آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » السياسة الأميركية في لبنان بعد الانتخابات

السياسة الأميركية في لبنان بعد الانتخابات

| علي ابراهيم مطر

تجد الولايات المتحدة في محطات وأحداث سياسية كثيرة تحدث في العالم، منذ ما بعد غزو العراق، أن فكرة استخدام القوة العسكرية لن تجدي نفعاً في كسب الحرب مع الخصم وإرغامه. وتعتبر أن هذا الأمر لن يخدم التفوق الأميركي، أو أنه لن يسهم في تثبيت قوتها، معتبرةً أن ذلك لا يصب في مصلحة المحافظة على الأمن الدولي الذي تنطلق به من منظارها، بل إن ذلك بات يتّصف بصعوبة وكلفة وخطورة متزايدة.

وفق مؤسسة «راند»، ربما لا يكون هناك بديل عن القوة، ولكن المشرّعين الأميركيين يحتاجون إلى خيارات غير عسكرية أفضل ينتقون من بينها أدواتهم. وترى، في دراسة عن أدوات الإرغام، أن إجراءات مثل الديبلوماسية الحاذقة، والمساعدة الاقتصادية الفعالة، ونشر الأفكار والمُثل الأميركية، وغيرها من الأمور، قد تكون أنجع. وهذا ما اعتمدت عليه الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة في دول عدة منها لبنان، إلا أنها مع كل ذلك لم تستطع هزيمة حزب الله ومجتمعه. وهذا ما أقر به ديفيد شينكر وديفيد هيل. ولذلك، على الرغم من وصول جزء من حلفائها إلى قبة البرلمان، فإنها تريد أن تستمر في معاقبة لبنان وتأزيم الأوضاع الداخلية فيه.

لقد أظهرت نتائج الانتخابات أن حزب الله هو الأوّل شعبياً في لبنان بحصول مرشحيه على أعلى نسبة من الأصوات التفضيليّة، حيث حصل نوابه على نحو 348 ألف صوت تفضيلي، بزيادة 4000 صوت عن عدد الأصوات التي حصل عليها في 2018. طبعاً هذا لا يعجب الولايات المتحدة، وقد رأى ديفيد هيل أن ما «حَقّقَهُ الثنائيُ حزبُ الله – حركةُ أمل يُعطِيهُما تأثيراً حاسماً في الخياراتِ السياسيةِ المقبلةِ»، فضلاً عن إشارته إلى «الشلل الذي قد تشهده البلاد في المرحلة المقبلة». وقال: «إن أحد الأوهام هو أنّ تقليص حضور حزب الله البرلماني وتحالفاته يقلل من قوته. في الواقع، إن نفوذ حزب الله في الانتخابات والبرلمان هو مجرد نتيجة ثانوية». يضيف: «بشكل ملحوظ، استحوذت كتلة حزب الله – أمل على جميع المقاعد الشيعية البالغ عددها 27، مما أعطى هذا الفصيل تأثيراً حاسماً في الخيارات السياسية المقبلة».
وكما هيل، كان ديفيد شينكر، المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، قد قال إنه لا يعتقد أنّ الانتخابات ستغيّر الوضع بصورة كبيرة، «على الرغم من كل الاحتجاجات في عام 2019، والاستياء السائد في لبنان». وفق ذلك، توقّع هيل أن تكون الأمور أكثر تعقيداً، وهو بشّر بأن الأزمة سوف تتفاعل، وهي على ما تبدو ما ستكون عليه سياسة الإدارة الأميركية في لبنان خلال الأيام المقبلة عبر حلفائها؛ بدءاً من طريقة العمل داخل البرلمان وصولاً إلى تشكيل الحكومة وغيرها من الاستحقاقات. وفي إشارة منه إلى مساعي تدويل الأزمة اللبنانية، نتيجة تعقيدات هذه الأزمة وتفاعلاتها، قال هيل إنه في لحظات الخلاف الداخلي الحاد يتطلع العديد من اللبنانيين إلى الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية للتدخل.

