آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » في مهرجان “سوراج كوند ميلا” للحرف اليدوية.. التراثٌ السوري يُحاكي العالم

في مهرجان “سوراج كوند ميلا” للحرف اليدوية.. التراثٌ السوري يُحاكي العالم

الهند “دلهي”- لبنى شاكر
2020/03/29

يَسهلُ الوصول إلى “فريد آباد” إذا ما اتجهت السيارة مباشرة إلى الشرق من “دلهي” قبل أن تنحرف باتجاه الجنوب، ومع الارتفاع الواضح في درجات الحرارة، تتضح معالم المدينة التابعة لولاية “هيريانا” بعد ساعة واحدة من الانطلاق. هكذا يبدو الأمر سهلاً فعلاً، لكنه لا ينطبق على الحرفيين السوريين القادمين إلى المكان ذاته، إذ تكثر الصعوبات أمام هؤلاء حتى تغدو مشاركتهم في المهرجان الدولي “سوراج كوند ميلا” تحدٍّ سنوي، يبدأ مع إجراءات السفر ولا ينتهي مع الأوزان المسموح بها في رحلة الطيران، التي تتيح لهم اصطحاب عدد محدود من القطع والمشغولات، من دون أن ننسى أن لبعضها أحجاماً كبيرة وأوزاناً ثقيلة.
تستقبل “فريد آباد” حوالي خمس وعشرين وفداً حرفياً من أنحاء العالم، ولهذا السبب تحديداً تبدو المشاركة السورية ضرورة بالنسبة للحرفي الراغب بعرض التراث السوري اليدوي بعد ما ناله خلال الحرب، ولا نبالغ لو قلنا إنّ حِرفاً كثيرة أوشكت على الفناء مع الدمار الذي أصاب ورشاتها عدا عن غلاء موادها الأولية، وإن كان غياب العاملين بها سبباً هو الأكثر إشكالية، فعدد كبير منهم توفي أو غادر البلاد في السنوات الأخيرة أو لم يعد العمل مجدياً برأيه، لتصبح المشاركات الخارجية ولاسيما في دولة كالهند، تهتم بالإبداع اليدوي، فرصة لنذكّر العالم بما لدينا من مهارات وحِرف تراثية سورية، وهو ما فعله سوريون قدّموا نماذج من أعمالهم ونالوا جوائز المهرجان في أكثر من عام.

طابع شرقي

في حديثه لـ “تشرين” يقول الحرفي عدنان تنبكجي، وهو شيخ كار في الفنون التراثية، شارك في مهرجان “سوراج كوند ميلا”، ومثّل سورية في العديد من المهرجانات المحلية والدولية، إن زيارة بلد كالهند متعدد الحضارات والثقافات، تركت أثراً طيباً في نفسه، وشجعته ليتابع عمله في الصناعات اليدوية رغم وجود الآلات والتقنيات الحديثة في أنحاء العالم. . ويضيف تنبكجي: الغاية من المهرجان تبادل الثقافات بين الدول المشاركة، وهو يضم مجالات مختلفة منها “الحرف اليدوية، المأكولات، التراث الشعبي المادي واللامادي، فنون الأداء، الموسيقا”، وكما هو معلوم الاحتكاك والتواصل مع الآخرين، يزيد الخبرة ويرفد الحرفي بتقنيات وأساليب جديدة، وهو ما عايشناه كحرفيين حين شاهدنا تنزيل “المينا الملونة” على النحاس.
خلال أيام المهرجان كان الحرفيون السوريون ومن بينهم تنبكجي يمارس حرفته أمام الزوار من مختلف الجنسيات، كالطَرق على النحاس وتجميع الثريات و”اللمبديرات” بطريقة فنية رائعة، إضافة إلى رسومات هندسية وزخارف تراثية، قدمها مستخدماً رمل “المازار”، وفي الوقت نفسه تابع حرفاً كثيرة تُجمّع وتُطبّق بشكل يختلف عن نظيراتها في سورية، خاصة ما يتعلق بالنول اليدوي وتنزيل الصدف، وهنا يقول: بلا أي غرور حرفي، أرى أن معظم الأساليب الموجودة لدينا أفضل وأقوى، بدليل أنني اقتنيت أكثر من تحفة خشبية ونحاسية وقماشية، لكن “عمرها قصير” لم تبق كما هي لفترة طويلة لأن معظمها يفتقد الجودة في التصنيع، لدينا طابع شرقي يفوق ما لدى الهنود لكنهم أفضل في مجال الحرير.

