الرئيسية » كتاب وآراء » أيّ حِوار مع أمريكا لا يُطالب فيه المُحاور العِراقي باعتِذارٍ صريحٍ وتعويضات كاملة عن غزو عام 2003 ومآسيه يظَل بلا قيمة ويُشَكِّل إهانةً لأكثر من مِليونيّ شهيد عِراقي.. هل تسمعنا يا سيّد كاظمي؟

أيّ حِوار مع أمريكا لا يُطالب فيه المُحاور العِراقي باعتِذارٍ صريحٍ وتعويضات كاملة عن غزو عام 2003 ومآسيه يظَل بلا قيمة ويُشَكِّل إهانةً لأكثر من مِليونيّ شهيد عِراقي.. هل تسمعنا يا سيّد كاظمي؟

عبد الباري عطوان

بدأ ظهر اليوم الخميس في بغداد عبر دائرة الفيديو المُغلَقة، الحِوار الأمريكيّ العِراقيّ الذي يهدف إلى بحث جوانب العُلاقات المُختلفة بين الجانبين، وأبرزها الوجود العسكري الأمريكي وأُفق التعاون المُستقبلي، وجاء هذا الحِوار بعد ساعات من إطلاق صاروخ “مجهول” استهدف السّفارة الأمريكيّة في المِنطقة الخضراء دون وقوع ضحايا.

بحثنا في جدول أعمال هذا الحِوار وكُل الأدبيّات المُتعلّقة به عن كلمة “تعويضات” أمريكيّة مُستحقّة للعِراق وشُهدائه بسبب غزوه عام 2003 واحتِلاله، ولكنّنا لم نَجِد أيّ أثر لهما على الإطلاق.

الجانب الأمريكي طلب هذا الحِوار لأنّه يجد فيه فُرصةً مُواتيةً في الوقت الراهن بعد وصول السيّد مصطفى الكاظمي رئيس المُخابرات السّابق المعروف بعُلاقاته الجيّدة مع الأمريكيين وحُلفائهم العرب إلى منصب رئيس الحُكومة، حتى أنّه تلقّى دعوةً لزيارة واشنطن بعد أيّام من تولّيه هذا المنصب لم يحصل على مِثلها أيّ مِن نُظرائه السّابقين، مُنذ الإطاحة بحُكومة السيّد حيدر العبادي، الأمر الذي يُؤهّله لطرح هذه المطالب العِراقيّة المشروعة، بل والتمسّك بها، وجعلها على قمّة أولويّاته.

 ***

نُركِّز في هذه المقالة على مسألة التّعويضات لأنها حق مشروع أوّلًا، ولأنّ العِراق يُواجه حاليًّا أزمةً اقتصاديّةً طاحنةً ربّما تحول دون قُدرة الحُكومة على دفع رواتب حواليّ 8 ملايين موظّف ومُتقاعد نِهاية الشّهر الحالي، ولأنّ هذه التّعويضات باتت مشروعةً حسب كُل القوانين الدوليّة، لأنّ الأسباب التي استندت إليها إدارة الرئيس الجُمهوري جورج بوش الابن، أي وجود أسلحة دمار شامِل، تبيّن كذبها.

بالأمس هاجم الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الجِنرال كولن بأول الذي كان وزيرًا للخارجيّة في حينها، وكان تقريره الزّائف الذي عرضه بالصّوت والصّورة على مجلس الأمن الدولي قبل الغزو بشَهرٍ الأرضيّة الذي استندت إليه حُكومته لتبرير الغزو، واتّهم ترامب الوزير بأول بأنّه كان السّبب بتوريطَ أمريكا في حُروب الشّرق الأوسط الكارثيّة، ولم يجرؤ ترامب، ولأسبابٍ عُنصريّةٍ، توجيه أيّ لومٍ للرئيس بوش.

