آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » إشكاليات السياسة الخارجية الأميركية الجديدة

إشكاليات السياسة الخارجية الأميركية الجديدة

زياد حافظ

ما زالت الضبابية تسود المشهد السياسي الأميركي بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة المثيرة للجدل وما تلاها من أحداث كاقتحام الكونغرس (او غزوة كما يحلو للبعض!) من قبل أنصار دونالد ترامب والتي كانت ضربة قاسية وربما قاضية لهيبة الولايات المتحدة.  لكان بغض النظر عن ذلك الجدل وما يرافقه من تشكيك بشرعية انتخاب جوزيف بايدن واحتمال نقل السلطة بشكل هادئ وولاية حكم طبيعية فهناك غموض حول توجّهات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الجديدة يعزّزها عدم الاستقرار الداخلي البنيوي الذي ظهر مؤخّرا.  وهذا يجعلنا نقول إن زمام المبادرة لم يعد في يد الولايات المتحدة بل في يد المحور المناهض الذي يضم الكتلة الاوراسية بقيادة روسيا والصين ومحور المقاومة وعدد من دول أميركا اللاتينية.  السؤال لم يعد ماذا ستفعل الولايات المتحدة بل ماذا سيفعل المحور المناهض؟ لكن هذه الحقيقة لم يتم استيعابها بعد حتى الآن عند النخب العربية الحاكمة ومن يدور في فلكها.

مقاربتنا مبنية على واقع برز منذ أكثر من عقدين وهو عدم التوازن بين الرغبات/الأهداف الأميركية في الهيمنة على العالم مهما كلّف الأمر وقدراتها الفعلية لتحقيقها. فالأهداف الأميركية للهيمنة تتطلّب قدرات لم تعد موجودة عند الولايات المتحدة.  بالمقابل أصبح لخصومها قدرات تمكّنها من التصدي لها، فردعها، وربما إخراجها من المناطق التي كانت تسيطر عليها.  لكن بالمقابل هناك حالة إنكار بنيوية في العقل الأميركي فيما يتعلّق بدورها في العالم المبني على وهم استثنائيتها ونظرية قدرها المتجلّي لتقوم بما تقوم به دون مساءلة ومحاسبة.  لسنا هنا في إطار طرح حيثيات ذلك الواقع الذي تم تفصيله في أبحاث عديدة بل نكتفي بالتذكير أن هذا اللاتوازن بين الرغبات والقدرات هو ما نبني عليه في مقاربة التوجّهات الممكنة والمحتملة للإدارة الجديدة إذا ما كتب لها أن تدير الأمور بشكل طبيعي.

الجزء الأول: جوهر الإشكاليات

وإذا افترضنا حدّا أدنى من الواقعية السياسية فإن منهجية الإدارة الجديدة ستكون مبنية على محاولة تحييد العلاقة بين الملفّات الخارجية والداخلية.  فالملفّات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تدعو إلى انتهاج سياسات اقتصادية تقارب الواقع المترهّل للبنى التحتية والضمان الصحي والبيئي وإعادة تمركز القطاع الصناعي في التكنولوجيات التي لا تستدعي الاتكال على الطاقة البترولية والغازية وذلك على سبيل المثال وليس الحصر والقائمة طويلة ومعقّدة ومليئة بالتناقضات.  فعلى سبيل المثال نرى الرئيس الأميركي المنتخب يدعو إلى أن تتحوّل الولايات المتحدة إلى أكبر دولة في صناعة السيارات الكهربائية.  التداعيات على القطاع النفطي ستكون جذرية فكيف سيتعامل القطاع النفطي الأميركي مع ذك؟  والمكوّن النفطي للدولة العميقة لن يقف مكتوف الأيدي تجاه ذلك التحوّل.  فالقطاع النفطي بنى القطاع الصناعي الذي كان قاعدة القوّة الأميركية.  شطب ذلك القطاع تحوّل جذري لن يمرّ بسهولة.

