آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي » هل يفاجئنا الحكام العرب و يغتنموا فرصة تفشي الوباء ويطلقوا سراح سجناء الرأي؟ وهل يصدق المثل الشهير رب ضارة نافعة في هذه الأيام؟ ولماذا تبقى قوانين العفو العام العراقية الأكثر غرابة

هل يفاجئنا الحكام العرب و يغتنموا فرصة تفشي الوباء ويطلقوا سراح سجناء الرأي؟ وهل يصدق المثل الشهير رب ضارة نافعة في هذه الأيام؟ ولماذا تبقى قوانين العفو العام العراقية الأكثر غرابة

د. سعد ناجي جواد

لم تمر البشرية بكارثة صحية هددت حياة البشر في كل أنحاء العالم مثل ما تمر به الكرة الأرضية في هذه الأيام، ومنذ ان تم اكتشاف هذا الوباء نهاية العام الماضي. صحيح ان أوبئة كثيرة حصدت أرواحا اكثر من ما حصده هذا الوباء لحد اليوم، الا ان الأوبئة السابقة لم تكُ تشمل كل قارات العالم مرة واحدة ولم تجبر الناس على البقاء في بيوتها بنفس الطريقة التي اجبرت بها مواطني كل دول العالم اليوم.

ان اخطر ما في هذا الوباء انه ينتشر بسرعة مذهلة في الأماكن المزدحمة وعن طريق التلامس المباشر، ولا يوجد هناك أماكن اكثر ازدحاما ومكدسة بالناس فوق طاقتها الاستيعابية اكثر من السجون في الوطن العربي.

بالعودة الى الأحصائيات التي تقوم بها بعض المنظمات غير الحكومية يظهر ان هناك خمسة دول سجلت أرقامًا مخيفة من حيث نسبة السجناء الى عدد السكان، ومن دون ذكر اسماء هذه الدول، لان غرض هذا المقال هو ليس التشهير وإنما لهدف انساني اكبر وأعمق يتمثل في محاولة حث قادة الدول العربية جميعًا ودون استثناء على تبييض سجونهم كلما كان ذلك ممكنا، خاصة وان الغالبية العظمى من سجناء هذه الدول هم من من يمكن تصنيفهم بانهم سجناء راي، اي انهم ليسوا بالقتلة او المجرمين او سراق المال العام او الارهابيين او تجار المخدرات. وحسب هذه الإحصائيات فان دولة ما سجلت 301 سجينا من كل مئة الف من السكان، والثانية سجلت 229 سجينا من كل مئة الف. والثالثة سجلت 222 سجينا من كل مئة الف، والرابعة 212 سجينا من كل مئة الف والخامسة 161 سجينا من كل مئة الف. أما السجون الاسرائيلية فهي تعتبر الاكثر اكتظاظًا حيث انها تحتوي على حوالي 20 الف ومئتي سجين غالبيتهم الساحقة من الفلسطينين العرب.

وتبقى هناك دولًا عربية اخرى لا توجد فيها او عنها اية احصائيات خاصة بعدد السجناء، وأنها تتعمد اخفاء المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع على اساس ان ذلك يمكن ان يثير منظمات حقوق الإنسان ضدها، او انها تعمد الى تكذيب اية أحصائية تتحدث عن اي خرق لحقوق الإنسان فيها، ومن ضمن ذلك الأحكام التعسفية والسجن بدون تهمة محددة. ان احتمالات تفشي الوباء في السجون العربية كبيرة جدا، وان هذه الكارثة اذا ما حدثت فسوف لن ينتج عنها، كما يعتقد البعض، تخليص بعض الحكام من معارضيهم عن طريق تركهم بدون عناية ليموتوا بهذا المرض اللعين، وإنما هكذا حالة لا سامح الله ستساهم في انتشار الوباء في هذه الدول بصورة كبيرة مما سيجعلها غير قادرة على محاصرته بعد ذلك، وقد يؤدي الحال الى تدمير اجيال قادمة. ولهذا فان الحل الأسلم والأكثر إنسانية يتمثل في إطلاق سراح الغالبية العظمى من السجناء، وعلى رأسهم سجناء الرأي والشباب لانهم يمثلون العمود الفقري لمستقبل هذه الدول ولانهم يمكن ان يساهموا في جهود مكافحة هذا الوباء. كما ان استغلال هذه الجائحة لتمرير عفو عام يمكن ان يخلق حالة جديدة من المصالحة الوطنية، ويجعل بالتأكيد العلاقة اكثر إيجابية في مجتمعات هذه الدول، وخاصة بين الحاكم والمحكوم. فهل سيغتنم ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية هذه الفرصة الذهبية كي يبدأوا عهدا جديدا نتيجة لتفشي هذا الوباء الذين تحتاج فيه الدول الى كل طاقاتها البشرية لتجاوز هذه المحنة؟ وهل سيتمكن حكامنا من ضرب المثل العالي في التسامح والعفو عند المقدرة الذي يحث عليهما قرآننا الكريم وسُنة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام؟ وهل سنسمع في الأيام القليلة القادمة عن قرارات تؤسس لبداية جديدة لمجتمعات اكثر ازدهارًا وتسامحًا؟ لا نملك في هذه الأيام العصيبة الا ان نرفع أيدينا بإلدعاء من اجل ذلك.