فإذا كان الرئيس الأمريكي الحالي يعترف رسميًّا، وفي تغريدةٍ له على “التويتر”، أنّه لم تَكُن هُناك أسلحة دمار شامِل في العِراق، فلماذا لا تكون مسألة التّعويضات على قمّة جدول أعمال هذا الحِوار، والاعتِماد على هذه التّغريدة إلى جانب اعتِرافات ووثائق كثيرة تُؤكّدها؟

الحِصار الذي فرضته أمريكا على العِراق لأكثر من 13 عامًا لتجويع الشّعب العِراقي، وحِرمانه مِن كُل الاحتياجات الأساسيّة، ومنع تصدير نفطه، واستِيراد أبسط الأشياء بما في ذلك أقلام الرّصاص لأطفاله في المدارس أدّى إلى استِشهاد أكثر من مِليون إنسان، ليأتي الغزو بعدها عام 2003 ليقتل أكثر من مِليون آخرين حسب إحصاءات مجلة “لانست” الطبيّة البريطانيّة الشّهيرة، إلى جانب تدمير البُنى التحتيّة، واغتِيال 300 عالم عِراقي، وبذر الفِتنة أساس كُل الشّرور والمصائب.

نحن نضع هذه الحقائق المدعومة بالأرقام أمام السيّد الكاظمي، رئيس الوزراء، على أمل أن يطرحها مُمثِّلوه، في هذا الحِوار الاستراتيجي، طالما أنّ الإدارة الأمريكيّة ترى فيه صديقًا، وتفتح حِوارًا مع وزارته لترتيب العُلاقات بين البلدين، على أُسسٍ جديدةٍ.

قضيّة أخرى لا يجب تجاهلها أيضًا وهي وجود 6000 جندي أمريكي في 12 قاعدة أمريكيّة في العِراق (يُقال إنّ أمريكا انسحبت من 8 منها خوفًا من استِهدافها بالصّواريخ)، فهذا الوجود العسكريّ الأمريكيّ بات غير شرعي وأحد مصادر التوتّر خاصّةً بعد قرار البرلمان العِراقي المُنتخب بطرد هذه القوّات فورًا، فهل سيُثيرها المُفاوضون العِراقيّون أثناء هذا الحِوار مع نُظرائهم الأمريكيين؟

ولا يُمكن أن ننسى في هذه العُجالة جريمة اغتيال الأمريكيين للقائَدين الإيراني الجِنرال قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس، والحاج أبو مهدي المهندس، نائب رئيس قوّات الحشد الشعبي على أرض العِراق، وقبلها إعدام الرئيس الراحل صدام حسين بعد مُحاكمة مُفبركة.

أيّ حِوار لا يشمل المُطالبة باعتذارٍ أمريكيٍّ صريحٍ لاحتِلال ظالم ومبني على أكاذيب، وتقديم تريليونات الدّولارات كتعويضات، يُعتَبر في نظرنا حِوارًا عقيمًا، ومضيعةً للوقت، وإهانةً للشّعب العِراقي وإرثه الحضاريّ العظيم.

 ***

أمريكا هي التي دمّرت العِراق وقتلت ملايين الشّهداء مِن أبنائه، ويتّمت الملايين من أطفاله أيضًا، وحوّلته إلى دولةٍ فاشلةٍ تسودها الفوضى، وهيّأت البيئة الحاضنة لقِيام الدولة الإسلاميّة (داعش)، ولذلك لا يجب التّعامل معها كصديق أو حليف، وإنّما مُقاومتها كعدو بكُل الطّرق والوسائل، ولا نعتقد أنّ الشّعب العِراقي العظيم الذي هزم قوّاتها، وأجبرها على الرّحيل مُهانةً ذليلةً عام 2011، سينسى جرائمها هذه، وسيقبل بوجود قوّاتها على أرضه وإلا سيعود إلى المُقاومة مُجدَّدًا إذا لم ترحَل.. والأيّام بيننا.

(سيرياهوم نيوز 5 – رأي اليوم 11/6/2020)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عزيزي محمود العارضة

بقلم: أ. د. بثينة شعبان الإثنين, 20-09-2021 كم فكرت بكل كلمة من كلماتك وأنت تعلن أنك فكرت بعملية الهروب من السجن وخططت لها ونفذتها أنت ...