آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » الحب حين يفقد حواسه… والعزلة الواقفة على أطلال العالم

الحب حين يفقد حواسه… والعزلة الواقفة على أطلال العالم

هنا تتمازج كل الأحاسيس والمشاعر المتناقضة: العشق والحب والحياة من جهة والموت والمرض والعزلة والألم من جهة أخرى. تنتفي الحدود بين العالمين الخارجي والداخلي، ويستحيل جسد الإنسان وعقله ساحة معركة وحرب. أفلام قد تكون حزينة وكابوسية، يسترجع بعضها حقبات تاريخية ماضية، يرتجع صداها في زوايا الراهن! إليكم بعض الأعمال التي قاربت الحبّ في زمن الكارثة، كما العزلة التي نعيشها اليوم

◄ «الإحساس الكامل»
(2011 ــــ Perfect Sense) ديفيد ماكنزي

كثيرة هي الأفلام التي تشير إلى نهاية العالم، وغالباً ما تكون غنية بالمغامرات والعاطفة، محملةً بأبطال شجعان يواجهون كوارث طبيعة أو حرباً أو مخلوقات فضائية. في أحيان أخرى، قد تكون حزينة، يغزوها شعور الحزن الطبيعي بفقدان الحياة. «الإحساس الكامل» يقدم نهجاً خاصاً لهذا الموجود: فقدان الحواس. في فيلم الاسكتلندي ديفيد ماكنزي، تتخذ النهاية منحى مختلفاً، تبدأ من دواخل الناس وتظهر آثارها على العالم الخارجي. يفقد الناس حواسهم تدريجاً. يبدأ الأمر بأزمات عاطفية، وحزن المرء على أخطائه، وغضب من قصور الآخرين وصولاً إلى فقدان الحواس. تختفي حاسة الشم، ثم التذوق ثم جميع الحواس!

ما يحصل كان له تأثير مباشر على مايكل (ايوان مغرغور) وسوزان (أيفا غرين). هي اختصاصية في علم الأوبئة، ترى الحالات الأولى من هذا المرض الجديد الذي يتفشى في غلاسكو. شقتها مقابل عمل مايكل، مطعم راق حيث يعمل طباخاً. لا يهتم مايكل بالعلاقات الجدية وينتقل من علاقة عابرة إلى أخرى. ذات مساء، يلتقيان، فيدعوها إلى العشاء في المطعم الفارغ لأنّ الناس ما عادوا يخرجون لتناول الطعام خوفاً من المرض. في هذه الليلة، يكشفان الكثير لبعضهما، من حزن على أشخاص، إلى أخطاء ارتكبت… يقضيان الليلة في منزله، ثم يصاب بالمرض. وفي صباح اليوم التالي يفقدان حاسة الشم. «الإحساس الكامل» هو قصة حب ضمن سيناريو نهاية العالم. فكلاهما مندمجان بشكل لا ينفصل. عندما يتدهور العالم الخارجي، يقترب مايكل وسوزان من بعضهما أكثر. وهنا يأتي العالم الميلودرامي الذي ينتقل إليه ماكنزي بمهارة، فلا يدع شخصياته تتأرجح كثيراً عاطفياً وفي الوقت نفسه يبقيها هشة وضعيفة. تُسرد القصة بشكل شاعري. تبدو الكارثة الحسية بعيدة في البداية، لكنها تصبح حقيقية وحتمية. الوعي بأن الوصول إلى نهاية الحواس، يغزو لحظاتهما الحميمية، ما يؤدي إلى دخولهما عالماً جديداً مثيراً بلا حواس.

