الرئيسية » كتاب الأسبوع » إيقاعات الإبداع في الطبيعة والفن

إيقاعات الإبداع في الطبيعة والفن

علي الرّاعي  2020/12/4

ربما، وفي حالة صفاء بعيداً عن كل ضجيج، وبتأملٍّ عميق؛ سيكتشف المُتأمل، إنّ الطبيعة قالت كلَّ شيء، أو هي ربما أوحت بكل شيء، ومن ثمّ يصبح الصواب في مقولة (الأفكار على قارعة الطريق)؛ “الأفكار على قارعة الطبيعة”.. الطبيعة التي تبدو وكأنها قدمت كل الأفكار، وما على المبدعين سوى صياغتها جمالياً وفكرياً بقوالب إبداعية وعلمية مختلفة..
ألم يكتشف دارون نظريته (أصل الأنواع) بعد رحلةٍ بحرية؛ تأمل من خلالها طويلاً في الحياة البحرية من محار وقواقع وغيرها، ومن ثم كان اكتشافه المُذهل الذي غيّر في تفكير الإنسانية كافة، ووضع الذهنية البشرية على سكة تفكيرٍ جديدة، ومن ثمّ بنى على نظريته عمارة فكرية عالية؛ علماء وباحثون، كان من أهم عطاءاتها اكتشاف ال(d n a) ذلك الاكتشاف المذهل الذي أفاد الإنسانية إيما إفادة.. وعلى نفس السياق؛ يُمكن الحديث عن اكتشاف “نيوتن” (قانون الجاذبية) وحكاية التفاحة التي سقطت على رأسه، وغير داروين، ونيوتن، العشرات من المبدعين في التشكيل والموسيقا والعلوم على أنواعها..
ومن يقرأ كتاب (إيقاعات الإبداع في الطبيعة والفن)؛ سيكتشف– إن لم يكن قد اكتشف سابقاً – إن الكثير من الإبداعات الإنسانية في الشعر والموسيقا والعمارة والفنون التشكيلية؛ كان لها مُعادلها الطبيعي، أو ربما كانت هذه الإبداعات في مختلف مجالات الفنون الإبداعية، ما هي إلا صدى بعيد ومقاربة مما أنتجته يد الطبيعة على مدى القرون..
والباحث كمال القنطار يُقدم كتابه (إيقاعات الإبداع في الطبيعة والفن) الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب- وزارة الثقافة، ضمن سلسلة أطلق عليها (إيقاعات الوجود)، وهذا الكتاب يأتي خامساً في ترتيب هذه السلسلة، وفي هذا الكتاب؛ يتأمل الباحث القنطار مجموعة من الإيقاعات في الطبيعة؛ ثمّ يقوم في البحث عن صدها في الكثير من الأعمال الإبداعية، وفي مختلف الحقب الزمنية.. إيقاعات نرى مقارباتها في الفنون الجميلة على تنوعها في التصوير والنحت والعمارة، كما نرى مقارباتها في الشعر على وجه الخصوص، وفي مختلف انعطافات القصيدة وتطورها منذ بدأت موزونة في الأزمان العربية قبل الإسلام، وحتى آخر قصيدة نثر..
والطبيعة تُغنى بالإيقاعات قبل أن يلخظها الإنسان ويُقلدها، ويشتقُّ منها قيماً إبداعية، فتواتر الحركات الدورية، التي تولد الإحساس بالزمن؛ هي شكل من الإيقاع، وحركة الحياة المُتجددة، من البذرة إلى الزهرة، فالثمرة، فعود على بدء.. هي ضربٌ من الإيقاع أيضاً، بل أنّ منظراً من الأعلى لغابةٍ مُكتظة بأنواعٍ شتىى من الأشجار؛ يمنحُ العين مشهداً إيقاعياً مزركشاً.. ثم أنّ الرقش الي يُزيّن به الطبيعة فراء النمور والفهود والقطط، والوشي اللوني، الذي يزهو به كساء الطير، إنما هو إيقاع ذو نكهة زخرفية.. وحتى الإنسان نفسه وبما يقوم به من مختلف أنواع السلوك، هو جزء من أعمال الطبيعة.. أما الإيقاعات التي يتأملها الباحث القنطار في الطبيعة، فقد درس منها تسعة أشكال من هذه الإيقاعات التي وجد لها صدى إبداعياً جمعه في كتابٍ ضخم أقرب إلى شغل الموسوعات، هذه الإيقاعات التي سنمر على بعضها تكثيفاً، وهي: التكرار، التواتر والتناوب، التضاد والتنافي، التناظر والتماثل، النمو، التحاكي، التتالي والتسلسل، التقاطع والتداخل، وأخيراً؛ التركيب والتكامل الإيقاعيين..
ولنأخذ من هذه الإيقاعات الطبيعية (التكرار) ولنبحث، أو نُفتش عن مُعادلاته في الأعمال الإنسانية الإبداعية؛ فقد عرفت الطبيعة التكرار إيقاعاً قبل أن تنطق كلمة سر الإنسان في الأرحام، ليس في حركاتها الدورية عوداً على بدء فحسب، كما في دوران الكواكب حولياً حول الشمس، أو في التتالي الموقّع لثنائية الليل والنهار، وإنما في تلك البنى البلورية، الفائقة الانتظام والجمال، والتي تؤلف قوام المواد الطبيعية الصلبة في معظمها، وهي تُدين بانتظامها لإيقاع التكرار، فضلاً عن النظام الهندسي..