في الحديث عن الحالة العراقية يمكن ملاحظة مسالتين مهمتين: الاولى ان العراق يصنف ايضا واحدًا من الدول التي لا تنشر معلومات واضحة ودقيقة عن أعداد السجناء فيه. الثانية ان حكومات ما بعد عام 2003، أصدرت اكثر من عفو عام، (2008 و 2016) الا ان نتائج هذه الإعفاءات كانت مخيبة للآمال، حيث تمخض عنها إطلاق سراح سراق المال العام والمزورين والفاسدين بل وحتى مرتكبي جرائم قتل وتجار المخدرات، في حين ان الغالبية العظمى من المحكومين والمسجونين السياسيين وخاصة أولئك المتهمين بتهم (الإرهاب)، وهي تهم أطلقت وتطلق في الغالب على كل من يخالف الأحزاب والكتل الحاكمة، وتهم المخبر السري الذي لا يعرف من هو ولا يعرف ما هو مصدرها او دليلها، والتي في غالبيتها كيدية، ولم يفكر احدا بهم او بشمولهم باي عفو على اساس انهم يشكلون خطرا على (الأمن الوطني). في حين تركت عصابات الخطف والقتل والسرقة والابتزاز تصول وتجول في كل مدن العراق وبدون محاسبة جدية. علمًا ان أعداد المسجونين بتهم (الإرهاب) والمخبر السري على كثرتها لا تشمل المخطوفين والمغيبين في السجون السرية الخاصة والتابعة للأحزاب والمليشيات المتنفذة، وان أعداد هؤلاء ربما تفوق أعداد المثبتين رسميا كسجناء في السجون الرسمية والمعروفة. وهولاء لا يمكن ان يشملهم اي عفو لسبب بسيط ان اغلب الأحزاب والمليشيات التي تتحكم بمصير هؤلاء المساكين لا تطالهم سلطة الدولة، وربما تكون الأجهزة الحكومية لا تعرف شيئًا عن مصيرهم او عن السجون السرية والخاصة التي تضمهم، وان مشكلتهم لا يمكن ان تحل الا اللهم بتدخل منظمات دولية وانسانية مقتدرة، او بتدخل أطراف تمتلك نفوذا كبيرا على هذه المليشيات او الفصائل المسلحة، وهذا امر مستبعد جدا.

في هذه الأيام يجري الحديث عن عفو عام جديد اخر، وتكلل هذا الحديث بطلب رئيس وزراء تصريف الأعمال من رئيس الجمهورية بالعمل على اتخاذ ما يلزم بشأن إصدار قانون عفو جديد نظرًا للظروف التي يمر بها العالم نتيجة لتفشي فيروس الكورونا. الا ان الملفت للنظر ان مسودة هذا العفو أيضًا لم تشمل الأعداد الكبيرة من المتهمين بتهم (ارهاب) واغلب أصحابها من الشباب الذين اضطروا للاعتراف على انفسهم نتيجة الكم الهائل من التعذيب الجسدي الذي تعرضوا له. وبالتأكيد انها لن تشمل حوالي عشرين الف معتقل ومخطوف ومغيب اخذوا من بيوتهم ومن بين عوائلهم من قبل مليشيات مسلحة بعد طرد عصابات داعش من محافظاتهم الغربية، ولا يعرف اي شيء عن مصيرهم. (اخر المختطفين هو الصديق الصحفي المعروف توفيق التميمي وقبله مجموعة من قادة التظاهرات والحراك الشعبي الذي لم يعرف مصيرهم لحد الان). لقد كان يفترض بهذا المقترح ان لا يستثني الذين تعرضوا ولا يزالون يتعرضون لظلم غير مسبوق من هذه الفئات، او ان يعاد التحقيق بشفافية بقضاياهم وان يشمل ذلك المغيبين في السجون السرية. وانه لمن المؤسف ان تطغى الصراعات السياسية المدعومة من الخارج على الحالة في العراق مع استمرار انتشار هذا الوباء القاتل بسرعة كبيرة، وان تبقى الكتل السياسية مشغولة بالمنابزات والبحث عن المناصب وفي ظل فتاوى متخلفة تتعارض مع جهود وزارة الصحة ونداءات الوزير الدكتور جعفر علاوي الذي اثبت كفاءة واخلاص نادرين في إدارة الأزمة، ومعه كوادر الوزارة، لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وبدون دعم مادي يذكر من الدولة وبغياب مستلزمات صحية حيوية كثيرة.

