آخر الأخبار
الرئيسية » الشهداء و الجرحى و المفقودين » حكاية الشهيد الأسطورة باسل قرفول بالتفاصيل الدقيقة

حكاية الشهيد الأسطورة باسل قرفول بالتفاصيل الدقيقة

بقلم: وليم ياسين عبدالله


منذ لحظة سماعي بقصة الشهيد “باسل قرفول”، بدأت أجري الاتصالات مع كل من أعرفهم من طرطوس، مسقط رأس الشهيد، وكل شخص يعطيني رقماً لشخص آخر يعرف عنه أكثر ومن ثم الشخص الآخر يعطيني رقماً لشخص آخر حتى حلّ المساء وبلغت أهل الشهيد وتحدثت إلى شقيقه “علي” مطولاً عن حياة باسل الاجتماعية والإنسانية.باسل الإنسان الضحوك والمرح، صاحب النكتة ، البسيط في طلباته، في طموحاته و في أحلامه، يحب الأرض كما يحب عائلته، ويحب عائلته كما يحب بلاده.

كانت هذه التفاصيل عن حياته كافية لأعرف أي نوع من الرجال هو، تفاصيلٌ تكفي لأعرف كيف فجّر ثلاثة مفخخات وصمد أمام الرابعة منهكاً من التعب دون أن يتراجع خطوةً واحدة ليرتقي بعدها إلى جانب العظماء في السماء. كانت الصدفة أن يخرج “باسل” ليتمركز مع منصة إطلاق صواريخ “الميتس” بدلاً من رفيقه “أحمد عباس”، الذي كان في إجازة اضطرارية في طرطوس بسبب وفاة عمه منذ يومين.

تلقى الجنود الأوامر بالتحرك والتمركز بعد وصول معلومات تفيد بأن المسلحين القادمين من الشمال الشرقي لإدلب يخططون لاقتحام حلب مستخدمين أربعة مفخخات من نوع  BMB.أثناء انشغال باسل مع رفيقه الجندي “خطيب” وهو من القوات الرديفة، بتجهيز منصّة الصواريخ على سطح أحد الأبنية المؤلفة من خمسة طوابق، اتصل صديقه أحمد عباس ليعلمه بأنه  قد وصل إلى حلب وعلم بأمر المعركة وهو قادم ليأخذ مكان باسل على منصة الصواريخ.

أجاب باسل على الاتصال وهو منهمك بتجهيز المنصة، وطلب من رفيقه أحمد أن يبقى ويرتاح ويتناول الطعام ومن ثم يلتحق بالموقع.-لقد تناولت الطعام بالاستراحة، ولست بحاجة للراحة، سآتي حالاً. قال الجندي أحمد عباس وهو يتجه من الراموسة إلى جمعية الزهراء السكنية.جلس الجندي “خطيب” خلف منصة الصواريخ وباسل إلى جانبه ينظر من الناضور، وبعد لحظات بدأ الهجوم وبدأت أعداد كبيرة من النساء والأطفال و العجائز يركضون هاربين من الموت، فالمسلحين يهجمون بغزارة نارية مريعة، وكانت نتيجتها أن أصابوا “خطيب” في رأسه وباسل في كتفه. استشهد الجندي “خطيب” على الفور، فتقدم باسل منه وسحبه من خلف المنصة وتمركز مكانه وكان معه جندي آخر “عباس الحسين” ، جلس باسل و وجه الصاروخ إلى المفخخة التي كانت قادمة بسرعة إلى داخل الحيّ السكني، أطلق الصاروخ فانفجرت المفخخة وكأنها بركان ثار فجأة بعد ركود طويل، في البعيد كان الجندي أحمد عباس يصرخ إلى باسل مطالباً إياه أن ينسحب مع المدنيين.

