العالم خارج سلطة الضّوء. وسوف تحتلّ الأضواء منزلة الأنوار، وتصبح الأنوار بدلالتها التّاريخية والفلسفية والمصيرية مرتهنة للعبة الأضواء التي هي الوسيلة الأكثر قدرة على جعل الزّيف مقنعاً بقوّة الحضور والتكرار وعنف التّلقي، فالصورة توجد في كل مكان، وهي ما زالت في الوعي الطفولي تشكل امتداداً للواقع بينما الحقيقة أنّ الصورة هي التفاف على الواقع وتقويض لمحتواه.. ما يحدث اليوم هو أنّ الأنوار باتت ضحية للعبة الأضواء.

*كاتب من المغرب

سيرياهوم نيوز/5- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

‏‫ ستّ نتائج لاستكمال تحرير محافظة حلب…

*بقلم:حسن حردان  الفرح العارم الذي عبّر عنه أهالي مدينة حلب بتحرير الجيش السوري وحلفائه، ما تبقى من ريف حلب، يعكس انتصاراً كبيراً وعزيزاً طالما انتظروه، ...