حِرف متشابهة

اللافت في حديث الحرفي، ملاحظته عن أوجه الشبه المشتركة بين الحرف السورية والهندية في النحاسيات والأنوال والخشبيات، تحديداً الطَرق على النحاس وتنزيل الصدف البحري على الخشب، وهما حرفتان يدويتان قديمتان جداً في الهند لكن بأساليب مختلفة عما هو موجود في سورية، ومن يدري ربما يُثمر الإبداع بين الطرفين، عن حرفة جديدة تجمع المميز من كليهما، كما يقول تنبكجي، لكن أولاً الحرفي بحاجة لدعم أكبر من الجهات المعنية في سورية، بما يتعلق بتكاليف الشحن الكبيرة جواً، علماً أن حل المشكلة يكمن في الشحن البحري، كوسيلة تسهّل تصدير الحرف السورية من مختلف المحافظات، بحيث نعطي الزوار القادمين من أنحاء العالم إلى الجناح السوري، فكرة شاملة عن بلدنا.
بدوره يؤكد الباحث في التراث الشعبي محمد فياض الفياض، والذي زار مهرجان “سوراج كوند ميلا” في “فريد آباد”، بأن “هناك الكثير من الحرف التقليدية المتشابهة في المدرستين الشامية والهندية لاسيما تلك الأعمال المتعلقة بالحرف الخشبية المطعمة بالصدف والمعادن الثمينة، وكذلك الحرف النسيجية، إذ تشتهر المدرستان بإنتاج العديد من الأنسجة فائقة الجودة نحو الحرير والسجاد والبسط، أيضاً تهتمان بالخط العربي الإسلامي، كما تنتج المدرستان العديد من القطع الفنية النحاسية المكفتة بالذهب والفضة، عدا عن صناعة أنصال السيوف وإنتاج الجواهر، وتنزيل المينا على النحاس بالإضافة إلى صناعة الزجاج اليدوي والفخار والخزف المزجج والمحلى، وصياغة الذهب والفضة وما إلى ذلك من فنون حرفية فريدة”.

المدرسة الدمشقية

لكن ما يوضحه الفياض أيضاً لـ “تشرين” هو أن المدرسة الدمشقية كان لها قصب السبق في ترسيخ قيم الحرف التقليدية، بعد صدور العديد من القوانين والتشريعات المهمة ومنها المرسوم التشريعي رقم “250” للعام 1969م والقاضي بإحداث الاتحاد العام للحرفيين وما يتفرع عنه من اتحادات فرعية وجمعيات تخصصية في مجال كل حرفة، كما غدت شريحة العاملين في قطاع الحرف التقليدية في البيئة السورية أكثر فاعلية مقارنة بالفترات الزمنية السابقة لاسيما قبل الاستقلال. كما تتصف المدرسة الدمشقية عن المدارس الأخرى بعمق الموروثات الشعبية وتراكم المعارف في المجالات كلها، خاصة أن دمشق تمتلك العديد من الحرف التقليدية الشهيرة والتي غدت مع الزمن ثوابت وطنية تحقق الحضور الأمثل في الفعاليات الاقتصادية العالمية ومن ذلك حرفة: السيف الدمشقي والحرير الطبيعي “البروكار”، الحرف الخشبية المتمثلة بالصدف والموزاييك والدهان الدمشقي “العجمي”، حرفة التكفيت أي تنزيل المعادن الثمينة نحو الذهب والفضة على النحاس بأساليب ابتكارية إبداعية تختلف عن المدارس الأخرى من حيث الأشكال والتصورات. . وتبعاً لما يقوله الفياض، فقد أشار الزعيم الهندي “المهاتما غاندي” عام 1947م، إلى ما اكتسبته مدن بلده و”دلهي” خاصة من الرفاهية الفنية، وإلى أن الفضل في ذلك يعود لما بلغته الصناعـة الإسلاميـة من إتقان في الزخارف العربيـة “الأرابيسك”.

تعدد ثقافي

أما عن المدرسة الهندية، فيرى الباحث بأنها “توازي في فكرها وعمق رواسبها الثقافية المدرسة الدمشقية من حيث التنوع والتميز في مجالات كثيرة من الفنون على الصعد كلها، ويصعب على أيّ شخص تربى في مجتمع تجمعه لغة واحدة أن يستوعب ترسخ التعدد الثقافي في الحياة الهندية، فبعد استقلال الهند سنة 1947م تم الاعتراف في دستور البلاد بست عشرة لغة رسمية، في غضون ذلك بلغ عدد اللغات الرسمية المعترف بها حاليًاً اثنين وعشرين لغة، وتتبوأ اللغة الهندية مركز اللغة الوطنية الرسمية، في حين تُعد اللغة الإنكليزية لغة رسمية ثانية، بالإضافة إلى التعدد اللغوي والتنوع الثقافي، وقد أحصى الرصد الأنثروبولوجي للهند خمسة وعشرين نظاماً للكتابة وثلاثمائة وخمساً وعشرين لغة”.
في المحصلة، ووفقاً لهذه الخصوصية التي تتمتع بها المدرستان الدمشقية والهندية، تصبح التظاهرات الدولية والمعارض التخصصية مساحات واسعة للتواصل البنّاء بين الشعوب كلها، وهو أمر لا ينفصل برأي الفياض عن “واقع الصناعات الحرفية الذي يختلف باختلاف حاجات المجتمعات وظروفها الطبيعية والبيئية والاجتماعية والتقنية، كما أن الحرف تنمو وتتنوع في أحضان نمط الإنتاج السائد، وعليها أن تظل دائماً طيّعة لتتواكب مع لغة التحول وتستجيب لأحوال الناس وأذواقهم ورغباتهم، وعلى هذا الأساس فقد تغيرت المصنوعات الحرفية على مر العصور من حيث تشكيلها وموادها الأولية، وطريقة تصنيعها، وكيفية استخدامها”.

(سيرياهوم نيوز-تشرين)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رحالة تشيكي: سورية موطن الجمال والأمان

2020-05-28 أكد الرحالة التشيكي لاديسلاف كالوس أن سورية ستبقى موطن الجمال والأمان والازدهار بالرغم من كل ما تعرضت له من دمار وتخريب ممنهج على يد ...