◄ «الوشاح المطلي»
(2006 ــــ The Painted Veil) ـــ جون كوران

العلاقات العاطفية ليست سهلة دائماً. في بعض الأحيان، هناك أخطاء، سوء فهم متبادل وقرارات قد تؤدي إلى نهاية العلاقة… هذا ما تقوله كيتي (ناومي واتس) التي بالكاد تعرف والتر (إدوارد نورتن)، ولا يبدو أنها تحبه، لكنها تقبل عرض زواجه للهروب من الضغوط العائلية. والتر عالم جراثيم، يعمل في الصين منذ أن التقى بها للمرة الأولى في حفلة. هي مليئة بالحياة تحبّ التحدث والاختلاط والعزف على البيانو. هو، متحفّظ إلى حد ما، قليل الكلام، يكرّس حياته للعمل. يقيمان شهر عسلهما في البندقية، ويعيشان في شنغهاي عام 1925. هناك، تلتقي كيتي بتشارلي (ييف شرايبر) نائب القنصل البريطاني. شيء ما في تشارلي يسحر كيتي، على الأقل جنسياً. يتحرك الباب أثناء وجود الاثنين في السرير، ما يدفع كيتي إلى الاشتباه بأن زوجها اكتشف خيانتها. لكنه كتوم لا يكشف الوضع على الفور ويتحمل فشل الزواج. مع ذلك، لا ينسى الحادث، فيقرر الذهاب والتطوع كطبيب وباحث في أرض بعيدة على حافة نهر، في منطقة ريفية تعاني من تفشي الكوليرا. يتطوع بقصد اصطحاب كيتي معه. وعلى الرغم من رفضها في البدء، إلا أنها تذهب معه. هناك، في تلك المنطقة الشاعرية الملوثة بالموت وعنف القوميين ضد البريطانيين، ووباء الكوليرا، تنشأ شراكة جديدة بين كيتي ووالتر غير الحب. بيئة شاسعة وقاتلة، تجبر الطرفين على اجتياز المصاعب والانفتاح على التسامح. وسط الآلام والمعاناة والموت وفشل الزواج، هل سيجدان العلاج لعلاقتهما قبل فوات الأوان؟ الفيلم هو ولادة جديدة لامرأة تواجه نفسها وقراراتها وواقعها الصارم. رحلة تتّسم بالندم، والألم، والموت وبعض جرعات الانتقام عبر أقاليم جميلة.

بدأ والتر وكيتي بفهم بعضهما وفهم اللحظات الحميمة التي نادراً ما تشاركاها. المخرج الأميركي جون كوران يقدم «الوشاح المطلي»، مستنداً إلى كتاب بالعنوان نفسه للروائي ويليام سومرت موم. فيلم روائي خيالي يتميز بمشاعر حقيقية. فوالتر يحتقر نفسه لأنه أحبها. وهي تشعر بأنها عديمة الفائدة. إنها علاقة زوجية معقدة، بشخصيات معقدة في بيئة ضارة. كيتي ووالتر يرتكبان الكثير من الأخطاء، يخطئان في الحكم على شخصية ومشاعر بعضهما، ويخطئان في الأفعال. مع ذلك، فإنهما قادران على إدراك هذه الأخطاء، مع الموت والحرمان اللذين يحيطان بهما وقد أسهما في تغيير السلوكيات. هناك شيء من الضيق والكرب في القرية، يجعلنا نشم الرائحة المتعفنة التي تملأ المكان. ولكن هناك أيضاً ألفة ما، وتفهّم وتقبّل ونظرات تصارع المشاكل والموت. كل شيء في الفيلم يتمازج: الحب والمشاكل والمرض والموت لتولد لحظات مؤثرة، تتدفق فيها المشاعر على طبيعتها.

◄ «سينكدوكي، نيويورك»
(2008 ـــــ Synecdoche, New York) – تشارلي كوفمان

«سينكدوكي، نيويورك» أول فيلم من إخراج الأميركي تشارلي كوفمان، مليء بالمواضيع التي يمكن وضعها تحت خانة علم النفس والتحليل النفسي. شريط يحاكي الموت، والوحدة… عن متلازمة وهم كوتار أو متلازمة الجثة المتحركة، ومتلازمة كابجراس. من الصعب إدراك ما يحصل أمامك بسهولة. كأنك في جلسة علاج معقدة. أبدع كوفمان في كتابة السيناريو، كما عودنا على أفكاره في سيناريوات جنونية سابقة. وبكل تواضع، نجح في إنتاج عمل يستحيل إنتاجه، وصّور حياة لا يمكن تصويرها. يأخذنا الفيلم، إلى الحياة البائسة للمخرج المسرحي كادن كوتارد (فيليب سيمور هوفمان) الذي هجرته زوجته وحرمته من طفلته. أما الطبيبة النفسية، الذي لجأ إليها كي يجتاز محنته، فتركّز على بيع كتابها أكثر من تقديم العلاج المناسب لحالته. لا تقف الأمور عند هذا الحد. يحاول كوتارد الدخول في علاقة غرامية، لكنها تنتهي قبل أن تبدأ. يصاب المسرحي، بحالة مرضية غامضة وغير مألوفة تؤدي إلى ضعف الوظائف الحركية للجسد، تصل لاحقاً إلى شلل الأعضاء. رغم كل هذه العوائق، يبقى كوتارد مصراً على إنتاج عمل مسرحي ضخم. يمضي كامل حياته وهو يؤسس مسرحاً، يشبه مدينة نيويورك، فيبدأ ببناء مدينته، داخل مستودع كبير. يستقطب عدداً من الممثلين والممثلات، ويطلب منهم إكمال بقية حياتهم داخل هذا المسرح، والعيش بطريقة طبيعية هناك. تجتمع في المسرحية كل أحلام وطموحات كوتارد، حتى يصل به الأمر إلى جعلها نسخة طبق الأصل عن حياته يدفن نفسه بداخلها. هي المسرحية المتأرجحة بين الواقع والخيال، عن التشابك المحتم بين الحياة الحقيقية والحياة المسرحية. ليس هناك سوى خيط رفيع يفصل بينهما، ويصعب إدراكه.