-فات الأوان يا حارة، المسلحون في الأسفل وتكبيراتهم تصمّ أذنيّ. صرخ باسل بأعلى صوته وهو يحاول تذخير الصاروخ الثاني.كان باسل وأحمد من قرية واحدة في طرطوس، اعتادا على أن يناديان بعضهما حارة، كونهما من حارة واحدة، وهذه المفردة شبيهة بمفردة “ضيعة ” التي كان شهداء مشفى الكندي ينادون بعضهم بها قبل استشهادهم بيومين.المفخخة الثانية تقترب، وّجه باسل الصاروخ إلى المفخخة وأطلقه لتنفجر المفخخة وكأنها كتلة من الغيظ تلاشت في السماء.امتلأت السماء بالغبار، فاستغلّ المسلحون الموقف وأدخلوا ثلاثة عربات بخاخات من النوع الذي تستخدمه البلديات لمكافحة الحشرات وأطلقوا الدخان بكثافة حتى لم تعد الرؤية ممكنة، اقترب المسلحون من البناء الذي يتمركز عليه باسل ودخلوا إلى الطوابق الأرضية والأقبية، وباسل لا يزال على السطح ينزف من كتفه محاولاً أن يقدّر الموقف الحربي ليعرف كيف يتصرف.

أغمض باسل عينيه وهو يضع يده على كتفه المجروح وتقدم متثاقلاً إلى الصاروخ الثالث وعباس يساعده وقام بتذخيره وأصاخ السمع جيّداً كما كان يفعل على شاطئ البحر عندما يخاطبه عن طريق الأمواج.لم يكن الجندي عباس اختصاصي بصواريخ الميتس، لكنه كان إلى جانب باسل يساعده في حمل الصواريخ، كان عباس جندي في البحوث العلمية في حلب، أتى بمهمة إلى القوات التي يتواجد بها باسل، وأثناء تواجده بدأت المعركة فبقي إلى جانب باسل يساعده في المواجهة رغم قلة خبرته بصواريخ الميتس.طغى الدخان الكثيف على كل شيء، لم يعد هناك شيئاً واضحاً في الأفق، باسل لا يزال مغمضاً عينيه، البحر يهدر ، الأمواج تخاطب باسل، باسل يضغط أكثر على جفونه ويصيخ السمع، فتح عينيه بسرعة وتذكر أنّ البحر غدّار وما يسمعه الآن ليس صوت الأمواج بل هو صوت المفخخة الثالثة التي تخترق الدخان الكثيف باتجاهه، سددّ باتجاه الصوت وأطلق الصاروخ الذي حوّل المفخخة الثالثة إلى شظايا متطايرة في الهواء كأنها بؤرة موبوءة بالذباب وتطاير الذباب منها فجأة فملأ السماء به.لم يعد الوقت كافياً لشيء، أصبحت حركة باسل بطيئة،

حاول أن يصيخ السمع من جديد لكنه لم يعثر على الوقت الكافي ليعرف ما الذي يحدث، المفخخة الرابعة أصبحت بالقرب منه.انفجرت المفخخة الرابعة قبل أن ينجح باسل وعباس بتذخير الصاروخ الرابع…كان ضغط الانفجار قوياً لدرجة أن قذف باسل ورفيقه عباس عن سطح البناء، سقط كل واحد منهما في مكان مختلف..وقع باسل على سطحٍ قرميدي لأحد الطوابق الأرضية، لم يعد يشعر بقدميه، لقد كان السقوط مؤلماً سيّما وأنه سقط على ظهره وفقد قدرته على تحريك أقدامه بسبب قوة الصدمة وتعرّض قدميه للكسور.الجنود يتقدمون، باسل مرمي على خيمة القرميد بالقرب من المسلحين، عباس تهشمت قدميه. كان هناك فتاة حلبية مختبئة في المنزل تسللت إلى عباس بعد أن رأته وحاولت أن تسحبه لكنها لم تنجح بسبب وزنه الثقيل بالنسبة لها، فأحضرت ما تقدر عليه من أقمشة ومراهم وقامت بلفّ قدميه بالأقمشة وقدمت له ما تقدر عليه من المساعدة الطبية، ثم عادت و اختبأت في منزلها المهدّم وهي تراقب عباس حتى اطمأنت عليه بعد أن وصل أصدقاؤه إليه.وصل أحمد و الجندي “يامن صباغ”  و المساعد أول “أبو علي مهدي” وهو رجل كبير في العمر إلى عباس ، بقي أبو علي مهدي إلى جانب عباس في حين تابع أحمد و يامن التقدم باتجاه باسل تحت تغطية نارية كثيفة كان يؤمّنها لهما “محمد مرهج” من الخلف، كان يطلق الرصاص بجنون محاولاً فتح الطريق للوصول إلى باسل، بأسرع وقت ممكن.يتأمل باسل السماء الغبشة وهو بلا حراك، يسمع صوت رفاقه وهم ينادون باسمه ويخبرونه أنهم قادمين، لم يكن باسل يجيب لأن المسلحين على بعد أمتار منه ويخشى أن ينتبهوا إليه إن هو صرخ.

