آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » اطلبوا ما في الصين

اطلبوا ما في الصين

حسن م. يوسف

22-03-2020

«إن ما كان فيك تضوِّي شمعة، لا تشعل حريء (حريق)
وإن ما كان فيك تواسي دمعة، لا تظلم بريء…»
قبل سنوات عبرت عن خلاصة موقفي من الحياة بهذه الكلمات التي كتبتها لتكون مطلع شارة مسلسل «المارقون» للمخرج القدير نجدة إسماعيل أنزور، وها أنذا أتذكرها الآن في هذا الظرف الحرج الذي نمر به جميعاً نحن البشر، وقد عبرت عن موقفي مما يجري بوضوح إذ قلت: لا للتهويل الذي يجعل الذعر يشل الناس، ولا للتهوين الذي يدفعهم لعدم الوقاية والاستهانة بالخطر.
قبل أيام نشر الفنان الزميل في «الوطن» عبد الهادي الشماع، رسماً كاريكاتورياً يمثل فيروس كورونا وهو يجعل العالم يقف قبالة الحائط مرفوع اليدين، على رجل واحدة، ومع أن فن الكاريكاتير غالباً ما يعتمد على المبالغة، إلا أن لوحة زميلنا الشماع ارتقت من المبالغة إلى البلاغة في تصويرها لعجز البشرية، حتى الآن، في التصدي لهذا الوباء.
في مسلسل «نهاية رجل شجاع» الذي كتبت له السيناريو والحوار قبل أكثر من ربع قرن، يقول مفيد الوحش لصديقه حسن الدفش: «يالطيف ياحسن… لو البني آدم كان بـيعرف قديش هو هش وضعيف ما كان لا بيتحيون ولا بيتجبر». إلا أن فيروس كورونا لم يكشف هشاشتنا كبشر وحسب، بل فضح عرينا الأخلاقي! فهو يشبه الطفل الذي صرخ: «الملك عار» في قصة «ثوب الإمبراطور» للكاتب الدانمركي هانز كريستيان أندرسون!


قبل أيام ألقى رئيس جمهورية صربيا الكسندر فوجيشك خطاباً أعلن فيه حالة الطوارئ في صربيا لمجابهة فيروس كورونا، وقد قال بمرارة شديدة: «الآن ندرك جميعاً أن ما يسمى بـ«التضامن العالمي» فعلياً غير موجود. التضامن الأوروبي غير موجود، لقد كان كل هذا قصة خرافية على الورق. «والسر الكامن خلف هذا الكلام المر هو أن رئيسة المفوضية الأوروبية أعلنت أنه من غير المسموح لصربيا أن تستورد المعدات الطبية من الاتحاد الأوروبي! لأنه لا يوجد ما يكفي لهم». هنا قال الرئيس الصربي لشعبه: «كدت أخرج من جلدي!» وسبب خروج الرجل من جلده هو أن الاتحاد الأوروبي كان يلزم صربيا بتعديل شروط مناقصاتها الخارجية، بحيث لا يكون السعر المنخفض هو الأولوية، «كي نشتري كل شيء من الاتحاد الأوروبي». ولهذه المناسبة لم يفت الرئيس الصربي أن يشيد بموقف الصين الأخوي والأخلاقي.


والحق أن الرأسمالية الغربية كشفت عن أبعاد غير مسبوقة من الوحشية، فترامب عرض على الشركة الألمانية التي تقوم بتطوير لقاح لفيروس كورونا المستجد، نقل مركز أبحاثها إلى الولايات المتحدة كي تحتكر أميركا اللقاح! والأقبح من ذلك هو اعتماد بريطانيا وهولندا والسويد وألمانيا على سياسة «مناعة القطيع» إذ تجد هذه الدول في كورونا فرصة للتخلص من عجائزها وتجديد شباب مجتمعاتها!


مأثرة الصين لا تكمن في أنها كسرت الاحتكار الغربي للصناعة والعلم لمصلحة الإنسان وحسب، بل تكمن في تفوقها الأخلاقي على مدى التاريخ، ففي عام 1697 قال الفيلسوف الألماني ليبنتز بعد أن درس الفلسفة الصينية «إن الأحوال السائدة بيننا وما استشرى في الأرض من فساد طويل العهد تكاد كلها تحملني على الاعتقاد بأن الواجب أن يرسل إلينا مبشرون صينيون ليعلمونا أساليب الأديان القومية وأهدافها… ذلك بأني أعتقد أنه لو عين رجل حكيم قاضياً ليحكم أي الشعوب أفضل أخلاقاً من سواها، لما تردد في الحكم للصين بالأسبقية في هذا المضمار».

