الرئيسية » كتاب وآراء » العلاقة السورية الروسية.. وقفة تأمل مختلفة

العلاقة السورية الروسية.. وقفة تأمل مختلفة

د. عبد الحميد فجر سلوم

1ــ

التصريح الأول: جاء بعد يومٍ من العدوان الإسرائيلي على هدفٍ بِقُربِ العاصمة دمشق، فَجْر 17/11/2021، حيث خرجَ من قلبِ دمشق مبعوث الرئيس الروسي إلى سورية يوم18/11/2021 ، وكان في زيارةٍ رسميةٍ، ليقول: (فيما يتعلقُّ بالسؤال الذي يخصُّ القصف غير الشرعي من طرف إسرائيل لأراضي سورية، فنحن نرفض بشكلٍ قاطعٍ هذه الأعمال اللَّإنسانية، وندعو للتواصل مع الطرف الإسرائيلي على جميع المستويات حول ضرورة احترام سيادة سورية ووحدة أراضيها ووقفِ عمليات القصف هذه.. وتابعَ : في هذا السياق سيكون الرد باستخدام القوة غير بنّاء لأنهُ لا أحدا يحتاجُ إلى حربٍ في أراضي سورية.. ولا يجبُ تحويل سورية إلى ساحةٍ لتسوية الحسابات بين خصومٍ بينهم إقليميون.. )..

المُلاحَظ:

أوّلا، استخدام المسؤول الروسي لِعبارة ” الأعمال اللّإنسانية” وليس ” الأعمال العُدوانية” في وصفهِ لِما تقوم به إسرائيل من اعتداءات موصوفة فوق الأراضي السورية..

وثانيا، قوله أنهُ لا يجبُ تحويل سوريا إلى ساحة لتسوية الحسابات بين خصوم بينهم إقليميون.. وكأن المسؤول الروسي يجهل عشرِ سنوات من الحرب كانت كلها تصفية حسابات إقليمية، وحتى ما وراء إقليمية.. وتدخلت بها الإنسُ والجِن لتصفية الحسابات بين بعضها بعضا..

وثالثا، قولهُ: سيكون الرد باستخدام القوة غير بنّاء.. عجيب هذا المنطق.. كأنه يقول مهما قصفتكم إسرائيل واعتدت عليكم ومهما دمّرت، ومهما كبّدتكم من الخسائر المادية والبشرية، وأهانتكم أمام شعوبكم وأمام العالم، فإياكم أن تُسقِطوا طائرة إسرائيلية، أو تُطلِقوا صاروخا باتجاه الجولان المُحتَل أو فلسطين المُحتلّة، فهذا يكون رد قوي وغير بنّاء.. اكتفوا بالدفاعات الجوية، التي لا تنطلق إلا بعد أن تكون الصواريخ الإسرائيلية قد نفذت عدوانها بغضون دقائق معدودة جدا.. ولولا قليلا لقال، إسرائيل هذه حبيبتنا وقرّة عيوننا ولا نقبل أن تُلحِقوا بها أيُّ ضررٍ..

أستغربُ المنطق الروسي في قراءة الأحداث السياسية في كل مكان.. فهي تنطلق دوما من المُجاكرَة لأمريكا، أين تقفُ أمريكا فيجب أن يقفوا بالعكس..إلا إنْ تعلّق الأمرُ بإسرائيل فيُصبِحون إسرائيليين أكثر من أمريكا..

ورابعا، دعوته للتواصُل مع الطرف الإسرائيلي على جميع المستويات، وليس معروفٌ من هم المقصودون بهذه العبارة.. فحسب التصريحات أن هناك تنسيقا كاملا بين إسرائيل وقاعدة حميميم في سورية.. وتفاهُم وتواصُل دائم بين القيادة الروسية والإسرائيلية، ومودّة كبيرة.. وهذا ما تجلّى في عهد نتنياهو، وخلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ” نفتالي بينيت” إلى سوتشي يوم الجمعة 22 تشرين أول/أكتوبر 2021 ولقائهِ الرئيس بوتين.. حيث أشارت كافة الأنباء أنهُ تمّ الاتفاق على استمرار الضربات الإسرائيلية لأهداف إيرانية، ولِحزبِ الله في سورية..