ويقرأ القنطار؛ إن التكرار ينقل إرثه الإيقاعي إلى ظاهرة الحياة، وهي حافلة بما يصعب حصره من الظاهرة التي يفعل فيها إيقاع التكرار فعله الخلاق، ومن طريفها طُرز التبقيع التي تزهو بها فراء عصبة من بني الحيوان، كالنمر والفهد وحمار الزرد أو الوحش.. وفيها يتضافر إيقاعاً التكرار والتواتر، أو التناوب في تشكيل تلك البنى اللونية البديعة، وقد شغل الكشفُ عن آلية تشكلها بال عالم الرياضيات والبيولوجيا الرياضية البريطاني (ألان تورينغ 1912- 1954) الذي عرض سنة 1954 تصوره لتلك الآلية، وقام مريدوه من بعده بتطوير ذلك التصور وصولاً إلى نظرية بيولوجية – رياضية تقوم على الموازنة والمماثلة بين عمل “مولدات الشكل”، وهي بنى كيميائية مسؤولة عن تشكيل طُرز الفراء من خلال تفاعلها وانتشارها عبر الخلايا، وبيّن الوصف الرياضي لاهتزاز الصفائح الرقيقة أو سطوح الأسطوانات، وهي موازنة مُثيرة للدهشة فسّرت على نحوٍ شائق الأسباب البيولوجية لظهور التبقع والتخطيط في فراء الحيوانات ذات الحجم المتوسط كالنمر، واختفائها في الحيوانات الضئيلة كالفأر، ثم اختفائها في الحيوانات الضخمة كالفيل.. وقد يغوص إيقاع التكرار إلى أعماق الخلية الحيّة، وبناها الأولية المُغرقة في القدم..
هذا التكرار المُذهل في مختلف عناصر الطبيعة؛ يُمكن أن نجد له صدى في الأعمال الإنسانية والبشرية منذ قديم القرون؛ فقد اكتشفت القيمة الإيقاعية – الزخرفية للتكرار منذ عهود موغلة في القدامة، ومن أثمن ما عُثر عليه تلك الأعمدة الأسطوانية المكسوّة بالموزاييك في أطلال معبد إينا في أوروك السومرية في منطقة ما بين النهرين – العراقية اليوم، ويرجع تاريخها إلى (3000 ق.م)، وفيها تتكرر الوحدات الزخرفية الهندسية كالمثلث، والزكزاك، والمُعيّن.. في تناغم مُدهش.. كما تحفل فنون العمارة والنحت والتصوير في الإرث الباقي لمختلف الحضارات القديمة مثل المايا والأولمك والأزتك في أمريكا الوسطى بتجلياتٍ وفيرة لإيقاع التكرار.. وإذا ما وصلنا إلى العصور الإسلامية مشرقيّاً ومغربيّاً، فسنجد آيات من الإبداع الزخرفي الذي يُشكّل التكرار أحد نواظمه، وقد تجلت في تزيين المساجد والقصور والمرافق وصناعة الأثاث والآنية والأسلحة والتحف، وما إلى ذلك مما ينضوي تحت صنعة (الرقش)، أو التوريق.. كما يشهد فن العمارة الإسلامية على تمكّن الحس الإيقاعي لدى مُصممي أوابده، حيث كل قوس في بهو جامع