آخر الأخبار
الرئيسية » حديث الصباح الديني » (شعيب عليه السلام ) خطيب الأنبياء حواره مع قومه بالهدوء والحجة والبرهان

(شعيب عليه السلام ) خطيب الأنبياء حواره مع قومه بالهدوء والحجة والبرهان

كان شعيباً خطيب الأنبياء ، يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيباً قال: ” ذاك خطيب الأنبياء ، لحسن مراجعته قومه ” . وهو ما أكسبه القدرة على الحوار مع قومه .
تبدأ قصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين وكانوا عرباً يسكنون قريبا من أرض مَعَان من أطراف الشام ، وكان أهل مدين كفارا ، يقطعون السبيل ، ويخيفون المارة ، ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك تُنبِتُ ناعمَ الشجر ملتفة بها ، وكانوا من أسوأ الناس معاملة ، يبخسون المكيال والميزان ، ويطففون فيهما ، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص .
فبعث الله رسول الله شعيب عليه السلام ، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة .
بدأ شعيب عليه السلام دعوة قومه بالتوحيد ، وهي الدعوة التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام ؛ لأن الانسان إذا آمن بالله وحده فإنه يمتثل لكل ما أمر الله به ونهى عنه ، { وإلى مدين أخاهم.شعيباً فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين } العنكبوت / 36 ” أي : أخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي : لا تكفروا فإنه أصل كل فساد ، والعثو : أشد الفساد ، وقيل : { وارجوا اليوم الآخر } أي: صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه ” .


واستعمل شعيب عليه السلام ألفاظاً كلها مودة ، ورحمة ولين ، وعطف وحنان ، ولم يتكبر أو يتعالى على قومه ، لأن الألفاظ القاسية والفاحشة ، تؤدي إلى نفور الناس
وخاطبهم شعيب عليه السلام بلفظ : يا قومِ ، وبلفظ الأخوة كما سجل القرآن ، لم يقل يا كفار ، يا مجرمين ، قال تعالى: { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } الأعراف / 85 ، أي : دلالة وحجة واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به ، وأنه أرسلني إليكم فشعيب عليه السلام ذكر قومه بنعم الله الكثيرة عليهم ، قال تعالى: { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } الأعراف / 86 ، ذكرهم بنعمة كثرة النسل ، بعد القلة ، وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه .


ورغبهم في الربح الحلال المبارك فيه وإن قل ، والحرام لا يجدي وإن كثر، ولهذا قال : {بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين } هود / 86 ، ورغبهم في الإخلاص لله وحده ، والبعد عن الرياء : { وما أنا عليكم بحفيظ } هود / 86 ، أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه .
ثم استعمل أسلوب الترهيب ، فقال: { وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ}. هود / 89 ، أي : لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين ، وقوله { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيد ٍ} أي : ” ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم. ثم وضح لهم السبيل فقال : { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُود ٌ}
أي : اقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ، ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام .
شعيب عليه السلام هو خطيب الأنبياء ، وحواره مع قومه كان حواراً فصيحاً بليغاً ، بعيداً عن الغموض والتشدق ، فبعد أن نهى شعيب عليه السلام قومه عن الشرك ، ودعاهم للتوحيد ، وجههم إلى الالتزام بطاعة الله ، حذرهم من معاصي خطيرة تهدد وجودهم ومصيرهم ، ومن أبرز ذلك :
لا شك أن أعظم مخالفة كان يفعلها قوم شعيب بعد الشرك ، هي : التطفيف في الكيل والميزان ، وبخس الناس أشياءهم ، قال تعالى : { فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} الأعراف / 85 . وقال تعالى :{ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} هود / 84 أي : لا ترتكبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم ويفقركم ، وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة.

ثم قال لهم آمراً : { و َيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } هود /85 – 86 أي : رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس وما بقي لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف ” .وأمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم إن فعلوا خلاف ذلك فقال تعالى : { وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً } الأعراف / ” حيث كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق يبخسون الناس و يأخذون العشور من أموال المارة.


حاور شعيب عليه السلام قومه ، وكان منهم الملأ ، إذ واجهوه بلغة القوة والتهديد والاستهزاء ، وواجههم باللطف واللين قال تعالى : { قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودون في ملتنا } الأعراف / 88 ، ويرتفع حوار الملأ إلى درجة التحدي ، فيرد عليهم شعيب عليه السلام بالرد المناسب : { قاَلَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا }. الأغراف / 88 – 89 .
وقد واجه شعيب عليه السلام استهزاء قومه به ، فاتهموه بأنه مسحور وكاذب ، فلم ينفعل ، ولم يغضب ، بل تحلى بسعة الصدر ، قال تعالى : { قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ }. الشعراء / 87 .
بهذا التساؤل الذي ظنه قوم شعيب قمة في الذكاء ، طرحوا أمامه قضية الإيمان ، وأنكروا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس.


وانتقل الاستهزاء إلى تحد من لون جديد ،{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ، وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنْ الْكَاذِبِين َ، فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ، قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }. 185 – 188
ردّ شعيب عليه السلام على قومه بالأدلة المقنعة ، فبهتهم ، قال تعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود / 88.
وبين شعيب لقومه أنه في جميع أحواله.. لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له ، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه ، وما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي .
{ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ } هود / 89 أي : ما نفهمه ولا نعقله، لأنه لا نحبه، وليس لنا إقبال عليه
{ وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } هود/91 ولولا قبيلتك وعشيرتك فينا لعذبناك ورجمناك ، فذكرهم بأن الله أعز ، وأولى أن يطاع ،{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ } أي : ” تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم ولا تخافون عذاب الله ولا تراعوني لأني رسول الله،”
قال تعالى :{ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}. هود / 93 .
قال الله تعالى : {فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}الأعراف / 91
أخذتهم رجفة ، أي : رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالاً شديداً وقد جمع الله عليهم أنواعاً من العقوبات ، وذلك لما اتصفوا به قبيح الصفات ، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات ، وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات ، وظُلة أُرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ونجّى الله شعيباً عليه السلام ومن معه من المؤمنين : قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}. هود / 95 .

(سيرياهوم نيوز-تشرين9-5-2020)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فضل الاستغفار في شهر رمضان

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على سيدنا محمد (ص) أما بعد : قال رسول الله (ص) في خطبته :” ...