الرئيسية » كتاب الأسبوع » الشَّاعران بدوي الجبل والمُتنبي مُقارنات ومختارات

الشَّاعران بدوي الجبل والمُتنبي مُقارنات ومختارات

بقلم :الدكتور ماهر حبيب
  تضمَّن الكتابُ  الصادر عن وزارة الاعلام 2002  للشاعر عيد اللطيف محرز مُقارناتٍ بين الشَّاعرين: المُتنبي، وبدوي الجبل في كُلٍّ من القرنين العاشر والعشرين الميلاديين مُنطلقاً منْ مَبدأ أنَّ الزَّمن الشَّعريَّ ((لا يُقاس بالأيام والأعوام بل بالخيال والأحلام)).
جعلَ (شاعرُنَا الكاتبُ) كتابَهُ المبنيَّ على التَّشابهِ المُلحوظ بين مَراحلِ حياةِ كُلٍّ من الشَّاعريَن في قسمين:
ضمَّ القسمُ الأولُ خمسةَ فصولٍ خَتم كلَّ فصلٍ منها بِمُقارنةٍ بين الشَّاعرين؛ جاعلاً سِنَّ العشرين لكليهما نِهايةً للفصل الأول حينما دخل المُتنبي سجنَ الإخشيديين، والبدوي سجنَ الفرنسيين، وتابع الفصلُ الثَّاني حياتَهما بعد السِّجن مُدَّةَ أربعةَ عشرَ عاماً راصدا تنقلهما في أنحاء البلاد حتى وصل المُتنبي إلى سيف الدَّولة الحمداني، ووصل البَدويُّ إلى أحضان الكتلة الوطنيَّة، فانتهى الفصل الثاني وعمر كُلٍ منهما أربعةٌ وثلاثون عاماً. وغطَّى الفصلُ الثالثُ تسعةَ أعوامٍ من عمر الشَّاعرين وهي مُدَّة إقامة المُتنبي في بلاط سيف الدولة، والبدوي في نضال الوطن حتى الجلاء، وانتهى الفصلُ الثَّالثُ وعمر كلٍّ منهما ثلاثةٌ وأربعون عاماً، وكانت الأعوامُ الثَّمانية التَّالية موضوعَ الفصل الرَّابع حيثُ سافر المتنبي إلى مصر، ثم هرب إلى الكوفة، فشيراز، ثُمَّ مقتله في طريق عودته إلى بغداد وهو في سنِّ الواحد والخمسين، وكذلك الأمر مع البدوي الذي عانى من تقلَّباتٍ سياسيةٍ منذ دخوله المؤسسة البرلمانيَّة وحتى تعيينه وزيراً في أول تشكيلة وزارية بعد الانقلابات العسكريَّة، لينفردَ البدويُّ وحده بالفصل الخامس الذي يتحدث عن تعثُّره في وطنه، ثم عن مُدَّةِ نفييه حتى عودته إلى عُشِّه ومأواه، فوفاته.
 وضمَّ القسمُ الثاني خمسة فصول، وتناول موقف الشَّاعرين من الهمِّ الإنسانيِّ، والشٍّعرِ، والدين، والمرأة، وحكمة الحياة، لينفردَ الفصلُ الخامس بالأبعاد الصُّوفيَّة في شعر البدوي.
إضافات على ديوان البدويّ:
شَكَّكَ كاتبنا ببعض قصائد البدويّ التي تعودُ إلى المرحلة الثانية من حياته، إذْ من الصُّعوبة بِمَكان أَنْ يتعرفَ الباحثُ شعره في هذه المرحلة، وكانَ السِّيد هاشم عثمان نسبها إلى البدويِّ ونشرها في كتابه (بدوي الجبل آثار وقصائد مجهولة) إلاَّ أنَّ كاتبنا لم يثبتها فَنسبتها إلى البدويِّ لم تتجاوز عنده درجة الاحتمال. بينما أثبت قصيدةً للبدوي وجدها في مخطوطةٍ بخط والده الذي كان معجبا بشعر البدوي وهي بعنوان: (تحية العلم) فقد اتسمت بتوجُّهٍ عربيٍّ واضحٍ رغم أنَّها قيلت في علم دويلة انفصالية من الدويلات التي اصطنعها الاستعمار الفرنسي على قاعدة فرِّق تسد، ومما جاء فيها:
عَلَمِي إليكَ شكيةٌ من شَاعرٍ
كلِّ الشُّعوب تآلفت أجزاؤها
سَعُدَت شعوبُ الأرضِ في يقظاتها
  حُرٍّ، وكم من شاعرٍ يتملَّقُ
وبنوكَ وَحْدَهُمُ دُعُوا فتفرَّقوا
أمَّا بنوك الراقدون فقد شَقَوا
كما أضاف كاتبُنا بعضَ المعلومات عن قصائد جاءت في الديوان، من مثل قصيدة: (العذراء الخائنة) وردت في الديوان (ص 366) بلا تاريخ ودون أي توضيح بينما حدَّثه شاعر صديق معاصر للبدويِّ أنَّ تلك الفتاة الرائعة الجمال كانت حُبَّه الأول، وقال فيها أيضا قصيدة: الدُّميَة المُحطَّمَة (الديوان ص359).
أخبار ولقاءات:
