آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » طائرة المساعدات الإماراتية

طائرة المساعدات الإماراتية

د. عبد الستار قاسم

انتظر جمهور فلسطيني واسع سبعا وعشرين سنة ليقولوا كلمة خير في السلطة الفلسطينية، وها قد جاء يوم أن رفضت السلطة الفلسطينية تسلم المساعدات التي قال الإعلام أنها مرسلة من قبل الإمارات العربية إلى الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لمساعدته على مواجهة فايراس كورونا، وذلك عبر مطار اللد الذي يحتله الكيان الصهيوني. لأول مرة نشاهد السلطة الفلسطينية تتخذ موقفا شجاعا في مواجهة ممارسات لا تعكس ارتياحا لدى أهل فلسطين. اتخذت السلطة سابقا مواقف إعلامية تحمس لها مؤيدوها ووصفوها بالتاريخية لكنها لم تجد طريقا إلى التنفيذ. نرجو أن يعيد موقف السلطة الطائرة إلى أعقابها والمواد المحمولة إلى مخازنها في الإمارات.

تصرف الإمارات العربية لم يكن مهنيا وجسد جهلا في مراسيم النقل وتقديم المساعدات. كان من المفروض أن يتم إعلام الجهة الفلسطينية عنوان المساعدات مسبقا لكي يتم الاتفاق على أسلوب النقل وإجراءات إيصال المساعدات، وهذا لم يتم. حتى أن عملية التنسيق المسبق ضرورية على مستوى الأشخاص، فكيف بها على مستوى كيانات؟ والسؤال: هل نسقت الإمارات مع الكيان الصهيوني مسبقا قبل قدوم الطائرة أم لا؟ الإجابة أنها نسقت لأن الصهاينة لا يمكن أن يسمحوا لطائرة بعبور أجواء فلسطين دون تنسيق مسبق، وعلم مسبق بما تحمل الطائرة ولماذا؟ كان من المفروض، على الأقل، أن يتعلم الإماراتيون ضرورة التنسيق مع الجانب الفلسطيني مثلما فعلوا مع الجانب الصهيوني.

ربما في الإمارات من فكر في أسلوب امتصاص الموقف الفلسطيني من التطبيع مع الكيان الصهيوني من خلال مساعدات طبية وصحية عبر مطار يسيطر عليه الصهاينة. وكـأنه أراد القول: “أنظروا أيها الفلسطينيون إلى فوائد التطبيع، فقد سهل التطبيع علينا تقديم المساعدات لكم.” في هذ أسلوب ساذج جدا ولا يعبر عن فهم جيد لموقف الشعب الفلسطيني. الشعب الفلسطيني لا يقبل المساعدات على حساب كرامته، ولا على حساب القضية الفلسطينية. السلطة الفلسطينية انحنت مرارا وتكرارا أمام إغراء المساعدات المالية، لكنها لم تكن متحررة من الإحراج الشديد أمام الناس ولم تكن تنجو من الهجوم عبر وسائل الاتصال المتنوعة. وفي ظل أوضاع متوترة بسبب عزم الصهاينة على ضم أجزاء من الضفة الغربية قانونيا، وجدت السلطة نفسها في وضع أكثر من الإحراج فقررت اتخاذ الموقف الوطني الشعبي.

لو تُرك الأمر للشعب الفلسطيني، لما تطورت أوضاع القضية الفلسطينية باتجاه النكوص وتراجع المكانة. ما كان للشعب الفلسطيني مثلا أن يقبل التنسيق الأمني مع الصهاينة مقابل كل مليارات الأرض من الدولارات. ولما كان له أن يقبل التطبيع مع الكيان الصهيوني وتوقيع الاتفاقيات معه والاعتراف به. وإذا كان قد خرج جزء كبير من الشعب إلى الشارع مبتهجا بالاتفاقيات مع الكيان الصهيوني فذلك كان بسبب التضليل الإعلامي والكذب الذي اتبعه سياسيون عرب وفلسطينيون حول استعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.

أرادت الإمارات أن تدس السم بالإسعاف. هي أرادت تغطية نشاطاتها التطبيعية مع الكيان الصهيوني بقضايا صحية تهم الشعب الفلسطيني كما تهم كل شعوب الأرض. لكن هذه تغطية غبية إلى حد كبير لأن قضية فلسطين أهم من كل ما يمكن أن يصيب الشعب الفلسطيني من أوضاع صحية غير جيدة.

هذا وقد تعرضت على وسائل الإعلام للسؤال: “لماذا أيها الفلسطينيون تغضبون من تطبيع أنتم تمارسونه؟” سؤال مشروع جدا، وكان جوابي أن جزءا منا يمارس التنسيق الأمني وهو أسوأ بكثير من التطبيع. لكن تطبيع جزء من الفلسطينيين لا يعطي مبررا للعرب ليطبعو ففلسطين أرض مقدسة للجميع وليست للفلسطينيين فقط. على أية حال، نحن نطالب برفض التطبيع والتنسيق الأمني منذ عام 1993.

والسؤال: “هل خطوة السلطة الفلسطينية هذه تعبر عن نهج سياسي جديد، أم أنها خطوة آنية ظرفية ويتلاشى الموقف مع انتهاء الحدث؟ نرجو أن يكون هناك نهج جديد يعيد اللحمة للشعب الفلسطيني، ويتوحد الشعب جميعه في مواجهة السياسات الصهيونية والأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية وتشتيت الشعب الفلسطيني بالمزيد في أصقاع الأرض. وهناك جمهور واسع ينتظر أن تغير السلطة ما هي فيه وعليه، لكي تعود الحياة للمواجهة الفعالة ضد الاحتلال، نحن بانتظار التطورات على الأرض وليس في الإعلام فقط.

(سيرياهوم نيوز 5 – رأي اليوم 22/5/2020)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل بدأ الاميريكيون والعالم بقلع أنياب ترامب؟

   عبدالله ابراهيم الشيخ ها هو ذا ترامب يكشرعن أنياب وحش حقيقي..وها هي ذي العصي تنهال على رأسه من كل حدب وصوب..التحدي الايراني..الرد على العنصرية ...