آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » الجمهوريون خلف «رئيسهم»: الترامبية باقية!

الجمهوريون خلف «رئيسهم»: الترامبية باقية!

باللغة التي يحبّها دونالد ترامب، أكثر من 71 مليون ناخب أميركي قالوا كلمتهم، وجعلوا منه أول رئيس يحصل على هذا العدد من الأصوات، والرئيس السابق الذي حطّم رقم باراك أوباما القياسي لعام 2008، والذي حصل بعد ذلك بـ12 عاماً على ثاني أعلى تصويت شعبي في تاريخ أميركا. أيضاً، باللغة التي يُتقنها ترامب، هو رقمٌ ضخمٌ جدّاً، سيمنحه نوعاً من الانتصار على الهزيمة، وقدرةً على المناورة، تفرض على قادة الحزب الجمهوري عدم تجاهل ما يمثّله من «علامة للشعبوية المرتبطة بالقومية الاقتصادية، والتي لا تزال قابعة في قلب الحزب الجمهوري، من دون منازع»، وفق شبكة «سي أن أن».ترامب هو رابع رئيس منذ الحرب العالمية الثانية يخسر إعادة انتخابه، ولكن ذلك لم يقف عائقاً أمام فرض خياراته على الجمهوريين، حتّى باتوا أمام حتمية الاستمرار في احتضانه، أو المخاطرة بإبعاد قاعدة مؤيّديه الكبيرة. هواجس كثيرة تحتلّ ذهن هؤلاء، تنطلق من تأثيره على انتخابات الكونغرس الفرعية في ولاية جورجيا المقرّرة في كانون الثاني/ يناير، وقد لا تنتهي عند السؤال الملحّ: هل شكّل صعوده تغييراً مهمّاً في توجّه الحزب، وإذا كان الأمر كذلك، فهل سيكون التغيير مؤقتاً أم دائماً؟ لن تكون الإجابة حاسمة، على الأقلّ على المدى القريب، ولكنها قد تجد بعضاً من عناصرها في تقرير مطوّل خصّصه نيكولاس ليمان في مجلّة «ذا نيويوركر»، قبل حوالى شهر. جوانب تاريخية كثيرة تطرّق إليها الكاتب، انطلاقاً من الحرب العالمية الثانية، مروراً برئاستَي رونالد ريغان وجورج بوش، وصولاً إلى رئاسة دونالد ترامب. رئاسات ثلاث تميّزت بنوع من الشعبوية، ولكن بأساليب ولأهداف مختلفة.
ولكن بين هذه الرئاسات الثلاث، يبدو ترامب الأكثر بروزاً واستثنائية، إلى حدّ أنه وضع على السكّة ما يسمّى «الترامبية»، التي تضافرت ظروف كثيرة لولادتها، وقد تكون سبباً لاستمرارها. البديهي الذي يشير إليه ليمان، في هذا المجال، هو ما ميّز العقد الماضي في جميع أنحاء العالم، من سلسلة ردود أفعال على انعدام الأمن الاقتصادي والمساواة. ردود تبدّت على شكل حركات قومية جاءت لتزعزع ما يكفي من حدود السياسة التقليدية. وبالفعل، بسبب هذه الردود، بات لا يمكن لأيّ جمهوري طَموح أن يتجاهل «الترامبية»، ولا أي ديموقراطي طموح أيضاً، ولا سيما أن هذا الحزب فشِل في معالجة السخط الاقتصادي العميق في بلاده. في النهاية، «مكوّن كلا الحزبين الذي لم يواجه انعدام الأمن لدى العديد من الأميركيين – هو الذي خلق الفرصة لسياسة الإقصاء. إنه ليس ترامب. إنها فرصة انتهزها ترامب»، على حدّ تعبير ليزا ماكجير، مؤرّخة في جامعة هارفارد.

