الرئيسية » كتاب وآراء » الهادئ الهادر

الهادئ الهادر

شهناز فاكوش 19 تشرين2/نوفمبر 2020

 

 

رفعت الأقلام وجفت الصحف.. وقع الأجل المحتوم.. لأن لكل أجل كتاب.. وليس من راد لقضاء الله. هادئ كجدول رقراق، ينساب ليمنح الأمل لكل من حوله. هادر كبحر ارتفعت أمواجه لتغطي من يظن أنه أمهر السباحين ذاك هو الوليد المعلم..

كم أثار هدوء ورزانة وزير الخارجية السورية المخضرم خصومه، حتى لسأله أحد الصحفيين في أحد اللقاءات إلى متى ستبقى السياسة الخارجية السورية هادئة فأجاب بابتسامته المعهودة، مادام وزير الخارجية السورية وليد المعلم..

كان هادراً كموج صاخب، حين توجه بحديثه إلى جون كيري، وزير الخارجية الأميركي بعين ثاقبة، وصوت أشبه بالرعد الذي صمَّ آذان كيري ومن حضر.. قائلاً فليعلم الجميع أن لا أحد في العالم.. لا أحد في العالم.. يا سيد كيري لا أحد في العالم له الحق بإضفاء الشرعية أو عزلها أو منحها، لرئيس أو حكومة أو دستور أو قانون أو أي شيء في سورية إلا السوريون أنفسهم.. عندها وجم الجميع، هل لأحد أن يحدث كيري بهذا الشكل.. أجل يا كل بقاع الأرض ومن عليها، إنه وليد المعلم ابن سورية.

بكل الشموخ السوري عندما سئل عن ماذا ستفعل سورية قال القافلة السورية ستسير مهما عوت الكلاب.. من إلاك يا وليد جسورٌ رَدُهُ في فمه مدروسُ، حاضر بهدوئه المعهود، لكنه وخزُ الطعانِ في قلوب عدوِّها، سوريةُ التي وكَّلَتْهُ أمرَها.. فأخلص لها.

خلف الهدوء كان يُضمر صبراً.. وخلف الوعي التزام وخلف سرعة البديهة قراءة للحدث وما يرمي إليه السائل.. فلا يُسْتَفَزْ.. لكنه يرمي كبد الحقيقة التي يريد بسهمه، فلما سُئِل عن أوروبا قال سأوصي قيادتي أن تقطع العلاقات مع أوروبا.. أما أنا لا أراها.

جريئاً يجاهر بلا تحفظ لكن بحنكة السياسي وحرفية الدبلوماسي المخضرم، فلما سئل عن بومبيو قال (مين بومبيو؟ أنا ما بعرفه) كان يستحضر حينها توصية الخالد حافظ الأسد لمفاوضي مدريد والمعلم منهم.. إياكم أن تظهروا بمظهر المهزومين.. لله دره.

تأثر الأصدقاء لفقده لأنه صديق مخلص وشريك موثوق. تأسف خصومه لفقده لأنه خصم شريف، يرد الصاع صاعين، لكن بلائق الكلم، وأنيق المفردات، فلا يستخدم النابي من الكلام، يجرح دون دم.. يستحضر سيادة وطنه في شارات أصابعه أمام عدوه، فيشفي غليل وطنه في أصعب الظروف عند اللقاءات.

رجل في زمن عزَّ فيه الرجال.. سياسي بحق.. لماح.. يدهش عدوه وسائله بردوده التي يضع فيها حدوداً لافتة، تظهر حنكته حين أجاب سائليه قائلاً (أنا من ينفذ السياسة السورية ولست صانعها). قال عنه الكثيرون إنه أسد الدبلوماسية لأن صلابة زئيره الهادئ كانت ترعب خصومه في جنيف والأمم المتحدة حيثما التقى بهم.

رجل من مدرسة القائد المؤسس حافظ الأسد، سياسي بارع، وطنيّ وفيّ لوطنه.. معلم في إرساء الثوابت الوطنية والتضحية.. لم يخضع للتهديدات ولا الإغراءات مثال للرجولة القيادية، والمنهجية السياسية، حامل مخلص للهوية السورية..

كما سنديان الوطن رحل واقفاً، قبل يوم كان في إيبلا في مؤتمر عودة اللاجئين السوريين، مشبع بالحكمة كما الشام والرصانة كما قاسيون دمشقي أصيل يبقى عبق تاريخه مثل عبق الياسمين.. ذكراه تبقى في التاريخ كنقش جدران الأموي والمريمية.. سلام الله على الهادئ الهادر.. الوليد في النشيد.. المعلم في السياسة.. العم أبو طارق..

(سيرياهوم نيوز-الثورة)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا لم يتعلم العرب من تاريخهم؟

بقلم : بنت الأرض اعتاد العرب أن يقولوا «إن التاريخ يعيد نفسه» وأن يقبلوا من دون اعتراض أو سؤال أن أحداثاً جرت في قرون ماضية ...