المسلحون يتراجعون والجيش يتقدّم، وصل أحمد إلى أحد الأسطحة ونظر إلى الأسفل فرأى باسل مستلقياً على ظهره فوق خيمة القرميد، أشار باسل بيده إشارة خفيفة بعد أن رأى أحمد ليخبره أنه على قيد الحياة،  نزل أحمد على السريع وتسلل باتجاهه لكن كان من الصعب الوصول إليه بسرعة لأن المسلحين لا يزالون بالقرب منه.اتضحت الرؤية جيداً في عينيّ باسل، السماء أصبحت صافية كأنها دمعة تنزل من عينيّ أمه، الهواء خفيف يصدر صوتاً ناعماً شبيهاً بصوت أمواج البحر في مساءات الصيف، أصوات الجيش المتقدّم باتجاهه تشبه إلى حدٍّ بعيد صوت العصافير التي كان يسمعها في قريته الوادعة في ريف الدريكيش، فجأة تحوّل كل شيء إلى صمت ٍ ثقيل، شيء أسود غطى السماء بالكامل، لقد كان مسلحاً يقف فوق باسل بعد أن لمح جسده مرمياً فوق خيمة القرميد، لم يصدر باسل أيّ صوت ولم يقم بأيّة حركة علّ المسلح يعتقد أنه ميت، لكن  كان للمسلحين عادة في قتل الجنود مرة أخرى بعد استشهادهم، دون أي احترام لهيبة الموت، وّجه المسلح سلاحه إلى رأس باسل الذي بقي يتأمل السماء دون أن يغمض عينيه  كما فعل شهداء مشفى الكندي من قبل.

صمت رهيب اخترقه صوت رصاصة عمياء استقرت في رأس باسل وتبعتها رصاصة أخرى في قلبه، لتنتهي حياة باسل بعد أن أنقذ حلب بإيمانه وقوّته وصبره وإرادته.وصل الجنود إلى باسل، ركض أحمد إليه و  وضع يده على وجه باسل ومن ثم على عنقه ولم يجرؤ على التفكير بشيء بل حمله مع رفاقه وركضوا به حتى وصلوا إلى عربة إسعاف ونقلوه إلى المشفى ليخبرهم الطبيب هناك أنه قد فارق الحياة.ورود القرنفل :الشهيد باسل قرفول من طرطوس \ الدريكيش\ بويضة الزمامأحمد عباس من طرطوس\ مساكن الاسمنتالجريح عباس الحسين على الأغلب من حماه\ مصياف ( لم ننجح بتأكيد المعلومة)محمد مرهج من جبلة\ رأس العينيامن صباغ من القرداحةأبو علي مهدي من منطقة الفوعةالشهيد خطيب من نبّل(( القصة لم تنتهِ ، يتبع…))

(سيرياهوم نيوز-صفحة الكاتب9-2-2020)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تكريم 185 اسرة شهيد في طرطوس بالتعاون مع رجل الأعمال علي وهيب مرعي

طرطوس:أخبار سورية الوطن عملاُ بتوجيهات السيد الرئيس بشار الأسد المتضمنة ضرورة الاهتمام بأسر الشهداء الكرام ورعايتهم على الدوام  وبرعاية و حضور محافظ طرطوس المحامي صفوان ...