سينكدوكي، هو المكان الذي نعيش فيه، العالم الخاص لكل شخص منا. نحن لسنا سوى جزء في حياة الآخرين، وهم بدورهم جزء من حياتنا. ففي أي حياة نعيش؟ ماذا سنكون في ما بعد؟ وماذا يريدون هم منا؟ وماذا تريد الحياة؟ تبقى هذه الأسئلة تدور في أذهاننا، لتشكل محور عالمنا. مع مرور السنين، نلتفت إلى الخلف لنقيّم أعمالنا، أفكارنا، قراراتنا، ونحاول تصحيح الأخطاء السابقة، ونسعى لتغيير الاتجاهات. لكننا لا نصل إلى نتيجة ولا نخرج راضين. أما الحياة فهي لغز، والحل مستحيل. نأتي بمفردنا إلى الحياة، نستمر، ونموت وحيدين. وخلال هذه المسيرة، نحاول كسر الوحدة أو اجتيازها. هذا ما حاول كوفمان إظهاره، عبر حياة معقدة، مزدوجة، لكوتارد الذي يحاول بناء موقع يحاكي المدينة بشكل حقيقي لكن ضمن إطار مسرحي.
فيلم يمزج السريالية بالواقعية، يطرح أمامنا مشاعر غير واضحة، وأفكاراً حادة وصعبة. يثير العديد من التساؤلات عن طبيعة الجنس البشري، وطريقة التواصل مع الآخرين. يكشف عن إرضاء «الأنا»، وحب الذات… كل ذلك من خلال مسيرة حياة رجل واحد.. رجل واحد فقط.

◄ «الختم السابع»
(1957 ــــ The Seventh Seal) – انغمار بيرغمان

الطاعون، الموت الأسود ضرب أوروبا في منتصف القرن الثاني عشر. وضرب السويد عندما عاد انطونيوس بلوك (ماكس فون سيدو) من الحروب الصليبية. ذهب إلى الأراضي المقدسة كمحارب شاب مؤمن، وعاد مدمراً من الشك وعدم اليقين. فكرة أنه قد لا يكون هناك إله، لا تطاق بالنسبة له. عندما يقف الموت (بينغت إيكروت) فجأة أمامه… يطلب الدليل ويتحدى الموت في لعبة شطرنج. مثل أي صانع أفلام عظيم، إنغمار بيرغمان يقدم التساؤلات، لكن ليس بالضرورة الإجابات. فيلمه هو جزء من النقاش الذي دار بين الفنانين والفلاسفة في تلك الحقبة. المجتمعات خرجت وما زالت من فترة صادمة تجبر الجميع على إعادة النظر في المعتقدات الراسخة حول الحضارة والدين ومكاننا في الكون. بيرغمان وقتها رأى أوجه الشبه بين وقته والعصور المظلمة وخلق استعارة لمعالجة قضية حديثة. «الختم السابع» واحد من الأفلام التي تبدو مألوفة تماماً للناس في جميع أنحاء العالم، سواء شاهدوه، أو شاهدوا فقط الصورة الشهيرة لمشهد لعبة الشطرنج، التي انطبعت في ذاكرتنا الجماعية من خلال عقود من التقليد والمحاكاة الساخرة. عُرض الفيلم عام 1957، لمخرج يصنع أفلاماً شخصية حول عدم الأمان، والمخاوف، والذكريات. فيلمه يقف كنقاش فلسفي حاد حول وجود الله وما ينتظرنا بعد الموت.

