آخر الأخبار
الرئيسية » إعادة الإعمار » إعادة البناء وليس الإعمار

إعادة البناء وليس الإعمار

زكي بني إرشيد

هدفه المفضل هو الجهاز التنفسي، واذا عجزت المناعة الذاتية عن مقاومة المهاجر الغريب، وتمكن من السيطرة على خطوط تزويد الجسم بالأوكسجين يقتل بهدوء وتنتهي حياة الإنسان.

 كوفيد-١٩ لايقرع طبول الحرب، ولا يصدر البيانات، ولا يطلق التهديدات، ولكنه بهدوء يصنع الدمار الاقتصادي، ثم الاجتماعي، ويصنع أزمة عالمية بتراتبية غير مسبوقة، لها اثارها الخطرة، المؤذنة بكساد عالمي من الوزن الثقيل.

حظر التجوال لنصف سكان الأرض، أنتج بطالة غير مسبوقة على الإطلاق،

فالكارثة تضرب بقسوة اسواق العمل والإنتاج (العمال وارباب العمل)، وتنذر بأسوأ أزمة عالمية، منذ الحرب العالمية الثانية.

اكثر من مليار عامل بالعالم مهددون بتقليص أجورهم أو فقدان وظائفهم، والبطالة تهدد معامل الإنتاج، وسلاسل التوريد، بعد أن توقف العديد من المصانع الكبرى، وآلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

 يتواصل الشلل إلى بقية المفاصل الاقتصادية العالمية، لكن الأخطر من كل ذلك لم يأت بعد، فالضائقة المعاشية تنتج بالضرورة مشكلات إجتماعية مدمرة، فتُضاعف الجرائم اليومية، مثل السرقة والنهب والسطو المسلح والقتل المحترف والجريمة المنظمة وتشكيل سلطات خارجة على القانون، وتكوين عصابات الإجرام ومافيات الكورونا المتطورة، المستفيدة من ديمقراطية المعرفة، وعولمة الحصول على المعلومات والقادرة على إمتلاك الدمار الشامل، واختراق الأمن السيبراني وغيرها من الجرائم، وبكل أنواعها، ما يشكل تهديدا ليس لسلطة الدولة ومؤسساتها فقط، وإنما الخطر الأكبر على  الأمن العالمي، والسلم الأهلي والبشرية جمعاء.

مع كل هذا الخطر الداهم الذي نعيش أحداثه وفصوله يوماً بعد يوم، وساعةً بعد ساعة، لا زال البعض ممن يعشق نظرية المؤامرة، يُشكك في وجود الأزمة وينكر خطرها، ويعتبرها فيلماً من إنتاج هوليود الأميركي أو مسلسلاً صينياً، ويتزود هؤلاء على ما تنتجه بعض النخب من الذين صدّرتهم مفاعيل الواقع الدولي المختل، ومشتقاته واجهزته وتم تسليطهم على رقاب الناس كمثقفين وخبراء ومحللين وسياسيين .

  بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، استيقظت أوروبا على حجم الدمار الكارثي الذي لحق بكياناتها، وخراب مدنها، وشلل اقتصادها، ما ادى إلى انتشار الفقر والبطالة، وسهل  اجتياح الفكر الشيوعي لملء الفراغ الناشئ عن هزيمة النازية والفاشية، وقتها لم تتأخر الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة اقوى اقتصاد انذاك عن تقديم مشروع مارشال لإعمار غرب أوروبا وإنعاش اقتصادها.

لكن أميركا اليوم تعاني مثل غيرها وليست قادرة بمفردها وعنجهية إدارتها أن تعيد البناء ولا الإعمار.

حتى الآن تسببت الجائحة بإحالة ما يقارب 25 مليون أمريكي على قوائم البطالة، التي وصلت في امريكا إلى 15٪.

بضربة واحدة وخلال ثلاثة أسابيع دمر الفايروس ما انجزه ترامب خلال ثلاث سنوات.

جائحة اليوم عالمية ومعولمة بامتياز، لم يسلم منها مجتمع ولا دولة، والجهود المبعثرة المتشحة بالإنفعال والانانية والاتهامية لن تجدي في مواجهة هذا المدمر الوبائي الشرس، واما ما ينفع الناس فهو جمع الجهود الدولية وتنسيق العمل المشترك

لإيجاد العلاج واللقاح ولمنع انتشار هذا الوباء، وتطبيب المصابين، وإعادة البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصحي والابتعاد عن تسييس الموضوع.

العالم اليوم بحاجة إلى إعادة البناء قبل إعادة الإعمار، بناء النظام العالمي الجديد على انقاض النظام القائم المهترئ الذي انتهى مفعوله ولم يعد يصلح لإدارة الحياة الإنسانية.

كوفيد 19 يقبض على خُنّاق هذا النظام البائس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة غير مأسوف عليه.

لأن  إكرام الميت دفنه بصلاة وتشييع أو بدونهما.

البقاء للاصلح، والله غالب.

(سيرياهوم نيوز5-رأي اليوم27-4-2020)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاستثمار في مرحلة إعادة البناء

| ميسون يوسف  , 18-12-2019 لفت المراقبين مؤخراً، تركيز الرئيس الأسد في لقاءاته مع الإعلام أو استقبالاته السياسية لمسؤولين أجانب، على إعادة البناء وبموازاته أو ...