ويبقى الأمر متروك لأولي الأمر في العراق. فهل سيعي هؤلاء خطورة الموقف ويتعاملون معه بما يستحق من إهتمام؟ خاصة وان الموت اصبح يحيط بالبشر من كل جانب. وهل سيفكرون ولو لمرة واحدة واستثنائية بانقاذ النفوس المهددة بهذا الوباء بعيدا عن مصالحهم الضيقة والأنانية، وبعيدًا عن فكرة تصفية الذين يختلفون معهم؟ هي أمنية صعبة جدا بل وربما شبه مستحيلة، ولكن عسى ان يلقى هذا النداء الإنساني البحت، والبعيد كل البعد عن اية أهداف سياسية، استجابة من قبل من بقي في قلوبهم ولو نزر يسير من رحمة وشعور بالمسؤولية كي يفوزوا برحمة وغفران من الله تعالى:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ صدق الله العظيم

كاتب واكاديمي عراقي

(سيرياهوم نيوز-رأي اليوم7-4-2020)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الوباء: الأهداف والدروس المستفادة*
هكذا كشف الوباء الأسطورة الغربيّة عن «نهاية التاريخ»

 سيرغي لافروف  وزير خارجية روسيا الاتحادية  _ لقد غيّر الانتشار السريع للفيروس التاجي الجديد الحياة علىالكوكب بين عشية وضحاها. كما أصبح اختباراً ساحقاً للعلاقاتالدولية، على مستوى الدول منفردة والتحالفات المتعددةالأطراف. وتشمل العواقب الواضحة، الركود الاقتصادي، وأزمةالحوكمة العالمية، ونمو المشاعر الحمائيّة والانعزاليّة. لقد حدّالوباء بشكل كبير من التبادل الإنساني والثقافي والسياحي،وكذلك انعكس على مستوى الاتصال بين البشر. ولكن هذا ليسسوى غيض من فيض. بالطبع، عندما نترك الأزمة وراءنا، وهذا سيحدث بالتأكيد يوماًما، سنحتاج إلى إجراء تحليل شامل لقدرة العالم على الصمودفي وجه مثل هذه التحديات والعثور على استجابات مشتركة لها. ومع ذلك، نعتقد أنه يمكن الآن التوصل إلى بعض الاستنتاجات. الأوبئة واسعة النطاق ليست جديدة في تاريخ البشرية. لقدحدث ذلك من قبل. ولكن ما يجعل الوباء الحالي مختلفاً هو أنهيحدث في زمن انفتاح غير مسبوق بين الناس والبلدان والقاراتبأكملها. لقد أدّت الإنجازات في مجالات التكنولوجياوالمعلومات والنقل إلى عولمة الناس فكرياً وحتى جسدياً، ممايعني أن غالبية التحديات الجديدة تصبح في نهاية المطافمشاكلنا المشتركة أو على الأقل تكتسب بعداً دولياً. لقد حذرنامنذ فترة طويلة من خطر الاستهانة بالطبيعة العابرة للحدودللعديد من التهديدات، من الإرهاب إلى الجرائم الإلكترونية. قلناأيضاً إنه لن يتمكن أي شخص من تجاوز العاصفة في ملاذ آمن،أو الاختباء وراء الخنادق والأسوار، أو محاولة تسوية مشكلاتالمرء على حساب الآخرين. أثبت تأثير الفيروس هذا بشكل مقنع. الوباء هو أيضاً درس في التواضع: جميع البلدان والشعوبمتساوية قبل المأساة، بغض النظر عن الجغرافيا أو الثروة أوالطموحات السياسية. لقد أزالت أزمة الفيروس التاجي كل ما هواصطناعيّ ومبدع، مما يلقي ضوءاً ساطعاً على القيمة الدائمةللحياة البشرية. تبين أن الجميع بعيدون عن الاستعداد للسيطرة على الوباء. حتى الآن، عندما كان يجب أن يجمعنا التحدي العالمي ويجبرناعلى وضع خلافاتنا جانباً لبعض الوقت على الأقل، يمكننا أن نرىأمثلة سلبية على المواقف