عمل فني يمسك المشاهد من العنق، مؤمنين وغير مؤمنين، لا يطالب بالإيجابيات بل بالاعتراف بأن هذا أهم سؤال، السؤال الوحيد: ما هو الوجود، ولماذا يوجد كل شيء؟ حتى بعد كل هذه السنوات، لا يزال الفيلم معياراً لا تشوبه شائبة حول المعضلات الأخلاقية. يقدم المخرج السويدي نظرة عميقة إلى العقليات وطرق التفكير والحياة عندما كان الطاعون منتشراً في جميع أنحاء الأرض، والناس يتساقطون مثل الذباب. يقدم نظرة بانورامية لمجتمع من العصور الوسطى يعيش في ظل الموت (تماماً مثلنا نحن في العالم الحديث). يتضمن الفيلم القديسين والمخطئين وغير المؤمنين والأبرياء والفقراء والأغنياء، ونشاهد الطريقة التي يتعامل بها هؤلاء مع العنف والظلم في عالمهم الذي هو مرآة لمعضلاتنا الوجودية. نحن نواجه الرعب، الاكتئاب، والأمل. كل الشخصيات قادرة على الارتياح مع بعضها، تجد السعادة في هذا الشعور المشترك بالوحدة واليأس. فيلم يسمح لنا بلطف الجلوس ومشاهدة شخصيات أخرى تستثمر طاقتها في أفكار المرض والموت والخروج بفكرة عامة عن كيفية تأثيرهما علينا. يعرف بيرغمان جيداً الأسئلة المتناهية الصغر التي تأتي من الغوص في أعماقنا النفسية وشكوكنا وإحباطاتنا في الحياة. ورغم أنّه استجوب نفسه مراراً في أفلامه اللاحقة، إلا أنه لا يقدم إجابات أبداً، بل حرية السؤال.

◄ «نفور»
(1965 ــــ Repulsion) – رومان بولانسكي

كارول (كاترين دونوف)، فتاةٌ خجولة لأقصى الحدود، عشرينية تعاني وسواساً قهرياً بالنظافة والترتيب، وعذراء تعاني رهاب الذكور. تتقاسم الشقة مع شقيقتها إلى أن يخترب روتين حياتها الرتيبة مع مغادرة الأخيرة في إجازة مع عشيقها المتزوج. تبقى كارول وحيدة بوجه وساوسها العويصة. تضطر لملازمة المنزل بعدما واجهت مشكلة في العمل. من هنا يبدأ عقل الصبية بالتفكك، بل يمحو الخيط الفاصل بين الواقع والخيال. ها هي تنغلق على نفسها أكثر فأكثر، تنزوي بين الجدران الأربعة. كلّ شيءٍ في الخارج بات معادياً لها، وليس فقط الرجال. عندما تبدأ الهلوسة، يتكاثر أعداؤها المتخيلون حتى داخل منزلها. في غرفة نومها مغتصبون، في الجدران أيادٍ تتلمّسها، الهاتف يترصّدها أيضاً، لا يكفّ عن الرنين حتى تقصّ سلك الهاتف، فتقطع بذلك آخر اتصالٍ لها بأرض الواقع. تدبّ الروح في المنزل، روحٌ مزعجة ومؤرقة، لكنّ هذه الشقة التي كانت مأوى مملاً وعازلاً منمقاً عن مخاوفها الكثيرة، تصبح أعظم معذبيها. إن كان الرجل «العدو» خارج المنزل، فهو الآن يخترق كل غرفة في الشقة، يتجول بثقة وأحياناً بكثيرٍ من العنف. يجتاحها المكان، يصبح خانقاً لا بل معادياً ومعتدياً، فتتدهور حالة كارول النفسية والعقلية، تفقد السيطرة تماماً ويضيع عقلها بين تهيؤاتها وخيالاتها المرعبة. بيئة مخيفة قاتمة، والأكثر رعباً أن الأبعاد تصبح متغيرة، تتوسع الجدران ثمّ تضيق، تكبر الغرف ثم تصغر.. يسجننا منزل كارول الذي لم يعد فائق الترتيب. نخاف، نرتعب، نصبح في حالة مشوشة، نتسمّر نراقب حال كارول يسوء ونتيقّن أن النتيجة لن تكون إلّا كارثية.