 كما سرّبَ وزير الإسكان الإسرائيلي “زئيف إلكين” الذي كان عضوا في الوفد، أن بوتين اجتمع خمس ساعات مع بينيت، بينما كان زمن الاجتماع مُحدّدا بساعتين فقط، وأنه تمّت إقامة علاقات شخصية بين بوتين وبينيت، وظهرت بينهما “كيمياء” مُهمّة جدا، واللقاء كان دافئا، ودعا الرئيس بوتين بعدها ضيفهُ الإسرائيلي إلى مقر إقامتهِ في سوتشي( يعني البيت الذي ينامُ فيه)  كتعبيرٍ عن المودة، وهذا لا يحصل مع زعماء أجانب آخرين..

وقال بوتين خلال المباحثات أن البلدين لديهما علاقات “فريدة” ، مُعرباً عن أمله بـ  “استمرارية علاقة الثقة” التي بناها مع الحكومة الإسرائيلية السابقة (حكومة نتنياهو)، في حين أكّد بينيت لبوتين أن إسرائيل تراه “صديقًا حقيقيًا للشعب اليهودي”…

2ــ

إسرائيل تدّعي أنها لا تستهدف الحُكم في دمشق، وهذا ما نقلتهُ صحيفة “ها آرتس” الإسرائيلية بعد زيارة نتنياهو لموسكو يوم الخميس 5 تموز 2018 .. حيث قالت عن لسان نتنياهو قُبيلَ مغادرته موسكو، أنهُ (ليست لدينا مشكلة مع “نظام الأسد” ــ حسب وصفهِ ــ  فعلى مدى أربعين عاما لم يتمُّ إطلاق رصاصة واحدة من مرتفعات الجولان.. وأنّ إسرائيل لا تعارض إعادة الأسد سيطرته على سوريا واستقرار قوة نظامه، ولكنها ستتحرك عند الضرورة، وكما فعلت في الماضي لحماية حدودها، وإن سياسته الثابتة ــ أي نتنياهو ــ هي عدم التدخل فيما يحدث في سوريا، لكن ما يزعج إسرائيل هو تنظيم الدولة الإسلامية وحزب الله اللبناني والوجود الإيراني)..

3ــ

تناسى نتنياهو وأسلافهِ وأخلافهِ، أن دمشق هي من لها مُشكلة مع تل أبيب، وأن إسرائيل هي من تحتل أرض الجولان السورية، وهي من تحتل أرض فلسطين ومقدسات المسلمين، وتطرد الشعب الفلسطيني من أرض الآباء والأجداد ولا تعترفُ لهُ بأدنى حقوقه في العودة وتأسيس دولة مستقلة فوق ترابهِ..

كما تناسى أن سورية عضوا في مِحورٍ اسمهُ ” محور المقاومة” من طهران إلى دمشق إلى بيروت، وبالتالي فالطبيعي أن أي عدوان على طرفٍ منهُ هو عدوانٌ على الجميع.. ولذا فاستهداف أي هدف إيراني أو لِحزبِ الله في سورية لا يمكن وصفهُ إلا وكأنه استهدافا لأهدافٍ سوريةٍ، إذا ما أخذنا بنظرية ” محور المقاومة” والترابُط بين أطرافهِ.. ولكن على ما يبدو فإن روسيا تُميِّزُ في هذه الاستثنائية ولا تعترف على ترابُط هذا المحور..

4ــ

التصريح الثاني الذي وددتُ الإشارة إليه، هو للسيدة المُستشارة، زميلة الدراسة الجامعية والنشاط الطُلّابي، وجاء في وقتٍ مُتزامِنٍ مع تصريح المبعوث الروسي، حيث قالت لوكالة “تنسيم” الإيرانية يوم 20 تشرين ثاني/أكتوبر 2021 : أن سورية ستستعيد ” كل التراب السوري كاملا إلى كنف الدولة السورية مهما كلف الأمر من ثمن أو وقت.”. ..