المتوحشة. استسلم بعض الناسلإغراء التصرف بأنانية، معتقدين أن كل شخص له فرص النجاةمنفرداً. استخدم آخرون الموقف للعب استراتيجية الاحتكار،والدفاع عن مصالحهم الضيقة وتصفية الحسابات مع خصومهمالجيوسياسيين. في هذا الوسط الغني، يسرع الفيروس نموالاتجاهات السلبية، ويصقل التناقضات والاختلافات، ويعززالتنافس غير الصحي. بعبارة أخرى، فإن العواقب الطبيعية التي لا يمكن تجنبها للوباءيتم استكمالها بالآثار التي من صنع الإنسان بسبب عدم قدرةالبشرية، أو بالأحرى جزء معين منها، على التخلي عن عقليةالأصدقاء – العدو حتى عند مواجهة محنة مشتركة. هذا أمرمؤسف، لأنه يتطلب تضامناً غير مسبوق وتجميعاً للجهودوالموارد للتغلب على النتائج الموضوعية والواضحة لـ  COVID-19. علينا أن نعترف بأن الوباء قد كشف عن نقص في الإنسانية فيبعض الحالات. يمكن تفسير ذلك من خلال ارتباك الناس في وجهتهديد منتشر. ولكن يبدو أن هذا العجز أعمق وينتج، كما قلتمن قبل، عن الأنانية غير القابلة للعلاج في بعض الدول ونخبهاالحاكمة. نحن نشهد أنه بدلاً من توحيد الجهود والتطلع إلىالتفاهم المتبادل، فإن أولئك الذين اعتادوا على إعلان قيادتهمالأخلاقيّة وتقاليدهم الديمقراطية الغنية، يتخلون عن قواعدالتنميق والقيود الأخلاقية ويبدأون في اتباع قانون الغابة. علىسبيل المثال، هناك محاولات لإلقاء اللوم على انتشار العدوىفي الصين، أو تكهنات غامضة حول مساعدة روسيا لبعض الدولبناءً على طلب حكوماتها. حتى أنها اتهمت بلادي بطريقة عبثيةبمحاولة استخدام المساعدة الإنسانية والطبية “لزيادة نفوذهاالجيوسياسي”، أو الحظر المهين – في انتهاك للمعاييرالدبلوماسية الأساسية – بشأن مطالبة روسيا بالامتناع عن تقديمالمساعدة الطبية والإنسانية بغض النظر عن شدّة الحالة. يبدوأن التضامن الأسطوري للصيغة الأوروبية الأطلسية أكثر أهميةمن حياة وصحة عشرات الآلاف من الناس. هذا إذا لم يكن تجاهل القضايا الإنسانية والرغبة في استخدامالوباء لمعاقبة الحكومات غير المرغوب فيها، هو سبب عزوفبعض الدول الغربية التي تتحدّث كثيراً عن ضرورة الالتزامبحقوق الإنسان، عن تجميد القيود الاقتصادية الأحادية ضدالبلدان النامية، على الأقل حتى تطبيع الحالة الوبائية العالمية؟في الواقع، وفقاً لتقييم الأمم المتحدة، فإن مثل هذه العقوباتتحد من قدرة الناس على استخدام حقوقهم الاجتماعيةوالاقتصادية وتعوق جهودهم لحماية صحتهم بشكل خطير،وتوجه ضربة إلى الفئات الأكثر ضعفاً. روسيا تقف بحزم ضد مثل هذه الممارسات اللاإنسانية غيرالمقبولة خلال الأزمات العالمية. خلال القمة الطارئة لمجموعةالعشرين في 26 مارس، أعرب الرئيس فلاديمير بوتين عن مبادرةإنشاء “ممرات خضراء” خالية من الحروب التجارية والعقوباتعلى عمليات التسليم المتبادل للأدوية والأغذية والمعداتوالتكنولوجيات. لقد رحبنا ودعمنا بيان الأمين العام للأممالمتحدة أنطونيو غوتيريس، الذي حث أطراف النزاعاتالمسلحة الإقليمية على الوقف الفوري للعمليات القتالية وإقراروقف إطلاق النار. بالطبع، لا ينبغي استخدام أي وقف لإطلاقالنار لإعفاء الجماعات الإرهابية، وفق تصنيف