الرئيسية » مجتمع » الانعكاسات النفسية لعمليات التجميل

الانعكاسات النفسية لعمليات التجميل

تُقدم الكثيرات على إجراء عمليات التجميل بعد تزايد شعبيتها وانتشار المراكز والعيادات التجميلية، التي تقدم عروضاً مغرية للسيدات، حتى أصبحت هذه العمليات كابوساً ليس له علاقة بالجمال، بسبب أخطاء قد تبدو بسيطة إلا أنها تترك أثراً نفسياً لا ينسى قد تكون عروض التجميل قد أفسدته.
وهنا نسأل: هل يجب على الشخص أن يستشير الاختصاصي النفسي قبل الخضوع لأي عملية جراحية وخاصة عمليات التجميل؟
د. غنى نجاتي- اختصاصية الصحة النفسية تبين أن الإنسان يحب التغيير، ويبحث عنه دائماً في تغيير أثاث المنزل وترتيبه، وتغيير طريقة الملبس، والبعض يلجأ لتغيير شكلهم الخارجي من دون تغيير ذواتهم، ظناً منهم أنه بمجرد تغيير شكلهم ستتغير حياتهم، مع العلم أن الشكل الخارجي جزء محدود من الشخصية الإنسانية وليس كلها. ويتهافت العديد على مراكز التجميل لتغيير شكلهم رجالاً ونساءً، حيث أثبتت الدراسات الإحصائية وجود نسب متقاربة بين الذكور والإناث يرتادون باستمرار على العيادات التجميلية.
وأضافت: تعد الجراحة التجميلية والترميمية فرعاً مهماً من اختصاصات الطب البشري، الذي وجد بالأساس لحل التشوهات الخلقية، مثل الشفة الأرنبية وعلاج الحروق والندبات العضوية، والترميم الجلدي بعد الحوادث والأذيات، وأنا مع هذا النوع من الجراحات التجميلية الترميمية، التي ستكون علاجاً نفسياً يسمح للمرضى باستعادة ثقتهم بأنفسهم، ويعطيهم فرصة ذهبية للانطلاق والتمازج الاجتماعي والتكيف المهني والأكاديمي.
وهناك من يلجأ للخضوع للجراحة التجميلية مرة واحدة فقط لاستعادة تناسق الوجه، كتجميل الأنف أو علاج تبارز صيوان الأذن أو علاج التثدي عند الرجال، ومع أن الدافع لهذا الإجراء المتبع نفسي وليس حاجة عضوية وطبية، إلا أنه يحقق الرضا والتصالح مع الذات الجسدية، ويحقق التكيف النفسي للفرد الذي يشعر بالسعادة والرضا عن نتائج هذه الجراحة ولا حاجة لتكرارها، بينما هناك من يعاني من عدم الرضا عن النتائج التجميلية، ويصاب بالخيبة والحسرة والندم مع فك ضماد شاش العملية التجميلية، ومنهم من يشعر بالغضب الشديد والاكتئاب نتيجة أخطاء التشوهات التجميلية، التي تجبرهم على الانعزال التام والانغلاق على أنفسهم، وترك وظائفهم أو دراستهم والهروب من أي موقف اجتماعي خوفاً من سخرية الآخرين، وتعليقاتهم السلبية اللاذعة، وخصوصاً أن ظاهرة التنمر أصبحت شائعة إلكترونياً وعاطفياً وليس لفظياً وجسدياً فقط.
وفي واقع حياتنا العديد من المشاهير والممثلين الذين كانوا ضحية وفريسة سهلة لأطباء تجميل زائفين، يعملون من دون ترخيص ومن دون شهادة، أو ربما تعرفوا عليهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال ترويج عروض وحسومات وصور غير منطقية معدلة بـ«الفوتوشوب» تغري وتوحي بأن الخضوع للجراحة التجميلية سيكون حلاً مضموناً وسهلاً وبسيطاً لكل مشكلات الحياة، ويشعرهم بالسعادة والقبول العاطفي ويحقق لهم مستقبلاً مريحاً ومزدهراً.
وحسب الدراسات السيكولوجية العلمية فإن ٢٠% من مرتادي العيادات والمراكز التجميلية غير سعيدين بنتائج التجميل المتبع، بمعدل كل واحد من خمسة مرضى لا يشعرون بالرضا عن نتائج العمل التجميلي، ومعظمهم يلجأ لعمليات جراحية إضافية لتصحيح الأخطاء والتشوهات الناتجة عن العمليات التجميلية، التي جاءت نتائجها عكس توقعات المرضى وكانت مخالفة لأحلامهم ورغباتهم التي سعوا إليها بداية، وعندما يعبرون لطبيب التجميل عن سخطهم وألمهم النفسي من نتائج جراحته يتنصل ببراعة عن مسؤوليته الكاملة، ويتفنن بإلقاء اللوم على اختيار المواد والحشوات التجميلية، أو سيبرر أنه نوه للمريض بإمكانية واحتمال حدوث هذا التشوه منذ البداية، وأن هذه الجراحة التجميلية كانت بناء على رغبة وإصرار المريض وحده، ومن دون ضغط عليه، مع العلم أن بعض جراحي التجميل تجاريون (وأنا لا أعمم) يستغلون المرضى نفسياً ومادياً لإقناعهم بضرورة تكرار التجميل، وربح مبالغ إضافية منهم، حيث يمارس بعض (وليس جميع) أطباء التجميل الماديين وغير الإنسانيين فن الإيحاء عبر البروباغندا الإعلامية بالسوشال ميديا، واللوحات الإعلامية بالطرقات والبروشورات الفنية التي تسوق فكرة سهولة إجراءات التجميل، وضمان جمالية وإبداع نتائجه المبهرة، كأنها خالية من الألم الجسدي والخطورة والتأثيرات الجانبية، وأن المريض سيجد عن طريقها حياة أفصل بكل الصعد أسرياً واجتماعياً وعاطفياً وحتى مهنياً واقتصادياً.