سيرياهوم نيوز-الوطن)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لا حروب في زمن الكورونا وما بعده

ناصر قنديل – تتكاثر التحليلات عن فرضيّة يسمّيها أصحابها بالهروب إلىالأمام، ومضمونها قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامببحرب خارجية كبرى تصرف الأنظار عن الفشل في مواجهةفيروس كورونا، وتتيح للرئيس الأميركي خلط الأوراق والحصولعلى فرص أفضل انتخابياً، والسيطرة على حملات خصومهداخلياً بالاستناد على مفهوم الروح الوطنية في حال الحرب،ويندرج في إطار هذا التقدير الحديث عند البعض عن حربكبرى على الصين، أو أخرى على إيران، أو ثالثة في العراق بوجهقوى المقاومة، وهي الأكثر رواجاً بين الفرضيات، لتناسبها معالتهديدات الأميركية، ومع بعض الإجراءات كنشر صواريخالباتريوت في قواعد أميركية في العراق. – مشكلة هذا التحليل أنه مبني على منهج كلاسيكي ينتمي لزمنما قبل الكورونا أولاً، ويفترض ضمناً دون تدقيق أن الحربستنتج وضعاً أفضل لمن يخوضها، وخصوصاً عند الحديث عنحرب أميركية، فمن قال إنها ستحقق الفرضيات التي يجريتبريرها كخيار بضمان تحقيقها، ومن قال إن الحرب ستكوننتائجها لصالح أميركا سواء على الصين أو إيران او حتى فيالعراق، ومن قال إنها ستحسّن شروط ترامب انتخابياً، ومن قالإنها ستعزز وضع ترامب بوجه خصومه الداخليين، وكلها مجردفرضيات تحيط بها شكوك كبيرة، بل يرجّح أن النتائج المرتبةعلى الحرب ستكون عكسية في كل هذه المحاور. – أما عن انتماء هذه التحليلات لما قبل زمن الكورونا، فذلك لأنالحرب تجمّع لأربعة عناصر، أولها النيات والإرادة، وثانيهاالمقدرات والحسابات، وثالثها التفويض الشعبي والسياسي،ورابعها المناخ السياسي والظرف الدولي والإقليمي أو درجةالقدرة على فرض المشروعيّة. وفي هذه العناصر الأربعة تغيرتالكثير من الأمور، فإن وجدت النية تزعزعت الإرادة، وإن وجدتالمقدرات العسكرية تراجعت لدرجة الصفر القدرة علىتخصيص الموارد المالية، وإن كان التفويض الشعبي والسياسيضعيفاً يمكن الرهان على تعظيمه فقد صار معدوماً لدرجةالاستحالة في الرهان على التلاعب به، والمناخ السياسي الذيكان مشوشاً صار مغلق المنافذ بالكامل مع سيطرة كورونا علىالمشهد وتقدّمه كأولوية لا سواها على المستويات الدوليةوالإقليمية. – ما بعد كورونا، والأمر لن يكون قريباً، سيدخل العالم مرحلة منالتشوش الاقتصادي والسياسي وضعف الموارد، وأولوية خططالنهوض الاقتصادي، وإعادة تقييم مفهوم السياسة، خصوصاًنظريات الحرب والإنفاق عليها وعلى احتمالاتها، وسيشهد العالموليس أميركا وحدها، إعادة نقاش كل مفاهيم السياسة الداخليةوالخارجية وأولوياتهما. وهذا لا يعني فقط أن أميركا وحدهامغلولة اليدين عن الحروب، بل يعني أيضاً أن القوى المناوئةلواشنطن، مهما كانت وجاهة القضية التي تحمل لواءها كقوىالمقاومة، لن يكون سهلاً عليها حشد بيئتها الشعبية أو حجزالمقدرات والإمكانات اللازمة لخوض حروب مشروعة، كانتتحظى بالأمس القريب بالتفويض الشعبي والسياسي. – الأسابيع المقبلة هي مخاض سريع لتتموضع القوى المنخرطةفي نزاعات، سواء مَن يقف على ضفة حروب عدوانيّة، أو مَنيقاومها، في آليات مباشرة او غير مباشرة لصيغ معلنة أو ضمنيةلوقف النار، والتهدئة، وخلالها ستنشط مساعي التسويات، فوقالطاولة وتحت الطاولة. فالحرب لم تعد عملة رائجة في زمنالكورونا، والأحمق مَن يبادر إليها لأنه سيخسرها بسبب تمكينخصمه من الحصول على التفويض اللازم لردعه، كما تقولأحداث اليمن هذه الأيام، والعاقل مَن يبادر للتفاوض كما يفعلرئيس الحكومة العراقية المستقيلة الدكتور عادل عبد المهدي. (سيرياهوم نيوز-البناء6-4-2020)