الرئيسية » كتاب وآراء » الحرب الخفيّة

الحرب الخفيّة

تجربة الصين السياسية والاقتصادية والاجتماعية جديرة بالدراسة والاستفادة منها إلى أقصى الدرجات خاصة وأن نهوض الصين الفعلي تحقق خلال خمسين عاماً.

حين احتل الأميركيون العراق 2003 رفعوا شعاراً فورياً باجتثاث البعث وحلّ الجيش وتدمير كل المؤسسات والنقابات والمنظمات التي شكلت تأطيراً مهنياً أو سياسياً أو مجتمعياً للمجتمع العراقي. وكانت المرحلة التمهيدية لهذا الإجراءات هي التركيز على سقطات أو هفوات أو حتى مراكز الخلل في كلّ هذه الأحزاب والمؤسسات المستهدفة والأخطاء التي اقترفتها بحق الشعب العراقي دون أن يتأكد أحد من صحة أو عدم صحة ما يتم الترويج له.

إن هدف الإجراءات الأميركية لم يكن تصحيح الأخطاء ولا تقديم صيغ أفضل للعيش أو العمل لصالح الشعب العراقي بل على العكس من ذلك كان الهدف تفكيك المجتمع العراقي وحرمانه من أي نوع من النظام والإجراء الذي يعطي حياة العراقيين تسلسلاً منطقياً منتجاً، والإلقاء بهم جميعاً في أتون الفوضى والتقسيم والتجزئة والحرب الأهلية التي مازالت تعصف بحياتهم بعد قرابة عشرين عاماً من ذلك الاحتلال، ذلك لأن تأطير المجتمعات بأحزاب سياسية فاعلة ونقابات ومنظمات شعبية أثبت أنه ضرورة لتنظيم فاعليات المجتمع وتراكم خبراتها وشحذ مهاراتها والارتقاء بأدائها، وأن التحلّل من أي تنظيم أو أسلوب منظِّم للعيش المهني أو السياسي أو المجتمعي يعني فقدان الأسس الناجعة التي يمكن أن تبنى عليها الدول القوية التي تحافظ على سلامة وسيادة البلدان بشكل تحرز تقدم شعوبها وتطورها وازدهارها وتحقق أمنها. وقد خبر الغرب في وقت سابق أن تفكيك الاتحاد السوفياتي والأطر التي أرساها على مدى سبعين عاماً كان الوصفة السحرية للتخلص من قوته ومنافسته للغرب على مستويات مختلفة.

وشنّوا بعد ذلك حملة منظمة على الصين والحزب الشيوعي الصيني، وخاصة أنه الحزب الوحيد في البلاد، الأمر الذي اعتبره الغرب مناقضاً لأسسه الديمقراطية القائمة على تعدد الأحزاب.

ولكنّ الصين ورغم كلّ الهزات الإقليمية والدولية مضت قدماً في المسار الذي رسمته لنفسها وطورت من أساليب أدائها وديمقراطية العمل داخل الحزب والدولة والمجتمع، والنقاش المستمر بين أعضاء الحزب للوصول إلى الصيغة الأفضل والقرارات الكفوءة لقيادة الدولة والمجتمع. 

وها هي جمهورية الصين تحتفل اليوم بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني والذي أنجز إنجازات أبهرت العالم خلال مئة عام فقط من تأسيسه وخاصة خلال الخمسين عاماً الماضية. وأتذكر أثناء زيارتي للصين عام 2017، وبعد أن ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ خطبة عبّر فيها عن رؤية ثاقبة لتوجه الصين حتى عام 2050، أنني هنأت وزير الخارجية بهذا الإنجاز والتوصل إلى هذه الخطط الهامة لمستقبل الصين، وقال لي إنها نتيجة حوارات دامت لسنتين بين مليوني عضو في الحزب الشيوعي الصيني. ويبلغ تعداد الحزب الشيوعي الصيني مئة مليون عضو يعملون وفق مبادئ أربعة:

– التمسك بخط الحزب الشيوعي.

– التمسك بتحرير الأفكار وطلب الحقيقة من الواقع.

– التمسك بخدمة الشعب بكل أمانة وإخلاص.

– التمسك بنظام المركزية الديمقراطية.

– التمسك بفكرة مجتمع المصير المشترك للبشرية جمعاء.

إن الأسس الأربعة الأولى تؤكد أن الديمقراطية التي تبنيها الصين ليست مستنسخة من الديمقراطية الليبرالية الغربية القائمة على حكم النخبة الرأسمالية الأغنى في المجتمع وعلى استعباد الشعوب واستعمارها ونهب ثرواتها، بل هي ديمقراطية نشأت في الصين وعلى أيدي صينيين حريصين على سلامة بلدهم وازدهار شعبهم، ومن أجل تقدم الصين ورقيّ الصينيين، وهذا بالذات ما لا ترضاه الليبرالية الغربية المبنية على الفكرة الاستعمارية الاستعلائية لأنها تعتبر ذلك خروجاً من بيت الطاعة الاستعماري الغربي لأن النموذج الغربي التابع للمركز الاستعماري هو النموذج الوحيد المقبول بالنسبة للنظم الغربية ومن غير المسموح به لهذه النظم نشوء نموذج آخر لا يتوافق بمبادئه وغاياته مع النموذج الغربي.