مجلس الأمنالدولي، من الملاحقة. إن محاولات استخدام الوضع الحالي لتقويض المبادئ الأساسيةللأمم المتحدة خطيرة للغاية. ويجب أن تظل وكالاتها آلياتالتنسيق الرئيسية للتعاون المتعدد الأطراف من أجل إيجاد حلفعال للمشاكل المشتركة للبشرية جمعاء. وفي هذا الصدد،يساورنا قلق عميق بشأن خطوات التشهير بمنظمة الصحةالعالمية، التي، كما تتفق معظم البلدان، كانت على خطالمواجهة في الحرب ضد الفيروس التاجي منذ الأيام الأولىللوباء، ومساعدة جميع البلدان على اتخاذ إجراءات الوضعالوبائي المتغير بسرعة واختيار أفضل طريقة للرد على التهديد. مما لا شك فيه أنه ينبغي لمنظمة الصحة العالمية، مثل أيوكالة أخرى متعددة الأطراف، تحسين نشاطها والتكيف معالظروف الجديدة. لكن الحل ليس في تدمير المنظمة، ولكن فيدعم الحوار البناء لجميع الدول الأعضاء فيها وتطوير استجاباتمهنية مشتركة للتحديات الناشئة. لقد كشف الوباء مرة أخرى الأسطورة الغربية عن “نهايةالتاريخ” والتقدّم المنتصر لنموذج التنمية الليبرالي للغايةالقائم على الفردية والاعتقاد بأن أساليب السوق تقدم حلاً لأيمشكلة. لعب هذا النهج خدعة قذرة على أنصاره. وتبين أنالبلدان المكتفية ذاتياً والتي لديها آليات تعبئة راسخة ومصالحوطنية واضحة وقيم متميزة أكثر مقاومة للضغوط. أولئك الذيناختاروا تآكل استقلالهم وتخلوا عن جزء من سيادتهم بتهوّر،أثبتوا أنهم الخاسرون. أصبح من الواضح أن الدول التي تدعم مصالحها الوطنية لا تزالاللاعب الرئيسي على المسرح الدولي. هذا لا يستتبع أو يحدّدمسبقاً الحياة في ظروف التنافس والانقسام، ولكنه يشير إلى أنهيجب الجمع بين تنوّع إمكاناتنا الفريدة حتى نتمكن من إيجادحلول فعالة للمشكلات الرئيسية في العالم. ما نحتاجه الآن هو إطار عمل دبلوماسي عالمي حيث تلعب الأممالمتحدة دور تنسيق مركزي. نأمل أن تساعد الأزمة الوبائيةالجارية العالم على رؤية أنه لا يوجد بديل للنظام العالميالمتمحور حول الأمم المتحدة، والذي تمّ إنشاؤه بعد الحربالعالمية الثانية، وقد اجتاز اختبار الزمن ولا يزال بهامش أمانكبير. المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة هيالأساس الثابت للتواصل الدولي في الظروف الحديثة. مثل أي كائن حي آخر، تحتاج الأمم المتحدة إلى ضبط منتظموتعديل دقيق ومعاير للواقع متعدد الأقطاب. بالطبع، يجبعلينا أيضاً الاستمرار في الاستفادة على أفضل وجه ممكن منإمكانات هياكل الحوكمة العالمية مثل مجموعة العشرينومنظمة التجارة العالمية. كما تبشّر الجمعيات والمبادرات والمفاهيم الدولية القائمة علىقيم الجماعية والمساواة. هذه الفلسفة ومبدأ احترام الهوياتوالتقاليد الثقافية والحضارية والوطنية بالإضافة إلى نماذجالتنمية التي تكمن وراء تعاوننا داخل دول البريكس ومنظمةشنغهاي للتعاون، حيث تتولى روسيا الرئاسة الدورية هذا العام. في الأوقات الصعبة التي نمر بها الآن، يعمل الحوار القائم علىالاحترام المتبادل بمثابة شبكة أمان ويساعدنا على توجيهجهودنا نحو التعاون البناء. كما قلت في بداية هذه المقالة، من خلال إصابة الأفراد، فإنالفيروس يؤثر أيضاً على النظام الاقتصادي