ترامب شخصية غريبة عن الوسط السياسي بحيث من الصعب أن تتكرّر كنموذج

عوامل كثيرة تضافرت، أيضاً، لصالح دونالد ترامب، يمكن، بناءً على تقرير «ذي نيويوركر»، تلخيصها بثلاثة: الأول، عنصر انعزاليٌ أصيلٌ ومهمٌ، لطالما كان في الحزب الجمهوري، وجرى تقييده من خلال «الانصهار»، والتوافق الكبير بينه وبين المؤسّسة التجارية التابعة للحزب، حتى بدا، لفترة طويلة، على أنه تحالف سياسي عملي نسبياً. والثاني، الجماعات الإنجيلية التي أصبحت، في أواخر السبعينيات، سياسية بقوة، مدفوعة بمساهمات من رواد الكنيسة ومن المانحين السياسيين الأغنياء. أمّا الثالث، فتلاشي تهديد الشيوعية مع نهاية الحرب الباردة، وتزايد عدم المساواة، والعولمة، وهو عامل أشعر العديد من الناخبين في كلا الحزبين بأنهم متروكون. شعورٌ كان من تبعاته الظهور المفاجئ لحركة «حزب الشاي» المحافِظة، في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008 وتنصيب باراك أوباما، قبل أن يحلّ دونالد ترامب على الساحة السياسية، بما يحمله من انعكاس لآمال الكثيرين. في المحصّلة، «في السياسة الأميركية، تحديداً، تميل النزعة القومية البيضاء والعنصرية إلى الظهور، بالتزامن مع الضائقة الاقتصادية»، بحسب ليمان. هذا الواقع أدركه ترامب ولعب على أوتاره، بينما لم يدركه أيٌّ من خصومه الجمهوريين في عام 2016، ولا سيّما أنهم كانوا يعيشون في عالم أنشأته طبقة المانحين الجمهوريين.
في عام 2020، اختلف الأمر بالنسبة إلى العديد من حلفاء ترامب وخصومه. قد يكون هذا الشخص غير محبوب من قِبَل أصحاب المناصب الجمهوريين، الذين عارضوا ترشيحه، ولكن هؤلاء باتوا عقلاء بما يكفي لأن لا يقفوا في وجهه. بالمختصر، هو يتمتّع بشعبية غير عادية لدى الناخبين الجمهوريين، وهو ميّال للانتقام إلى درجة أن إثارة استيائه تُعدّ مخاطرة بالموت السياسي. جيف سيشنز اختبر هذا الأمر بشكل مباشر، خلال حملته لنيل ترشيح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ في ولاية ألاباما، في وقت سابق من هذا العام. كان لهذا الأخير تاريخ طويل وناجح في السياسة في الولاية ومجلس الشيوخ، إضافة إلى سجلّ من الآراء الشبيهة بتلك التي يدلي بها ترامب حول الهجرة. إلّا أنه أثار غضب رئيسه عندما تنحّى، بصفته وزيراً للعدل، عن أيّ تحقيقات في التدخّل الروسي في انتخابات عام 2016، ما أدّى إلى تعيين روبرت مولر مستشاراً خاصاً. لعدّة أشهر، سخر ترامب منه بلا هوادة، وهاجمه على «تويتر» قبل إقالته في تشرين الثاني / نوفمبر 2018. وهذا العام، أيّد ترامب خصم سيشنز الجمهوري، تومي توبروفيل، مدرّب كرة القدم السابق الذي قدّم أول ترشّح له لمنصب سياسي. وكتب على «تويتر» أن توبرفيل كان «زعيماً حقيقياً». بالنتيجة، خسر سيشنز الانتخابات التمهيدية، وفاز توبرفيل في الانتخابات الأخيرة. مثال آخر، هو السناتور ليندسي غراهام، الذي أعلن خلال الموسم التمهيدي لعام 2016 أن ترامب «غير لائق ليكون رئيساً للولايات المتحدة». هذا الأخير سرعان ما أصبح أحد أكثر الموالين المخلصين له، متوقّعاً أن يضمن دعم الرئيس إعادة انتخابه في مجلس الشيوخ في عام 2020، وهو ما حصل بالفعل.
لم ينته الأمر مع هزيمة ترامب. فقبل أيّام قليلة، تحوّل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إلى أرفع مرشّح جمهوري في الكونغرس يحشد الدعم لجهود الرئيس المنتهية ولايته، ولكن هذه المرّة للاعتراض على نتائج الانتخابات، وإبطال فوز جو بايدن. بحسب شبكة «سي أن أن»، جاء تأييد ماكونيل لترامب بعد حملة ضغوط استمرّت أياماً من قِبَل الأخير وأقرب حلفائه، الذين حثّوا الجمهوريين في الكونغرس على دعم مزاعمهم بأن الانتخابات كانت مزوّرة. ويكفي أن يشعر ترامب كما لو أن ماكونيل وآخرين قد تخلّوا عنه حتّى يتحرّك هؤلاء لدعمه. هو لم ينتقد حلفاء الحزب الجمهوري فقط، بل لمح أيضاً إلى فكرة عدم مساعدة الجمهوريين في انتخابات الإعادة في جورجيا، والتي ستقرّر الحزب الذي يسيطر على مجلس الشيوخ، وفقاً لما قاله أحد الأشخاص لـ»سي أن أن». بمعنى آخر، استخدم ترامب لغة الابتزاز من أجل دفع الجمهوريين إلى إبداء رأي ربّما لا يوافقونه فيه. وفي حين لم يصل خطاب ماكونيل إلى حدّ تأييد مزاعمه، إلّا أنه كان اعترافاً ضمنياً بالنفوذ الذي يتمتّع به ترامب على الحزب.
دونالد ترامب شخصية غريبة عن الوسط السياسي، بحيث من الصعب أن تتكرّر كنموذج عن الحزب الجمهوري. وبما أنه بات من الواضح أن تأثيره لن ينتهي بمجرّد خروجه من البيت الأبيض، تُطرح التساؤلات، الآن، عن المكان الذي سيتّجه إليه الحزب الجمهوري. يبدو من المغري بالنسبة إلى كثيرين الاعتقاد أنه عندما يرحل ترامب، فإن كلّ ما يمثّله سيذهب معه. ولكن هذا الاعتقاد لا يعدو كونه مجرّد تمنٍٍّ، ولا سيما أن عناصر كثيرة من «الترامبية» ستبقى موجودة، لفترة طويلة.

(سيرياهوم نيوز-الاخبار)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أخيرًا رضخت أمريكا وانتصر الرئيس الفنزويلي مادورو بالضّربة القاضية.. ما هي الأسباب الأربعة التي تكمن خلف هذا الانتِصار المُشَرّف؟ وما هي الدّروس المُستفادة منه عربيًّا خاصَّةً في لبنان؟

أخيرًا استسلمت الولايات المتحدة الأمريكيّة، ورضخت للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وشُروطه، واعترفت بزعامته، وقرّرت رفعًا تدريجيًّا لعُقوباتها التي فرضتها على فنزويلا طِوال الأعوام الأربعة الماضية، ...