«نفور» فيلم رومان بولانسكي الثاني، لكنه الأول بالإنكليزية. ليس مجرّد فيلم رعب، يتخطى ذلك بأشواط. نحن أمام رعبٍ نفسيٍ عميقٍ ومؤذٍ. لا يعرض فقط كيف تجنّ كارول، بل يصمّ آذاننا في ضجيج حالتها العقلية. يضيّع رشدنا في سوداوية هلوساتها، حتّى يتهيأ لنا أن المشكلة تكمن فينا. كل شيء في الفيلم نراه بأعين وذهن كارول. لهذا السبب ننغمس تماماً في حياتها ووضعها النفسي، منذ البداية مع الروتين القاتل إلى آخر لحظات جنونها. صحيح أننا نندمج بحواسها، لكنّ الأجمل هو دخولنا المبهر لكن العاصف في ثنايا عقلها ومرضها المزمن. ومثل الكثير من أعمال بولانسكي، الجنس لا يأتي عنصراً حسياً جميلاً مكمّلاً، بل هو عنصرٌ محرّك، عقدة يجب تفكيكها وتفصيلٌ لا يجدر إغفاله لفهم الحالة. «نفور» فيلم رعب نفسي، غير مريح طبعاً وهذا هو المطلوب. هو سرد متأرجح بين الواقع والخيال، بين الحقيقة والسريالية، بين كثير من التناقضات، استثنائي فنياً يوهمنا ببراعة بأن الكاميرا داخل عيني كارول. هاتان العينان اللتان بدأ بولانسكي منهما المشهد الأوّل، ثمّ رمانا داخلهما طوال الفيلم، ليقحمنا داخل عقل كائن معقّد مريض، ليعلّقنا في بحثٍ منهكٍ عن الأسباب والدوافع، ثمّ يلقي بنا متهكّماً وربما جاداً، أمام صورة كارول الطفلة ذات العينين البريئتين.

لا تريد أن تتذكر أي شيء آخر. تجلس هنا ولا تبغي سوى الانتظار حتى لا يبقى ما يُنتظر. تعود إلى غرفتك، وتخلع ملابسك، وتنزلق بين الملاءات، وتطفئ الضوء، وتغمض عينيك. الآن هو الوقت الذي تتجمع فيه نساء الحلم بسرعة، ويخلعن ملابسهن بسرعة كبيرة حولك، وهو الوقت الذي تعيد فيه قراءة كتب الغثيان التي قرأتها ألف مرة من قبل، عندما تقذف وتدور لساعات من دون الحصول على النوم. هذه هي الساعة التي تفتح فيها عينيك على مصراعيها في الظلام، وأنت تتلمس يدك نحو قدم السرير الضيق بحثاً عن منفضة السجائر، أعواد الثقاب، وآخر سيجارة. بهدوء تتلمس تعاستك اللزجة. إن التعاسة لم تقضِ عليك، بل انسلت على مهل وسحبت بدقة حياتك، حركاتك، ساعاتك، غرفتك، استحوذت على شقوق السقف، على تجاعيد وجهك في المرآة المتشققة، على أوراق اللعب، انسالت بقبح مع قطرات الصنبور، صدى ينسجم مع دقات ساعة سانت روش كل ربع ساعة. كم مرة كررت الإيماءة المبتورة نفسها، الرحلة نفسها التي لا تؤدي إلى شيء؟ كل ما تركته يرجع إليك، صبرك الغبي، والالتفاف الذي يقودك دائماً إلى نقطة البداية. كل ما يهم هو وحدتك: مهما فعلت، أينما ذهبت، لا شيء تراه ذو أهمية، كل ما تفعله، تفعله عبثاً، لا شيء تبحث عنه حقيقي. العزلة وحدها موجودة، في كل مرة تواجهها، وفي كل مرة تواجه نفسك»
(سيرياهوم نيوز-الأخبار24-3-2020)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مبادرات أهلية للتخفيف من معاناة الفقراء بطرطوس

3/4/2020 نتيجة الإجراءات الاحترازية المشددة التي اتخذتها الحكومة للتصدي لفيروس كورونا، وبعد أن تم حظر التجوال والتنقل وتوقيف الكثير من الأعمال التي كانت مصدر الرزق اليومي ...