من جهة أخرى، معظم المكوّنات للدولة العميقة من الناحية الاقتصادية كانت وما زالت تدعو إلى العولمة والهيمنة الاقتصادية المباشرة على العالم وبالتالي استمرار التدخل في شؤون الدول لتحقيق مصالح تلك المكوّنات.  فكيف يمكن فصل الملفّ الاقتصادي الداخلي عن الملفات الساخنة الخارجية؟  وأهم من كل ذلك ماذا ستفعل الإدارة الجديدة إذا كان مشروعها الاقتصادي على تصادم مع مصالح الدولة العميقة التي أوصلت الرئيس بايدن إلى الحكم خاصة أن تحالف تلك القوى لم يمكن مبنيا على رؤية مشتركة بل فقط على ضرورة الإطاحة بدونالد ترامب؟  بالمقابل فإن قوّة الشركات العملاقة التي تحوّلت إلى شركات عابرة للقارات والأمم بنت شبكاتها ومصالحها مستندة إلى القوّة الذاتية الأميركية التي كانت حتى بعد الحرب العالمية الثانية منغلقة على نفسها وتكتفي بالتصدير للعالم.  اليوم هذه الشركات توطنت في الخارج وأصبحت تصدّر إلى الولايات المتحدة.  فإذا فقدت الولايات المتحدة مصادر قوّتها الذاتية عسكريا واقتصاديا وماليا ماذا يمكن أن تفعل الدول المستضيفة للشركات العملاقة الأميركية المتوطنّة في بلادها؟

ما نريد أن نقوله إن هناك ضرورة وجودية للولايات المتحدة للتركيز على ترميم الوضع الداخلي.  لكن ذلك التركيز سيصطدم مع مصالح الدولة العميقة في التمدّد الخارجي فيصبح السؤال كيف يمكن التوازن بين مصلحتين متناقضتين؟  والولايات المتحدة لم تعد لها القدرة على التمدّد والهيمنة فكيف ستعمل مكوّنات الدولة العميقة على سد ذلك العجز؟  قد تأخذ الإجابة على ذلك وقتا طويلا عند النخب الحاكمة والسؤال يصبح هل تمتلك الوقت لذلك؟  فمهما تمّت مقاربة الأمور دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة في تاريخها قد تفضي إلى إعادة النظر الكلّية بتركيبتها. لكن هذا حديث آخر لا داعي لمقاربته الأن. يكفي أن نخلص إلى نتيجة أن قدرة التأثير في الملفّات الخارجية محدودة وهذا قد يساهم في إعادة التوازنات في العالم على قاعدة أكثر عدلا مما كانت عليه في عهد القطبية الواحدة.

هذه الملاحظات كانت ضرورية لفهم الصعوبات كي لا نقول الاستعصاءات التي ستواجه الإدارة الجديدة.  فكيف ستتعامل مع الملفّات العالقة خارجيا؟   معظم التحليلات والمقاربات تعتمد الكتابات خلال الحملة الانتخابية لرموز الإدارة الجديدة ومنها مقال بايدن في مجلّة “قورين افيرز” في ربيع 2020 ومنها كتابات لكل من وزير الخارجية المسمّى انطوني بلنكن والمستشار الأمن القومي جاك سوليفان.  فماذا يمكن أن نتوقّع من الإدارة الجديدة إذا ما كتب لها أن تمارس مهامها في ظل الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة وحتى داخل الحزب الديمقراطي فيما يتعلّق بالملفّات الخارجية وحتى الداخلية.  قد تطفح التناقضات الداخلية في الحزب الديمقراطي لأن القاعدة الشابة للحزب داخل الكونغرس وخارجه على تناقض كبير مع القيادات التقليدية التي ما زالت في مناخات الحرب الباردة. القاعدة الشابة متماهية أكثر مع حيثيات الداخل الأميركي وحتى الخارج ولا تشاطر هواجس القيادة.  فكيف ستتصرّف هذه القاعدة فيما لو أقدمت القيادة على اتباع سياسات في الملفّات الخارجية والداخلية متناقضة مع تطلّعاتها؟  ولا يجب أن ننسى أن “فوز” بايدن يعود إلى حدّ كبير إلى الإقبال الشبابي على الانتخابات تحت شعار “كلنا ضد ترامب” وبالتالي تجاهل هذه الشريحة الأساسية من قبل القيادة قد تكون مكلفة في الانتخابات النصفية القادمة في 2022 وفي الانتخابات الرئاسية في 2024.  المعركتان بدأتا فعلا منذ الآن!  لكن بغض النظر عن هذه الاعتبارات التي ستظل تلقي بظلالها على مجمل القرارات للإدارة الجديدة كيف ستقارب الإدارة الجديدة الملفات الخارجية؟