ما قاله هيل يلخص استراتيجية العمل الأميركي في حصار الدول وإرغامها على تغيير مواقفها، ومن ضمن هذه الاستراتيجيات التي تم استخدامها في لبنان لإرباك الدولة اللبنانية وإدخالها في أتون الأزمات استغلت واشنطن عجز الدولة وتعثرها عن سداد القروض الدولية وارتفاع منسوب المديونية والتضخم والعجز التجاري. وهو ما تستخدمه واشنطن لصناعة الأزمة، التي هدفها الأساسي إسقاط الدول، أو كما تقر الاستراتيجية الأميركية: تغيير سلوكها. لكن، إذا فشلت الولايات المتحدة في تحقيق ذلك فإنها تذهب إلى خيارات أخرى أشد خطورة، وهي:
– التحريض والشيطنة ضد من تعتبرهم الولايات المتحدة متمردين على سياساتها وبكل الوسائل، إعلامية كانت أو سياسية أو أمنية أو استخباراتية.
– نشر الفوضى واستغلال هشاشة البيئات الداخلية لتمرير عناوين طائفية ومذهبية.
– ضرب الأمن والاستقرار من خلال الذهاب إلى خيار الاغتيالات، إمّا لإرباك الجبهة الداخلية وتوتير الأوضاع، وإمّا لاستهداف الخصوم المتمثّلين حالياً في المقاومة، وتفكيك روابطها، لإخضاع هذه الدول والسيطرة عليها بعد تدميرها داخلياً.
– الذهاب إلى خيار الحرب الأهلية من خلال زرع الفتن في بيئات هشة وغير متجانسة لإسقاط الدولة لاستنزاف قوى المقاومة ماديّاً وبشريّاً. فعند تفاقم الأزمات الداخلية، وعجز دول المنطقة عن مواجهتها، تصبح الساحة مفتوحة للأميركي للدخول على خط الانقلابات والفوضى والصراعات الأهلية. وهذا ما يشير إلى أن واشنطن يمكن أن تذهب أكثر إلى تعقيد المشهد عبر من أوصلتهم إلى البرلمان.

من ذلك نفهم أن لبنان يشكّل تحدّياً متعاظماً لخيارات واشنطن الاستراتيجية، خاصةً أن الانتخابات أظهرت أن حزب الله لا يزال قوياً ولم يتأثر. لذلك، فإن أميركا تريد أن تذهب إلى مزيد من التعقيد في لبنان خلال المرحلة المقبلة. هذا التعقيد سيكون من خلال أدوات الإرغام الأميركية، على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن بين أكثر خيارات القدرة على الإرغام أهمية وتوفراً للولايات المتحدة هو الحصار وتسليط العقوبات بمختلف آلياتها، من حظر وإجراءات تضييق على الدولة إلى دعم أتباعها وأدواتها لتعقيد المشهد.
ومع أن عوامل القوة والقدرة لدى الأميركي، والتي اكتسبها بفضل سياسات الهيمنة والسيطرة والتمدد والتدخل في شؤون الدول، مكّنت صناع السياسة الأميركية من استخدام أدوات إرغامية الهدف منها تثبيت ما تبقى من الهيمنة ومعاقبة المتمرّدين على هذه السياسة، لكن في المقلب الآخر نرى أن مواجهة هذه السياسات ناجحة. فهناك خط آخر في مراكز الأبحاث والإدارة الأميركية يرى أن أدوات الإرغام لا تزال عاجزة عن تحقيق الأهداف المطلوبة، بسبب صمود هذه القوى واعتمادها سياسة ردع فاعلة استطاعت أن تعطّل الاستهداف الأميركي في مراحل متعددة. وهذا ما حصل في لبنان، وأثبتته الانتخابات التي خرج منها حزب الله قوياً بأصوات شعبية تفوق ما حصل عليه عام 2018، شكّلت استفتاء كبيراً على التفاف بيئة حزب الله وشريحة كبيرة من الشعب اللبناني أكثر وأكثر حول المقاومة.

سيرياهوم نيوز3- الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيارة بايدن المرتقبة: خلفيات وغايات

| حسام عبد الكريم عاملان رئيسيان يقفان وراء الزيارة الأولى لجو بايدن إلى الشرق الأوسط بصفته رئيساً للولايات المتحدة: الأوّل، هو الصراع في أوكرانيا بين ...