 وتضمَّن الكتابُ أخباراً كثيرةً عن حياة الشاعرين، فأثبتَ حُبَّ المُتنبي لخولة أخت سيف الدولة من خلال ثلاثة عشر دليلاً فاق كاتبنا سواه فيها تحليلا وإثباتاً تاريخياً ولكن أخبار البدوي كانت أكثر وبخاصة في الفصل الخامس من القسم الأول الذي خُصص له؛ ومن تلك الأخبار: خلافة مع المطربة أم كُلثوم؛ إذ عندما جاءت في الخمسينات إلى دمشق دعته إلى حفلتها ولم يكن يُحبُّ الحفلات الفنية الصَّاخبة، وزارته في اليوم التالي برفقة السفير المصري في سورية وطلبت منه السماحَ بغناء قصيدته (شقراء) التي نظمها بفتاه سوسرية ولكنها طلبت استبدال كلمة (شقراء) بكلمة (سمراء) فرفض! لأنَّ مُلهمة القصيدة شقراء سوسرية وليست سمراء، وتكررت زيارة أم كلثوم له أكثر من مرة بغية نيل مُرادها ولكنه رفض فخرجت من بيته غاضبةً، ومن القصيدة: (الديوان 373)
هَدْهِدْ هُمومَكَ عِنْدِي
حُوْرُ النَّعِيمِ تَمنَّتْ
هَلْ عِنْدَهُنَّ رَحِيقِي
شَقْرَاءُ يَا لَوْنَ حُسْنٍ
  على حَيَائِي وصَدِّي
نُعْمَى هَوايَ ووَجْدِي
وَهَلْ لَدَيْهِنَّ شَهْدِي
مُحبَّبٍ مُسْتَبِدِّ
 فيا ليت لقاء البدويِّ بأم كلثوم تأخَّر زمناً قليلاً؛ إذْ تشاء الصدف أن يُعْجَبَ بسمراء لُبنانيَّة نظم فيها قصيدةً من عيون شعره، فَلربَّما كنا سمعناها غناءً من أم كلثوم، فمما قاله فيها:
فديتُ سمراءَ في لُبنان لو رضيت
قدسيةٌ: الحُسنُ يستجدي براءتها
يُوزّعُ الليلُ من أحلامِ غفوتها
  هوت لِسُمرتها الأقمارُ سُمَّارا
عَاري الذنوب فيُكسَى الطهرَ والغارَ
عطراً ويُبدعُ أطيافاً وأسرارا
مُقارنات:
   بنى الكاتبُ القسمَ الثَّاني من كتابه على المُقارنةِ بينَ الشَّاعرين، كما أشرنا سَابقا إلى أنَّه ختم كلَّ فصلٍ من فصول القسم الأولِ من كتابهِ بِمُقارنةٍ بين الشَّاعرين، أثبت فيها نقاطَ التَّشابه والتفارق بينهما في كل مرحلة من مراحل حياتهما، من ذلك مثلا إشارة كاتبنا إلى التَّشابِهِ الكبير بين قصيدة (تحية العلم) السابقة الذكر للبدوي وشعر المَتنبي، إلاَّ أنَّ كاتبا لم يكتفِ بإشارات مُقارنةً بين الشَّاعرين بل عقد مُقارناتٍ جاءت نتيجة دراسةٍ نقديَّةٍ واعيةٍ فاحصةٍ، تَنمُّ عن حسٍّ نقدي وجمالي صادرٍ عن شاعرٍ قبل أن يكون ناقداً …  ولكن يضيق المُقام عن تفصيل الحديث بها، وقد اتسعت صفحاتُ مقالنا هنا، وحسبيّ الإشارةُ إلى مثالٍ واحدٍ هو الهمومُ والأحلام عندهما، فَرصدَ الكاتبُ من خلال سيرورةِ كتابه أنَّ حياة المُتنبي لم تكن سوى قصيدةِ أحزان الإنسانيَّة، فاجتازَ صحراء الحياة على صهوة جواده يحدوه حلمٌ بعيد، إذ طالما سعى لتغيير العالم كي يُصبحَ أكثر عدالةً وإضاءةً، وسعى أيضاً إلى استنهاض العرب كي يتخلصوا ممن يتحكَّم يمصائرهم، ولم تخلُ المُدة التي أمضاها برفقة سيف الدولة في حلب من تلك الهموم والأوجاع، ومضى الكاتب يستشهد بشواهد على ما ساق من شعر المتنبي، ثم انتقل ليرصد ذلك في شعر البدوي فوجد الحزنَ مُلازماً شعره منذ بواكيره الشعرية عام 1922 وعمره لم يبلغ العشرين بعد، ثم تابع مسيرة الحزن في  شعره خلال مَراحل حياته ليخلص إلى نتيجةٍ مَفادها أنَّ لبدويِّ الجيلِ أسلوباً مختلفاً عن أسلوب المتنبي في التعامل مع الآلام والأحزان، حيثُ تنعكسُ عبقرية الفنِّ في التصوير، وصوفيةُ التعبير، فالأحزانُ عند البدويِّ زائرةٌ مُكرَّمةَ، وحبيبةٌ مُحتضَنة، وعبير في حديقة قلبه، وغديرٌ في صحراء يأسه، وخمرةٌ في عنقود كرمه. بينما كان الحزنُ عند المتنبي يحتضنُ الأرضَ عرقاً ودماً وتُراباً، يجمعُ بين حرارةِ الميدانِ، وشجاعة الطموح والعنفوان، ومرارة الخيبة والحرمان، وفقدان الثقة بالناس والزمان.
 فكما أنَّ الزَّمن الشَّعريَّ ((لا يُقاس بالأيام والأعوام بل بالخيال والأحلام)) وكذلك الكتب التي تناولت الشعر لا تُقاسُ بالأيام …
  الدكتور ماهر حَبيب
(سيرياهوم نيوز-اللجنة الفرعيّة للتمكين للّغة العربيّة في طرطوس25-10-2020)
x

‎قد يُعجبك أيضاً

رواية الكراكي لحسن حميد

المتن الحكائي في «الكراكي» (منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب) للقاص والروائي الفلسطيني المقيم في دمشق حسن حميد، يتألف من حكايات عدة هي: حكاية الأب طنوس، ...