قرطبة الأندلسي – على سبيل المثال- يملك جماله الخاص، إلا أن تكرار الأقواس في الجامع، وأسلوب توزعها؛ يولدان في تراكيبهما إيقاعاً بليغ الوقع لا يحوزه أيٌّ من الأقواس منفرداً، وهو يتغير قليلاً أو كثيراً وفقاً لزاوية النظر ليمنحنا تشكيلة من الإيقاعات الهندسية.. وفي تنفيذها ما ينطوي على بعدٍ روحي ينشد التسامي إلى المُطلق اللانهائي.. حيث يُدين الغنى الزخرفي الباذخ في التحف الفنية الإسلامية بشطرٍ من ثرائه الآخاذ إلى إيقاع التكرار..
كما يُشكّل التكرار لبنة رئيسة في التشكيلات الهندسية المُطبقة في ميدان الفن التشكيلي الحديث.. حتى أن أي نزوع زخرفي، أو تزييني في الفن التشكيلي يُضمر إيقاع التكرار على هذا النحو أو ذاك، وإن لم يبنْ صراحةً ولنا في ذلك شواهد في أعمال الفنانين التشكليين عرباً وغير عرب، منها على سبيل المثال أعمال الأخوين السوريين: أدهم ونعيم إسماعيل، لاسيما في لوحة أدهم إسماعيل الشهيرة (الفارس العربي)، حيث تضيق الألوان والوحدات الزخرفية بإسارها الصارم، فتنبو عن أنساقها الزخرفية المُنتظمة لتتشظى، وتنتشر حرةً على مساحة اللوحة، وهو ما نجد إيقاعه بكثرة في أعمال الفنان ممدوح قشلان.. وأما في الشعر فالأمثلة أكثر من أن تُعد أو تُحصى، وذلك منذ أول الإنشاد في التاريخ، حيث اكتشف إنسان الحضارة، ومنذ القدم، ما لإيقاع التكرار من تأثير وجداني في طقوس التعبّد والتقرب من الآلهة، وما يُصاحبها من ترانيم تُخاطب العاطفة الدينية.. وإذا ما وصلنا إلى الشعر العربي قبل الإسلام؛ سنجد إن العرب قد أدركوا القيمة الإيقاعية للتكرار في تزيين القول، منثوراً أو منظوماً، وجعله أقوى وقعاً.. مثل السجع الذي كثيراً ما رود في القرآن الكريم سلساً بعيداً عن التكلف:” قل أعوذُ بربّ الناس، ملك الناس، إله الناس، من شرّ الوسواس الخنّاس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس..”
أكتفي هنا بالحديث عن إيقاع التكرار، كنموذج أو جزء يُشير إلى الكل في هذا الكتاب، وأترك باقي الإيقاعات التي ذكرناها أعلاه لقارئٍ يسعى للإستزادة والمعرفة..

(سيرياهوم نيوز-تشرين)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اليمن ..وانتصر الحفاة

الكاتب: حسن صعب اليمن يُعدّ أحد أهم بوابات المنطقة، كونه يتسيّد على البوابة الجنوبية للشرق الأوسط. وما يُضاعف أهمية موقعه إطلالته المباشرة التي منحته السلطة ...