حُلم كل سوري أن نستعيد كل حبة تراب سورية من اسكندرون إلى الجولان إلى شرق الفرات وغرب الفُرات وإدلب، ونطرد المُحتل الإسرائيلي والأمريكي والتركي.. ولكن هؤلاء أقوياء، ويجب أن نُعِدَّ العدة بقوةٍ لمواجهتهم، فالإعداد الجيد  للمعركة هو الأساس في الانتصار بها.. كما أن الإعداد الجيد للامتحان هو الأساس للنجاح..

وهُنا نحتاج لإستراتيجية شاملة وكامِلة.. وتوفير كل عوامل القوة: المؤسساتية والموارد الطبيعية والقدرات الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية والمالية، والقوة العسكرية والتماسك الشعبي والمعنويات العالية.. وغيرها..

وانطلاقا من الدعوة للحوار الذي دعا إليهِ سابقا كبار مسؤولي الحزب والدولة، فسوف أُعبِّر عن رأيي المُتواضع بهذا الخصوص من خلال هذه الصحيفة الصديقة والشهيرة، لأن الحوار المُباشَر مع المسؤولين، معدومٌ، فهُم في وادٍ والناس في وادٍ آخرٍ، ولا يتواضعون حتى للقاء أصدقائهم ولو لبضعِ دقائق ليسمعوا منهم حول مسألةٍ ما.. ينسون حالا كل زمن المعرفة والصداقة ويُصابون بمرض النرجسية والتعالي والغرور واستصغار الناس.. وبعضا من جنون العظَمة.. عقولهم لا تحتملهم.. وهذه أكبر مصائبنا وعِللنا وأمراضنا.. ولا حلّا لذلك إلا باختيار الشعب للجميع بشكلٍّ حُر، وحينها فقط يلتفتون للشعب ويتواضعون أمامه..

ولذك، أعتقدُ أن استراتيجية مواجهة الأعداء واستعادة التُراب السوري، تستوجبُ أولا:

تهيئة البيئة الداخلية كاملا.. وهذا يعني:

ــ الانتصار أوّلا على الفقر والفاقة والجوع والحرمان، وما ينجمُ عن ذلك من مشاعر المذلّة والمهَانة والناس يَجرُون طِوال الوقت خلفَ رغيف الخبز وليتر المازوت والبنزين وجرّة الغاز، وينتظرون طويلا لأجل ساعة إضاءة كهربائية..

ــ تحسين مستوى المعيشة، ومستوى الرواتب والأجور، بحيثُ يكتفي المواطن لمدة شهرٍ بارتياح ويشعرُ بكرامتهِ الإنسانية، ولا ينتهي الراتب خلال أقل من أسبوع مع أدنى مستويات المعيشة..

ــ تقليص هذه الفوارق الطبقية المُرعِبة، بين الثراء الفاحش والفقر المُدقِع..عن طريق فرض ضرائب تصاعُدية على الأثرياء تصل إلى 50 و 60 بالمائة من دخولهم، وتُحسَّنُ بها أحوال الفقراء..

ــ دعمُ القطاع الزراعي والمُزارعين وتوفير كل متطلبات الزراعة بأسعارٍ مقبولة، حتى يتشجّع المُزارع على العمل والإنتاج ولا يهجُر الأرض.. ويتوفر جانب الأمن الغذائي.. ونُحقق شعار: نأكلُ مما نزرع ونلبس مما نصنع.. ولا نترجى من الآخرين القمح والطحين..

ــ النهوض بالاقتصاد وبِما يكفل تحسين وضع الليرة السورية، وهبوط الأسعار لتتناسب مع مستويات الدخل..

ــ استثمار ثروات بلدنا بأيدينا بدل من إعطائها للأجانب..

ــ القضاء على كل أشكال الفساد والمحسوبيات والمُحاباة، بحيث يشعر كل مواطِن أنه متساوٍ مع غيره بحقوق المُواطَنة وتكافؤ الفرص، وليست دولة أسياد ومسُودِين، البعض للمناصب والمكاسب وغيرهم للتضحية والموت .. والبحثُ عن الإنسان المُناسِب للمكان المُناسِب..

ــ استقلالية القضاء، وتحقيق العدالَة، بحيث يُعطَى كل ذي حقِّ حقه، ويُعاقَب المُرتِكب أيٍّ يكُن، وفي أيِّ موقعٍ كان.. وهذا يُعزِّز الثقة لدى المواطن بحكومتهِ ومسؤولي بلاده، ويرفع من منسوب الشعور الوطني لديه..

