آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » الإحساس بالمسؤولية بين الشعور والممارسة

الإحساس بالمسؤولية بين الشعور والممارسة

 

بقلم د. حسن أحمد حسن

 

 

يحق للشخص المتفائل أن ينظر إلى النصف المملوء من الكأس، وقد يكون من حقه الاكتفاء بالنظر إلى هذا النصف دون سواه، لكن لا يحق له أن يمنع غيره من النظر إلى رؤية النصف الفارغ، فرؤية هذا النصف أو ذاك من الكأس يندرج ضمن الإحساس بالمسؤولية، واستكثار رؤية النصف الآخر على الآخر ممارسة للمسؤولية بشكل أو سلبي، وهذا يفرض على جميع الوطنيين الغيارى العمل على خلق البديل الموضوعي والممكن، إلا أن الانتقال من الإحساس إلى الممارسة يتوزع على درجات، فأصحاب الطاقة الإيجابية يدركون أن من حق غيرهم رؤية النصف الآخر، وكيلا يبقى الأمر تحت سقف الإحساس بالمسؤولية يعمدون إلى ملء الكأس بدلاً من التغني بنصف مملوء، وعلى الضفة الأخرى يدرك أصحاب الطاقة السلبية أن غيرهم يرى النصف المملوء، وكي تتم مصادرة هذا الحق المشروع هناك من يعمد إلى إفراغ الكأس بكليته ليس عبر شرب الماء الموجود فيه، بل قد يكون بسكب الماء على الأحجار وليس على التراب، وهنا تتحول ممارسة المسؤولية إلى عامل إحباط وتيئيس وهدم بآن معاً، وللأسف مثل هذه الظاهرة موجودة في جميع المجتمعات، وتشتد أخطار ما تنتجه مثل هكذا طاقة سلبية وقدرتها على الهدم في الظروف الاستثنائية، وبخاصة تلك المتزامنة مع تداعيات الحروب وما تفرزه من أزمات قد تتحول إلى أخطار وتهديدات ما لم يبادر عشاق الطاقة الإيجابية إلى قطع الطريق على من يجيدون ثقافة جلد الذات والاكتفاء بتعداد السلبيات وندب الحظ العاثر.

انتقل من هذه المقدمة ببساطتها إلى محاولة إيجاد مرتسمات لها على الأرض في الشارع السوري، وأحسب أن الجميع يدركون أن ثلاثة عشر عاماً من أقذر حرب مركبة فُرِضَتْ على السوريين فعلت الكثير في طرائق تفكير الناس، وأعادت ترتيب الأولويات وفق أسس متعددة ومختلفة من شخص لآخر جراء تداخل العوامل التي أدت إلى مخرجات مزعجة بطبيعتها للفطرة السورية التي يعتز بها جميع السوريين، والنجاح في مواجهة تداعيات تلك المخرجات المؤذية يتطلب تضافر جهود الجميع لتخفيف ضغوطات الحياة اليومية بعيداً عن التفكير الانفعالي الرغبوي المؤذي ـــ وإن كان عابراً أو هناك من يراه مشروعاً بشكل أو بآخر ـــ فالأيسر والأكثر توفراً لدى أي شخص للتنفيس عن عدم الرضا عن الواقع الذي آلت إليه الأمور يكون بسلخ جلد الحكومات المتعاقبة، وتحميلها مسؤولية كل وجع وألم وحاجة لا تقبل المزيد من الانتظار لتلبيتها، وهي بغالبيتها حاجات مشروعة، ولست هنا بصدد الدفاع عن أي مسؤول في أي مفصل حكومي، فالخلل قد يكون كبيراً في الكثير من مفاصل العمل، ونكران وجود أخطاء ونقاط وهن وضعف لا يلغيها ولا يزيلها، بل يراكمها ويشوه معالمها فتصبح المعالجة أصعب وأكبر تكلفة، كما أن محاولة تعليق كل شيء على مشجب الحرب وتداعياتها يساعد أصحاب النفوس الضعيفة على الاستمرار بسلوك طرق شتى يمكن تصنيفها تحت مصطلح “الفساد” وما يتعلق به من سلوكيات ومظاهر أخطرها يكمن في طرائق التفكير، ومن المسلم به أن تغيير طرائق التفكير ومكوناته لا يكون بين يوم وليلة، ولا يمكن تشكيل وعي وفهم مجتمعي، وبلورة طرائق تفكير جديدة بجهود فردية، فاليد الواحدة لا تستطيع التصفيق، وإن كانت تستطيع الصفع، أي أن الشعور بالمسؤولية لتلافي الخلل ونقاط الوهن لا يكفي، بل يتطلب الانتقال من الشعور بالمسؤولية إلى ممارستها، وهذا ممكن ومهم، وقد تكون آثاره الإيجابية أكبر بكثير مما قد يخطر على الذهن.