الجماعي. أصبحتباطؤ الأعمال وتعطيل سلاسل الإنتاج العالمية صدمة حقيقيةللاقتصاد العالمي. يجب أن نساعدها على المرور بهذه الفترةالصعبة، والعمل بعد ذلك بشكل جماعي لضمان تعافيهاالتدريجي بعد الأزمة. وفي الوقت نفسه، يجب أن نمنع هذاالطقس الاقتصادي العاصف من الإضرار بالتعاون الدولي، سواءتفاقم انعدام الثقة أو إثارة جولات جديدة من المواجهة فيالشؤون العالمية. في عالم مثالي، يجب أن يجمعنا هذا الهدف لأن رفاهية الناسفي جميع الدول بدون استثناء تعتمد على تحقيقه. يجب أننعمل معاً لإيجاد نقاط نمو جديدة ستساعدنا في التغلب علىالركود المشترك. يدعو هذا المشروع العالمي إلى الجمع بينإمكانات مشاريع التكامل المختلفة التي يتم تنفيذها في الفضاءالأوراسي الشاسع. هذا هو الهدف من فكرة الرئيس بوتين حولالشراكة الأوراسية الكبرى القائمة على القانون الدولي والشفافيةوالمفتوحة لجميع دول قارتنا الضخمة، بما في ذلك EAEU،ومنظمة شنغهاي للتعاون، ودول الآسيان. إن التنفيذ التدريجيلهذه المبادرة لن يعزز فقط ترابطنا الاقتصادي الإيجابي ويزيدمن القدرة التنافسية لجميع البلدان المشاركة، ولكنه سيعملأيضاً كمرحلة أولى مهمة في تطوير إقليم السلام والاستقرار منلشبونة إلى جاكرتا. أنا متأكد من أن دول الاتحاد الأوروبي ستستفيد من المشاركةفي هذا المشروع أيضاً. من خلال الانضمام إلى هذه الجهودالمشتركة، ستتمكن من الحصول على مكان مناسب في عالممتعدد المراكز أكثر عدالة وديمقراطية. يجب على الدولالأوروبية التوقف عن عزل نفسها عن قارتنا المشتركة من خلالالبحث عن إرشادات وجودية في أجزاء أخرى من العالم ودعوةالوجود العسكري الأجنبي، الأمر الذي لا يعزز أمنها، ولكنه يحرمالاتحاد الأوروبي من الفرصة ليصبح مركزاً مستقلاً للتأثير الدوليفي عالم متعدد الأقطاب. على أي حال، فإن شركاءنا الأوروبيينأحرار في اختيارهم. بالطبع، يرغب الجميع في الخروج من أزمة COVID-19 في أقربوقت ممكن. ولكن يجب علينا أيضاً استخلاص الدروس من هذهالمشكلة العالمية. أما فيما يتعلق باستخلاص الدروس الصحيحةفيعتمد ذلك على كل واحد منا. واجهت روسيا عبر تاريخها الذي يمتد لقرون عديدة العديد منالتحديات الخطيرة التي تهدد وجودها. لكنها تغلبت عليها دائماً،لا تظهر أقوى فحسب، بل تقدم أيضاً أمثلة على الإنسانية ونبذالذات للآخرين. هذا هو السبب في أن روسيا، وهي مركز دولي رئيسي ومصدروضامن للأمن، ستواصل الدعوة إلى جدول أعمال بناء وموحدوستلعب دوراً متوازناً ومنسقاً في الشؤون الدولية. سنتعاون معكل من يرغب في العمل معاً على مبادئ الصدق والاحترامالمتبادل لمصالح واهتمامات بعضنا البعض. بينما ننطلق منمبدأ الأمن غير القابل للتجزئة بجميع أشكاله، فنحن مستعدوندائماً لتقديم يد العون للدول الأخرى بغض النظر عن سياساتحكوماتها. حان الوقت الآن للتخلي عن عقلية القصور الذاتي القائمة علىالصور النمطية القديمة، والبدء، أخيراً، في التصرف من المواقفالأخلاقية، لأن مستقبلاً آمناً لجميع الناس على الأرض، بيتناالمشترك، معلق في الميزان. *مقالة حول العالم وسط جائحة الفيروسات التاجية “كورونا “ ...