بعض الإشارات الواضحة تقودنا للاعتقاد أن الإدارة الجديدة ستكون أكثر ليونة وأكثر دبلوماسية وتتجلّى عبر التوازن في التسميات لمناصب رفيعة في الإدارة الجديدة.  فمن جهة هناك “الصقور” التي يمثلهم في الصف الأوّل كل من انطوني بلينكن للخارجية وجاك سوليفان لمجلس الأمن القومي ومعهما كل من كاثلين هيكس كنائب وزير الدفاع ووندي شرمان كنائب لوزير الخارجية وسوزان رايس كرئيسة لمجلس السياسة الداخلية (البعض يعتبر أنها ستكون رئيسة الظل في الإدارة الجديدة) وفيكتوريا نيولند كوكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية المنصب الذي شغله جيفري فلتمان سابقا.  نذكّر هنا أن فيكتوريا نيولند زوجة روبرت كاغان المنظر الأساسي للمحافظين الجدد. ونيولند كانت بطلة الانقلاب في أوكرانيا ولها مقولات مأثورة في الاتحاد الأوروبي وصلت إلى حد الشتيمة والتحقير.  أما وندي شرمان، فهي من أنصار مادلين اولبريت التي بررت مقتل 500 ألف طفل عراقي خلال الحصار على العراق.  ولشرمان تصريح شهير أن المخادعة هي في الحمض النووي للإيرانيين.  وكانت تحرص على إبلاغ نتنياهو بكل تفاصيل المفاوضات مع إيران في الملفّ النووي كما أوضحه ضابط الاستخبارات السابق فيليب جيرالدي في مقال له نشر على موقع “انفورميشون كليرينغ هاوس في 12 كانون الثاني/يناير 2021.

 ويعتبر أحد خبراء معهد كاتو تد كاربنتر في مقال نشره على موق “ناشيونال انترست” الذي يضم دبلوماسيين وعسكريين وضباط استخبارات سابقين وجامعيين أن فريق السياسة الخارجية لإدارة بايدن لا يتمتع بالفكر الإبداعي بل التقليدي حيث لا يتوقع إلاّ الدفع بنفس السياسات المتبعة في إدارة باراك أوباما وحتى ترامب ولكن بأسلوب أكثر لطافة.  فتصريح بلينكن في 25 نوفمبر أن الرئيس المنتخب سيكون رئيس مواجهة مع روسيا كما أنه سيعزّز من قدرات الحلف الأطلسي كمنظومة وكما سيدعم الدول الأوروبية المناهضة لروسيا كأوكرانيا وجورجيا ودول البلطيق وبولندا.  ويضيف كاربنتر أن المشكلة ليست بالتفكير الاعتيادي فيما لو كانت السياسات قبل وصول ترامب جيّدة وصاحبة نتائج بل أنها كانت فاشلة.  والوعد بالعودة إلى تلك السياسات يعني المزيد من الفشل!

 بالمقابل فإن تعيين الجنرال لويد اوستين كوزير للدفاع ووليم برنز الدبلوماسي العريق لإدارة وكالة الاستخبارات المركزية (سي أي أيه) يمثل “لاعتدال” في السياسة الخارجية.  هذا التوازن يعود إلى ضرورة إرضاء مكوّنات التحالف الذي أوصل بايدن إلى الرئاسة من جهة وحرص الإدارة الجديدة على إعادة الاعتبار لصورتها التي تصدّعت عند حلفائها خلال ولاية ترامب.  لكن هذا لا يعني التخلّي عن العقيدة العميقة التي تحكّمت بسلوك الإدارات المتتالية بعد الحرب العالمية الثانية في ضرورة قيادة العالم على قاعدة القراءة التوراتية للإنجيل كما تشير مصطلحات “القدر المتجلّي” و”المدينة على الجبل” و”ارض الميعاد الجديدة” في خطابهم عن الولايات المتحدة.  من هنا نفهم التماهي في الشكل والأسلوب مع نشأة دولة الكيان الصهيوني ونشأة الولايات المتحدة.

هنا لا بد من لفت الانتباه إلى عامل جوهري يساهم في فهم الدافع الأساسي لسلوك سياسات عدوانية في العالم عند مختلف الإدارات الأميركية.  فنظرية “القدر المتجلّي” أتت لتغطي جرائم نشأة الولايات المتحدة في إبادة الشعوب الأولى للقارة من قبل المستعمرين الأوروبيين ومن ثمة استعباد الافارقة لتشغيل مزارع القطن، القاعدة الأولى للقطاع الزراعي في المجتمع الناشئ، وذلك لمصلحة المستعمر الإنكليزي.  الجمهورية التي نشأت كاحتجاج على سياسة التاج البريطاني لم تكن لتستقر لولا التوسع الجغرافي.  وعند الانتهاء من التوسع الجغرافي غربا وعبر المحيط الهادئ إلى جزر هاواي ومن بعدها الفيليبين وبعد فشل المحاولات لإيجاد موطن قدم في شمال إفريقيا عبر حروب شاطئ البرابرة في شمال القارة الإفريقية في بداية القرن التاسع عشر، كان لا بد من التوسع الاقتصادي عبر الهيمنة الاقتصادية، فالاقتصاد وسيلة للهيمنة وليست هدفا قائما بذاته.  السياسة دائما قوّامة على الاقتصاد وإن كان للأخير دور في رسم السياسات.

