مرشد ملوك
لم يستطع أيٌّ من المصارف العامة تقديم قروض وفق ما يُسمى بـ”المصرفية الإسلامية” طوال العشرين عامًا الماضية، رغم المحاولة الوحيدة التي تبناها المصرف العقاري، والتي لم ترَ النور. وعلى رفوف مكتبتي عثرت على دراسة بعنوان: “إحداث إدارة خاصة في المصرف العقاري تسمى المصرف العقاري الإسلامي”، أعدّها وقدّمها لي الخبير المصرفي أنس فيومي عام 2004. وقد احتوت الدراسة على مقدمة تؤكد أهمية هذه الخطوة، وجميع المسوغات القانونية والإجرائية اللازمة لإحداث إدارة خاصة ترتبط إداريًا وإشرافيًا بالمصرف العقاري، وتكون مستقلة ماليًا وفق القواعد الشرعية، شأنها شأن الفروع الإسلامية التابعة للعديد من البنوك والمصارف التقليدية في البلدان العربية.
*قروض استثمار
يؤكد المصرفي أنس فيومي لموقع “أخبار سوريا الوطن” أن أهمية إحداث وحدة مصرفية إسلامية في المصرف العام تبرز من خلال ما تتمتع به أدوات العمل المصرفي الإسلامي من مرونة وتحفيز للاستثمار، وهو ما نحن بحاجة ماسة إليه في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد السوري. أضف إلى ذلك أن هذه الخطوة تمثل مشاركة فعالة في التحديث والتطوير المصرفي، الذي يؤدي دورًا حاسمًا في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق النمو الاقتصادي المنشود.
*هذا قرض صناعي
اليوم، وبعد مخاض امتد قرابة عشرين عامًا، أبصر أول قرض إسلامي باسم “المرابحة” النور، مقدمًا من المصرف الصناعي الحكومي. وهو أول منتج مصرفي إسلامي تقدمه المصارف العامة السورية المملوكة للدولة، بعدما دخلت المصارف الخاصة الإسلامية هذا المجال عام 2007 عبر بنك الشام الإسلامي، معلنة انطلاق المصرفية الإسلامية في سوريا.
وتبرز أهمية خطوة المصرف الصناعي في أننا نتحدث عن قروض صناعية، نعم صناعية، بما تعنيه هذه الكلمة من آثار كبيرة على نمو الاقتصاد السوري وانعكاساته المباشرة على حياة الناس.
*في التوصيف
يعمل في سوريا اليوم أربعة مصارف إسلامية خاصة، هي: بنك الشام الإسلامي، وبنك سورية الدولي الإسلامي، وبنك البركة، والبنك الوطني الإسلامي. وقد تأسست جميعها بموجب القانون رقم 35 لعام 2005 الناظم والمؤسس لهذه المصارف.
وبدأ فعليًا تقديم خدمات “المصرفية الإسلامية” الخاصة في سوريا اعتبارًا من شهر آب عام 2007، وهو تاريخ بدء بنك الشام الإسلامي نشاطه في السوق. ثم تبعه بنك سورية الدولي الإسلامي في أيلول من العام نفسه. أما بنك البركة سورية، وهو ثالث مصرف إسلامي خاص، فقد تأخر انطلاقه حتى حزيران 2010. وجاء دخول البنك الوطني الإسلامي في تشرين الأول 2023 خطوة غير متوقعة، لكنها جاءت في سياق ظروف اقتصادية معينة.
*أرباح المصارف الإسلامية
وبنظرة أولية إلى أرباح المصارف الإسلامية في سوريا، نجد أنها حققت أرباحًا تفوق ضعف أرباح المصارف التقليدية خلال عام 2024. فقد حقق بنك البركة ثاني أكبر ربحية بين المصارف الخاصة التقليدية والإسلامية بأرباح بلغت 193.8 مليار ليرة سورية، فيما حقق بنك الشام أرباحًا بقيمة 157.8 مليار ليرة، وحقق بنك سورية الدولي الإسلامي أرباحًا بلغت 170.9 مليار ليرة برأسمال قدره 15 مليار ليرة.
أما البنك الوطني الإسلامي، فلا يمكن الحديث عن حضوره الفعلي في السوق حتى الآن، كونه باشر نشاطه خلال عام 2024، وهي فترة تأسيس، وقد بلغت أرباحه 5.7 مليارات ليرة سورية، فيما بلغ رأسماله المدفوع 25 مليار ليرة سورية.
*خشية السيطرة
من الضروري الإشارة إلى أن المصارف الإسلامية الخاصة تأخرت في دخول السوق السورية لفترة قاربت خمس سنوات مقارنة بالمصارف التقليدية الخاصة، لأسباب تتعلق بقوانين الإحداث ومباشرة العمل. ومع ذلك، استطاعت المصارف الإسلامية الأربعة تحقيق أرباح تفوق أرباح أحد عشر مصرفًا تقليديًا خاصًا.
ويبدو أن هذا التأخير كان مبرمجًا من السلطات النقدية السورية في تلك الفترة، بسبب مخاوف من أن تسيطر المصارف الإسلامية الخاصة على السوق المصرفية السورية.
*دار إفتاء مصرفية
تعطي الأرقام السابقة مؤشرات على أن شريحة واسعة من المجتمع السوري تفضل المصارف الإسلامية، وتقبل عليها لأسباب عقائدية بالدرجة الأولى. فبحسب العديد من الدراسات التي أجراها مصرفيون سوريون خلال السنوات الماضية، فإن تكاليف الاقتراض من المصارف الإسلامية أعلى من نظيرتها في المصارف التقليدية، رغم أن فلسفة المصارف الإسلامية تقوم على أنها مصارف غير ربوية ولا تتعامل بالفائدة.
وتعمل هذه المصارف تحت إشراف هيئة رقابة شرعية موجودة في كل مصرف إسلامي، وهي بمثابة “دار إفتاء مصرفية” لكل بنك إسلامي، تتولى الموافقة على الإجراءات والعمولات والرسوم التي يتقاضاها المصرف.
*لا معلوم ولا مجهول..!!
لكن المشهد العام في سوريا يبدو مختلفًا تمامًا، إذ من المتوقع أن يشهد العمل المصرفي الإسلامي تطورًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة. غير أن معادلة العمل المصرفي السوري اليوم أصبحت شديدة التعقيد، بحيث بات المعلوم والمجهول فيها متداخلين إلى حد بعيد.
وستتحدد ملامح المرحلة المقبلة وفق القدرات التنافسية بين مصارف عامة تقدم خدمات مصرفية تقليدية وإسلامية، ومصارف خاصة تقليدية، وأخرى إسلامية.
في الفترات السابقة، كانت المصارف التقليدية الخاصة الطرف الأقوى من حيث الرعاية والدعم، كما أنها تمتلك انتشارًا أوسع في السوق، إذ يبلغ عددها 11 مصرفًا، وتلبي احتياجات شرائح متنوعة من المجتمع السوري.
أما اليوم، فإن المصارف الإسلامية القائمة أو التي قد يتم تأسيسها مستقبلًا ستحظى بدعم وإقبال أكبر. ومن هذا المنطلق، وانطلاقًا من مبدأ أن الحاجة أم الاختراع، سيكون دفاع المصارف التقليدية عن حصتها في السوق شرسًا، وقد يدفعها ذلك إلى كشف الكثير من الجوانب غير المعلنة في عمل المصارف الإسلامية.
وفي النهاية، تبقى المنافسة في صالح الزبون السوري، الذي سيكون المستفيد الأول من تطوير الخدمات وتحسين شروط العمل المصرفي


(موقع: اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