ــ أن يكون كافة مسؤولي الدولة، وأولادهم، قدوة للشعب في التقشُّف والحِرمان، مِن كل ما هو المواطن محرومٌ منه، لاسيما على صعيد الغذاء، ووسائل الطاقة.. وأن يعيشوا كما عموم الشعب على هذا الحال مهما كلف الأمر من ثمن أو وقت، وطالما هناك شبر سوري مُحتَل.. فالحِرمان ليس فرضُ عينٍ على الفقراء فقط..

ــ العمل على خلق لُحمَة وطنية بين السوريين في الداخل والخارج.. وهذا يتطلّبُ إيجاد حلٍّ للأزمة السورية..

ــ توفير كافة عوامل القوة العسكرية من أسلحة، وسواها، بالاعتماد على الذات، لأن الاعتماد على الآخرين بهذا الموضوع يُبقي القرار العسكري في أيِّ حربٍ أو معركةٍ رهنا لقرار الآخرين..

ــ إعادة تأهيل البنية التحتية وتطويرها، من شبكات طُرق وجسور ومواصلات وشبكات مياه وكهرباء وصرف صحي وجامعات ومدارس ومعاهد ومستشفيات ومستوصفات.. الخ..

ــ إيجاد حلٍّ لقضايا اللّاجئين والنازحين والأطفال خارج المدارس.. لتقوية الجبهة الداخلية، التي تُعتَبرُ سندا في أية حربٍ أو معركةٍ..

فبِحسبِ أحدث بيانات الأمم المتحدة، هناك 7,6 مليون لاجئ سوري، مع 6,6  نازح داخليا، و 13 مليون بحاجة للمساعدات الإنسانية، بِما في ذلك 6 ملايين بحالة عوَز شديد، و 12,4 مليون يكابدون انعدام الأمن الغذائي ( يعني لا يستطيعون توفير الطعام والشراب) وأكثر من 80 % من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.. مع 2,5 مليون طفل خارج نظام التعليم، بالإضافة إلى 1,6 مليون طفل مُعرّضين لمخاطر التسرُّب من المنظومة التعليمية..

ــ سأكتفي فقط بذلك، واسأل: أليسَ تحقيق كل ما وردَ أعلاهُ من عوامل أساسية، ضروريٌ أوّلا لخوض الحروب من أجل استعادة كل التراب السوري كاملا إلى كنف الدولة السورية؟. فهل التصريحات لوحدها تكفي دون إستراتيجية وخطة عمل واضحة؟.

ما هي الإستراتيجية لكل ذلك؟. هل يُمكِن استعادة كل التراب السوري، بل ربع التراب السوري، ونحنُ نحتاجُ لكلِّ ما ورد أعلاه من عوامل وعناصر قوّة؟.

أم نتوقّع أن يُضحِّي الآخرون لِيُعيدوا لنا أراضينا السورية؟.

الآخرون غير معنيون بمعاناتنا واحتلال أراضينا، هُم معنيون بمصالحهم فقط فوق أراضينا والحِفاظ على مكاسبهم، ومعنيون بالحِفاظ على علاقاتهم ومصالحهم بين بعض، روسيا مع أمريكا، وروسيا مع  إسرائيل وروسيا مع تركيا، وإيران مع تركيا.. آخر همّهم أن نستعيد التراب السوري..

ما حكّ جِلدُك مِثلُ ظِفرِك..

يُمكن أن نستغني عن كل ذلك باللجوء إلى حرب العصابات( الغوريلا) وهي حربٌ مُجرّبة في جنوب لبنان، وناجحة.. فهل لدينا الاستعداد لذلك؟..

فشّات الخِلق لا تُحرِّر أرضا مُحتلّة..

سيرياهوم نيوز 6 – رأي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معركة الانتخابات اللبنانية: المراجعة المطلوبة من المقاومة والحلفاء

ابراهيم الأمين الخميس 25 تشرين الثاني 2021 ليس في جعبة خصوم المقاومة في لبنان غير شعار واحد: السلاح هو مصدر مشكلات لبنان. والشعار، هنا، لا يُرفع بقصد ...