والتوسع عبر المحيط الهادئ اصطدم بمصالح الإمبراطورية اليابانية فكانت الحرب العالمية الثانية.  والتوسع في أميركا اللاتينية اصطدم بمصالح الاسبان فكانت حروب التحرير من الهيمنة الاسبانية التي دعمتها الولايات المتحدة في مطلع القرن التاسع عشر ومع اسبانيا مباشرة في آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في كوبا والفيليبين.  فالجمهورية إذن مبنية على قاعدة التوسع ونهاية التوسع بكافة اشاكله يعني نهاية الجمهورية.  من هنا نفهم مغزى “حق التدخلّ لمساعدة المضطهدين” في العالم بينما الهدف الحقيقي هو فرض السيطرة تحت رافعة العولمة وذلك لديمومة الجمهورية.  فالمصالح الاقتصادية لقوى العولمة في الإدارة الديمقراطية الجديدة ستصطدم مع مصالح الذين يريدون الاهتمام بالملفات الداخلية كما سنراه في الملف الصيني والاوروبي والمشرق والوطن العربي.

لذلك نعتقد أن السياسة الخارجية ستحكمها الوقائع الداخلية وأن المبادرة في الملفات الخارجية لم تعد في يد الولايات المتحدة. فالاستراتيجية الأميركية ستصطدم بمواقف المناهضة لها وفتور تأييد الدول الحليفة لها لأن إملاءات الولايات المتحدة لم تعد تصب في مصلحة مشتركة عند مكوّنات السلطة أي الدولة العميقة والتحالفات التي نُسجت للإطاحة بدونالد ترامب.  هذا هو ارث ولاية ترامب وليس هناك من دليل عن تراجع في الأهداف بل فقط في الأسلوب والعودة إلى اتفاقات خرجت منها الولايات المتحدة والتي لن تكلّفها أي شيء إضافي.  ولكن هذا الرجوع إلى الاتفاقية لن يغير في اهتزاز الصورة عند الحلفاء كما عند الخصوم حيث المصداقية فقدت.  فأي ضمان أن إي إدارة مستقبلية ستلتزم بما تتعهد به الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.  لن تقبل الدول أن تكون رهينة مزاج متغيّر بين إدارة وإدارة وبالتالي المصالح للدول الحليفة ستعود لتتحكّم بأولويات سياساتها الخارجية.

هذه حدود الإدارة والتي لا نتوقع أي تعديل عن السياسات السابقة سواء فقط في الأسلوب واللهجة.  فهي غير قادرة على التغيير وغير قادرة على الاستمرار.  هذا هو مأزقها وليس مسؤولة دول العالم حل المأزق الأميركي.  التحوّلات في الميدان ستفرز الوقائع التي ستحكم السياسة الأميركية التي تصبح يوما بعض يوم غير ذي جدوى.  فلا قدرة لها على شن حروب جديدة وإن كانت رغبتها في ذلك مؤكّدة ولا قدرة لها على تقديم تنازلات لعقد تسويات.  فانفراط الإمبراطورية الأميركية قد تتلازم مع انحلال الجمهورية.  في أحسن الأحوال ما ستقوم به الإدارة الجديدة هو ربط نزاع دون حلول ودون حروب.  في أسواء الأحوال بالنسبة لها مسألة وجودها ككيان لدولة عظمى.  الخطورة تكمن فقط في استمرار حالة الإنكار وارتكاب بالتالي حماقات تسّرع في زوالها وما سيرافق ذلك من خسائر في الأرواح.

 

سيرياهوم نيوز 5 – رأي اليوم 20/1/2021

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المازوت الإيراني: انتصار جديد للمقاومة وللعلاقات المميّزة مع سورية

} حسن حردان شكل حدث دخول قافلة صهاريج المازوت إلى البقاع اللبناني عبر الأراضي السورية، والذي استورده حزب الله المقاوم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شكل ...