الرئيسية » حول العالم » الهند ما بعد الانتخابات: هالة «النبي الكاذب» تنحلّ

الهند ما بعد الانتخابات: هالة «النبي الكاذب» تنحلّ

خضر خروبي

حَملت الانتخابات التشريعية العامة في الهند، والتي بدأت في الـ19 من نيسان وامتدّت على ستة أسابيع، مفاجآت بالجملة، سواء على مستوى تضعضع حُكم «الديكتاتور الراهب»، ناريندرا مودي، المتربّع على عرش «أكبر ديموقراطية في العالم»، بعد عقد اتّسم باحتفاظ حزبه «بهاراتيا جانتا» بغالبية برلمانية مطلقة؛ أو على مستوى النجاح غير المتوقَّع الذي سجّله «التحالف الوطني التنموي الهندي الشامل» المعارض (I. N. D. I. A)، والذي يضمّ قيادات بارزة، في مقدّمتهم راهول غاندي، سليل إحدى أعرق العائلات السياسية في البلاد. وحصل التحالف على 232 مقعداً من أصل إجمالي مقاعد البرلمان الاتحادي الـ543، من ضمنها 99 مقعداً لـ«حزب المؤتمر»، مقارنة بـ47 مقعداً كان حصل عليها في انتخابات عام 2019.

مودي ليس «معبود الجماهير»

من جملة العلامات الفارقة في نتائج «برلمانيات الهند»، هو «التواضع» الذي عكسه سلوك مودي، أثناء مراسم تأديته اليمين الدستورية لولاية ثالثة؛ إذ عمد، وخلافاً لما جرت عليه العادة في «الطقوس الملكية» التي أحاط بها شخصه في المناسبات العامة، إلى الوقوف احتراماً لدى إلقاء قادة أحزاب «التحالف الوطني الديموقراطي» الحليفة له، كلماتهم، رغبةً منه في استمالتهم لتشكيل حكومة ائتلافية، رغم تعارضهم حيال بعض التوجّهات، وخصوصاً أن خلفية بعضهم علمانية. كما أن من بين المفارقات، تراجُع حصة «بهاراتيا جانتا» من مقاعد المؤسسة التشريعية الاتحادية، من 303 إلى قرابة 240 مقعداً، مع خسارته مقاعد في عدد من الولايات كبونسوارا، وخيري، في حين جاءت الصفعة الكبرى لمودي في أوتار براديش، كبرى ولايات الهند، بمقاعدها النيابية الـ80، والتي ينحدر منها «الزعيم الكاريزماتي»، حيث تقلّصت الكتلة التصويتية الداعمة للرجل من قرابة نصف مليون صوت حصل عليها عام 2019، إلى نحو 150 ألفاً، في أسوأ أداء لحزبه منذ عام 2009.

وعبر الاطلاع على آراء عيّنة من الشارع الهندي، يرى جاي براكاش، وهو بائع شاي في مدينة فاراناسي، مسقط رأس مودي، أن «بعض أعمال رئيس الوزراء، وخاصة في ما يتعلّق بتحسين الطرق، كانت تحظى بشعبية»، وأن خسارته نابعة من «تحوّله إلى الاهتمام بقضايا (سياسية وأيديولوجية) منفصلة عن الهموم الحياتية اليومية للمواطنين»، مشيراً أيضاً إلى جملة اعتبارات لعبت في غير مصلحة مودي، من بينها ارتفاع الأسعار، وارتفاع معدلات البطالة، قائلاً إن «الناس لا يستطيعون أن يعبدوا مودي إلى الأبد، لأنه قام ببعض الأعمال الجيّدة!». ومن جهته، يقول المحلّل السياسي الهندي، آنجالي مودي، إن «تحالف المعارضة الوليد (I.N.D.I.A)، أَثبت أن مودي ليس شخصية لا تقهر، وذلك عبر تبنّي خطاب سياسي ركّز على الاحتياجات الأساسية والاقتصادية للمواطن، والتي أخفق رئيس الوزراء في تحقيق حتى الحدّ الأدنى منها». ويلفت إلى أن حكومة مودي الجديدة «والتي تعتمد في بقائها على شركاء الائتلاف الذين لا يتبنّون مشروعه الأيديولوجي الهندوسي، ستتمتّع بهامش أقلّ من الحرية، سواء في العمل على تقويض الديموقراطية، أو إرهاب المسلمين ومنتقدي الحكومة».

 

نهج جديد للمعارضة

سجَّل نهج المعارضة تغييرات ملحوظة، ولا سيما لجهة انفتاح أطرافها على تقديم تنازلات سياسية بعضها لبعض، من مثل اتّفاق أحزابها على خريطة توزيع مرشّحيها في مختلف الولايات، بغية تركيز جهدها على مجابهة إيغال الحزب الحاكم في ما تراه «انقلاباً على القيم السياسية والحقوقية التأسيسية» للبلاد، و«دستورها التعدّدي». فزعيم «بهاراتيا جانتا»، الذي تحوّل، بفعل أصوله الاجتماعية المتواضعة، وخلفيته الاقتصادية، فضلاً عن وعوده بمكافحة الفساد، وتنمية البلاد عبر نقلها من طور «الدولة النامية» إلى«دولة متطوّرة»، إلى قائد ملهم لقاعدة واسعة من جمهوره، كان يمنّي النفس بزيادة «غلّته» البرلمانية في الانتخابات الأخيرة، ورفْعها إلى ما لا يقلّ عن 400 مقعد. وفي المقابل، ركّزت المعارضة على إخفاق الحزب الحاكم في تحقيق وعوده الانتخابية، وخاطبت هواجس «الأقليات» داخل الهند، وخصوصاً المسلمين وطوائف أخرى من البوذيين وغيرهم، بالتنبيه إلى مخطّط ينوي عبره الحزب المذكور، في حال تمكّنه من تحقيق غالبية مطلقة مريحة، تعديل الدستور وقوانين الأحوال الشخصية، عبر إلغاء جانب كبير من نصوصها التي ترعى حقوق تلك الأقليات في السلطة والثروة، إضافة إلى اتهامه مودي بمحاباة الطبقات الميسورة على حساب الطبقات الفقيرة.