علّ هذا الأمر هو أساس القلق الأميركي خصوصاً والغربي عموماً من ارتقاء الصين في المجالات كافة ومن منافستها القوية للولايات المتحدة ومن بروز النموذج الصيني عالمياً والترحيب به من قبل الدول المستضعفة والتي كانت نتائج السياسات الغربية مدمرّة لشعوبها. 

إن فكرة المصير المشترك للبشرية جمعاء والتي تشكل أساساً لتفكير الحزب الشيوعي الصيني ومبدأً أساسياً لعمل القيادات الصينية هي فكرة تناقض الأسس التي بني عليها النظام الاستعماري الغربي القائم على الهيمنة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها وتنظيم الانقلابات والاختراقات المخابراتية للأنظمة الوطنية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وهي أسس قامت ايضاً على هيمنة الغرب على قرارات مجلس الأمن والقرارات الدولية والتحكم بمصائر الشعوب ونهب ثرواتها لتمويل الصناعة العسكرية والجيوش الغربية التي تعود لتحتل وتقهر بلدان العالم.

وكما أن معيار القرب من الله عزّ وجلّ هو العمل الصالح “أقربكم إلى الله أنفعكم لعياله” فإن معيار صحة توجّه أي حزب في أي بلد هو مدى خدمة هذا الحزب لواقع هذا البلد وشعبه؛ فإن كان بنّاء ومطوّراً ومحققاً للرفاه والحياة الحرة الكريمة فهذا يعني أنه جدير بمكانته وخاصة إذا كان أيضاً يعمل على توافق عالمي للبناء والتطوير بنظرة المساواة في الكرامة بين بني البشر دون تمييز على أساس لون أو عرق أو طائفة أو جنس أو طبقة أو دين.

ولا شك أن الاستراتيجية التي وضعها الحزب الشيوعي الصيني والمعتمدة على الحقيقة من الواقع وأنه “لا يهم لون القطة” كما قال الزعيم شياو بينغ ولكن المهم “أنها تستطيع صيد الفئران”؛ أي المهم هو العمل والإنتاج وليس المهم هو الكلام والتنظير فقط، وبهذه الروح خطت الصين خطوات جبارة في نصف القرن الأخير واستفادت من كل التجارب العالمية ومن تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي فدرست التجربة وقررت الانفتاح على العالم برمته والبناء الداخلي ومحاربة الفقر، والتطور العلمي ومدّ يد العون للشعوب المستضعفة ونشر ثقافة “عالم واحد” ومبدأ “رابح رابح” بدلاً من المبدأ الاستعماري للدول الغربية “فرّق تسد”.

إن تجربة الصين السياسية والاقتصادية والاجتماعية جديرة بالدراسة والاستفادة منها إلى أقصى الدرجات خاصة وأن نهوض الصين الفعلي تحقق خلال خمسين عاماً وهو تقريباً عمر تحرر معظم شعوبنا من الاستعمار الغربي ولكن التحرر لا يتحقق فقط برحيل القوات العسكرية الغربية بل يتحقق حين تتحرر العقول من التبعية الاستعمارية ويترسخ الإيمان بالحضارة والقدرة الذاتية على البناء والعطاء وتُتخذ كل الإجراءات التي تكفل مساحة الإبداع والعطاء المتميّز وتحارب كل التشوهات والتصدعات التي يتسبب بها العاجزون والطفيليون والانتهازيون.

في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني نحيّي ما قام به هذا الحزب من معجزات في نهضة الصين متمسكاً باستقلاليته وشخصيته الصينية ومطلّاً على العالمية من مخزون عريق يساهم في نهضة البشرية جمعاء ويتعلم منها أيضاً في تطوير قدراته ومنهجه.

الدرس المستفاد هنا هو الثقة بالنفس وصمّ الآذان عن الدعايات الغربية المغرضة ونذكر ما قاله المفكر العربي إدوارد سعيد عن الغربيين والمستغربين أيضاً حيث قال في الصفحة الأولى من كتابه “الاستشراق” للغربيين والمستغربين: “إن منطقتنا هي منطقة عبور لهم لصناعة مستقبلهم، ليس لديهم أي عاطفة لمنطقتنا أبداً”.

هذه حقيقة؛ فلا عاطفة ولا احترام لشعوبنا أو لمنطقتنا ولذلك علينا بالنهج الصيني الناجح والفعال أن نعزّز من قوة أحزابنا ومؤسساتنا ومنظماتنا ونقاباتنا وأن نستفيد من تجارب الأصدقاء ونبدأ من حيث انتهوا، وأن نحيي الصين وشعبها والحزب الشيوعي الصيني ونبني أفضل العلاقات معهم ونستفيد من تجاربهم ونتعاون على خلق المصير الأفضل المشترك للبشرية جمعاء بعيداً عن سياسات العدوان والاحتلال والطغيان.

(سيرياهوم نيوز-الميادين14-6-2021)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بكين وصلت إلى دمشق.. ماذا بعد؟

أحمد الدرزي  حملت زيارة الصين إلى دمشق 3 أبعاد، فقد تم فيها دعوة دمشق إلى الدخول في مشروعها الكبير وبدأ العمل فيها على البنى التحتية ...