وقالت: برأيي كأستشارية في الصحة النفسية يجب إلزام جميع مراكز وعيادات التجميل بعدم إجراء أي جراحة تجميلية، من دون خضوع المريض لتقييم نفسي من مختص سيكولوجي، يدرس المثير الحقيقي الذي يدفع المريض للتجميل، لأنه حسب دراسة مسحية قمت بها كان ٧٥% من رواد مراكز التجميل يرغبون بالتجميل من دافع اضطرابات نفسية غير مشخصة لديهم، مثل الاكتئاب والفتور النفسي والنزعة الكمالية العصابية والقلق بأنواعه وانخفاض مستوى تقدير الذات، أو ربما كردة فعل على حالات تحرش جسدي، أو سوء معاملة عاطفية أو تنشئة أسرية ظالمة، ومنهم أيضاً من يعاني من اضطراب تشوه صورة الجسد، حيث يعاني أصحاب هذا الاضطراب من انشغال دائم ومستمر بعيب خلقي متخيل، غير موجود في الواقع أو طفيف بالكاد يُرى، ويخضعون بشكل متكرر للجراحة التجميلية مع عدم الرضا الدائم عن النتائج لإقناعهم بأنهم مازالوا قبيحين وذميمي المظهر وبحاجة للتجميل، حيث تكون المشكلة هنا بتشوه أفكارهم، وليس بصورة وشكل جسدهم، لذلك مهما أصلحوا من شكلهم لن تتغير قناعتهم من دون تغيير أفكارهم، ويتم علاج هؤلاء بجلسات علاج معرفي سلوكي Cognitive behavioral therapy لتصحيح التشوهات المعرفية والإدراكية واستعادة رؤية واقعية عن أجسادهم تسمح لهم بالتصالح مع أنفسهم، وتكسبهم رضا ومحبة لذاتهم الحالية الواقعية.

(سيرياهوم نيوز-تشرين)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رهاب السعادة

حسين صقر: غالبا ما تتكرر أثناء جلساتنا اليومية مقولة” يعطينا خير هذا الضحك” وذلك نتيجة المواقف المؤلمة والمزعجة التي نمر فيها وتطغى على يومياتنا ، ...