وفي العامين الماضيَين، سجّلت أحزاب المعارضة بوجه عام، وحزب «الموتمر الوطني الهندي» بوجه خاص، محاولات لاستعادة زمام المبادرة السياسية، وهو ما تجلّى في فوز «المؤتمريّين» بولاية كارناتاكا في الانتخابات التشريعية على مستوى الولايات، في أيار 2023، علماً أن نتائج الانتخابات في تلك الولاية الجنوبية، عُدّت مؤشراً إلى وجهة التصويت في الانتخابات البرلمانية العامة. وبعد تراجع حضوره في المشهد السياسي في الأعوام الماضية – شأنه شأن الأحزاب المعارضة الأخرى -، حيث وُجّهت اتهامات بالفساد إلى عدد من كوادره، إضافة إلى إدانة القضاء لزعيم «المؤتمر»، راهول غاندي، في آذار 2023، بتهمة التشهير، ومنْعه من الترشّح للانتخابات البرلمانية الحالية، بدأ الأخير تطبيق إستراتيجية سياسية وانتخابية جديدة تقوم على إجراء إصلاحات تنظيمية داخل أقدم الأحزاب الهندية، وتعزيز الصلات بين القواعد الشعبية والقيادة الحزبية. وفي سبيل ذلك، جرى استبعاد قسم كبير من القيادات الهرمة وغير الفاعلة التي لا تتمتّع بشعبية، والإبقاء فقط على الشخصيات المخضرمة ذات الحضور، في موازاة الاستعانة بوجوه سياسية شابة من ذوي الكفاءة، بقصد فهم التحديات التي يواجهها مواطنوه، ولا سيما المزارعين المتضرّرين من نهج الحكومة الحالية، فضلاً عن ترتيب تحالفات انتخابية مع شخصيات وأحزاب مناهضة للحزب الحاكم، بخاصة تلك التي تحمل توجّهاً عمّالياً وعلمانيّاً وقِيماً دستورية تعدّدية، إلى جانب توظيف منصات التواصل الاجتماعي، مثل «واتسآب» و«يوتيوب»، لنشر الدعاية السياسية للحزب.

 

تصدُّعات في الحزب الحاكم

يمكن اعتبار نتائج الانتخابات البرلمانية في الهند، في جزء منها، «تصويتاً عقابياً» ضدّ نهج مودي الإقصائي في الحكومة والحزب. وهو نهج بدأ يلقى موجات اعتراض حتى داخل حزبه «بهاراتيا جانتا»، كونه أخذ يعكس ميلاً إلى تغييب القيادة الجماعية في توجيه السياسات واتّخاذ القرارات، في موازاة عمله على تكريس «الشخصانية السياسية» في الزعامة، وأحياناً بنفحات «دينية»، في ظل شيوع ثقافة سياسية «دوغمائية» و«ديماغوجية» تخلع عن رئيس الحكومة صفة «القداسة النبوية»، وفقاً لما يدلّ عليه تعبير «ضمانة مودي» الذي بات يُشار به إليه لدى أنصاره من الهندوس المتطرّفين، علماً أن هذه الثقافة تحظى بمقبولية لدى رئيس الوزراء الهندي، إذ سبق أن تبنّاها في تصريحات علنية حين لمّح إلى طبيعة ميلاده «غير البيولوجية»، و«ذات الطابع الرسولي».

ويسلّط سودهيندرا كولكارني، أحد كوادر حزب «بهاراتيا جاناتا»، الضوء على إحدى أبرز القضايا الخلافية بين مودي وعدد من القيادات الحزبية، كاشفاً أن «قوانين الزراعة التي تسبّبت بخنق مدينة نيودلهي، ووقوع احتجاجات شعبية دامت قرابة العام، جاءت من دون التشاور مع مسؤولي الحزب في الولايات المتضرّرة، بحيث تُرِكوا لمصيرهم للتعامل مع تبعاتها». ويذكّر كولكارني بأن«بهاراتيا جانتا لم يكن حزباً أحادياً»، مستدركاً بأن «كل ذلك تغيّر مع قدوم ناريندرا مودي إلى رأس السلطة عام 2014، حين سعى إلى الترويج لمفاهيم استبدادية جديدة، تقوم على تكريس أمّة أحادية القومية، وزعيم أوحد». ومن جهته، يرى أجاي سينغ جور، وهو أحد القائمين على حملة «بهاراتيا جاناتا» في ولاية أوتار براديش شمالي الهند، إذ خسر الحزب قرابة نصف الأصوات مقارنة مع الانتخابات الماضية، أن «شعار (ضمانة مودي) كان سبباً في تدميرنا»، مؤكداً نجاح المعارضة في تأطير معركتها مع رئيس الوزراء بوصفه «سياسياً متعجرفاً»، «استأثر بكل الأوكسجين (السياسي) في قمّة السلطة»، على حدّ وصف صحيفة «نيويورك تايمز».

 

سيرياهوم نيوز1-الاخبار اللبنانية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كوريا الشمالية تدين بيان قمة “الناتو”: يحفّز على نشوب مواجهة عسكرية على نطاق عالمي

كوريا الشمالية تحذّر من تفاقم الوضع الأمني الدولي بشكل خطير بسبب رغبة الولايات المتحدة في توسيع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، عقب توقيع واشنطن وسيؤول “استراتيجية ...