هنا أبيح لنفسي القفز مباشرة إلى الاستحقاق الدستوري الذي تستعد سورية لإجرائه في توقيتاته المحددة، وأقصد الانتخابات التشريعية القريبة، فمسؤولية كل من يحق له الانتخاب تفرض عليه الانتقال من الاكتفاء بنقد عمل الحكومة إلى ممارسة المسؤولية وتحمل نتائجها بانتخاب مجلس شعب جديد نوعي وقادر على بلورة طموحات السوريين والاضطلاع بواجباته الدستورية على أكمل وجه، سواء ما يتعلق منها بسن القوانين أو تعديلها، وفي الوقت ذاته متابعة أداء الحكومة ومساءلتها وفق أحكام الدستور.

لكل مواطن الحرية التامة في اختيار من يراه الأكفأ والأجدر والأكثر نزاهة ومصداقية، ولو أن كل فرد يصر على ممارسة هذا الحق بمسؤولية ويقين بأن المخرجات ستكون أفضل، فمن الطبيعي أن يكون مجلس الشعب القادم أكثر قدرة على تخفيف الكثير من المظاهر السلبية التي تزعج كل الممتعضين مما يسمونه “ترهل الأداء الحكومي”، وبقدر ما يستطيع كل منا نبذ كل الانتماءات الضيقة، ورفض كل أشكال المغريات الآنية، ويجسد قناعاته حقيقة في صندوق الاقتراع كلما يكون ذلك ممارسة إيجابية للمسؤولية، والانتقال من الاكتفاء برؤية النصف المملوء إلى المساهمة العملية بتعقيم الكأس وملئه بالماء النظيف الصالح للشرب، وأن يشعل كل منا شمعة أو يساهم بإشعالها أفضل ألف مرة من أن نستمر بلعن الظلام، وبغير ذلك لا يحق لأحد منا اعفاء نفسه من المسؤولية عن اجترار الألم والقبول باستمرار هذه الظاهرة المجتمعية الخاطئة أو تلك، فهل تتكامل جهود أبناء الوطن وتتضافر لتنفيذ توجيهات السيد الرئيس والنهوض معاً للانتقال إلى واقع أفضل نستحقه ونستطيع بلوغه؟ … نعم الأمل كبير بإضافة هذه اللبنة إلى مدماك تحصين الوطن وزيادة منعته، وأجزم أن الغالبية العظمى تتمنى ذلك، وما ينقصنا فقط اتخاذ القرار وتجسيد ما نقتنع بصحته سلوكاً مثمراً يلون صناديق الانتخاب ببصمة وطنية نقية مسؤولة وقادرة على اعتصار الأمل من بوتقة الألم، والعمل معاً يداً بيد لغدٍ أفضل.

 

(موقع سيرياهوم نيوز-١)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

امتحان الرياضيات يكشف تفسّخ العمل التربوي..!!

  ابتسام المغربي من غير المفهوم وغير المبررمايحدث في امتحانات الشهادتين !!!!! فمن الذي سيستفيد من رسوب هذا العدد من الطلاب لمجرد أن الأسئلة غير ...