آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » تحوّلات الكائن الأدبيّ

تحوّلات الكائن الأدبيّ

غسان كامل ونوس:

فيما كنت أقرأ ثلاثيّة نجيب محفوظ، كانت تتلبّس صفاتُ «سي السيّد أحمد عبد الجوّاد»، وممارساته، ابنَ قريتنا وشهريارَها غير المتوّج؛ في انتظار انتهاء الليالي المِلاح، المحدّدة بالعمر القصير، الذي لا ينتظرالضحايا، لإكمال حكاياتهنّ، والسكوت عن الكلام غير المباح، عن «دون جوانات» أُخر، ولا يكفي السهارى محاربي الأشباح؛ في أمسيات مسكونة بكائنات خرافيّة، وعامرة بالحكايات السارية، التي تمحوها الصباحات المشغولة ما بين الصخور والزروع المتنامية، في استقطاب شاقّ للقمة العزيزة؛ وتذروها الشمس القائظة، تُنعس المتلملمين تحت الأشجار الظليلة؛ سوى نساء التنّور، وأحاديثهن المهموسة قبل الخصومات، التي تنشر الغسيل المتّسخ، فيصعب تنظيفه؛ لشحّ ماء القطّارة في العيون الموغلة بين الصخور، في السفوح المتنابذة، المتجابذة، التي تستدرجكم؛ شبابَ الفرص الضائعة، للقيام بتمثّلاتكم الزورباويّة؛ للفت أنظارهنّ؛ حاملاتِ الجرار، المتراميات على تلك الثغور الأرضيّة الرطبة؛ بثغورهنّ المتّشحة بابتسامات وشيكة؛ كرفرفة الدوريّ على السنديانات المعمّرة، أو كتوارد العصافير القلقة على الأشجار المكمونة بالدبق والأفخاخ، أو القصبات المصوّبة المصوّتة؛ ويا لها من طرائد وصيدات!. تستطيع خيالاتكم المضطربة، أن ترسم تفاصيل المشاهد المتوتّرة؛ كتراقص الآل المتربّص في الجهات، التي لا تمضي إلى مستقرّ للعيون الشاردة، أو كشرارات البرق الناريّة في سماء، يزيدها الغيم المربدّ اشتعالاً واختراقاً؛ تمهيداً لقصف، لا يتأخّر إلّا ثواني من الترقّب القابض على قلب، يكاد يتوقّف فيه النبض، لا تسعفه كلمات تتلعثم، على لسانك، أو تتردّد بتقوى تتقاوى على لسان أبيك، وابتهالات أمّك، تدعو لكم بالسلامة والأمان، وليتهما يحلّان! لعلّه الطوفان، أو الفيضان، الذي عُنونت به إحدى «روايات الجيب» الأثيرة؛ ولم تكد الحصبة، تنهي فصولها المحزنة، حتّى صحبها ملك الموت، إلى القرية والقرى التالية، في انتظار «الكوليرا»، القاضية على أرواح أخرى، مذكِّرة أو متَذَكَّرة بـ»طاعون كامو» الفظيع.. كلّ شيء أشبه بمصارعة «طواحين الهواء»، لا من أجل الخلود الجلجاميشي المستحيل؛ بل في السبيل إلى الوجود البرّي المتعدّد المواجهات القارسة، والمسالك الشائكة، أو البحريّ المضطرب؛ لولا أنّ مراكب الخلاص المتوهّمة عالقة في السفوح الشجريّة، والجروف الصخريّة، أو قامت ذات فاقة، بنقل المهاجرين إلى مفازات شجن «الدلعونا: و»البحر الذي يسكّر ما بينهم وبين العاشقات المنتظرات «غودو»»؛ ولولا أنّ مركب الصيد المؤمّل، الذي أبحر باكراً، لم يعد يُرى، ولم يعد راكبه، يرى، أو يُرى؛ فالبحر بعيد نسبيّاً عن قريتنا، وليس من عاداتنا سوى الارتماء في البحيرات الصغيرة؛ حيث ترتاح السيول الشتويّة دوّاراتٍ، قبل أن تجدّ في الانحدار، ولا تتّسع إلّا لأجسادنا، وزوارق من ورق! ربّما كان هذا ما أتعبني أكثر، وأنا؛ غيرَ الملمّ بسباحة الأعماق والأبعاد؛ وشراعاتي فتيّة، طامحة، مغامرة؛ أصارع الموج والعاصفة كشراع «طروسيّ مينة»، وأغالب أسماك القرش مع «شيخ همنغواي»، وأعاند الريح والضياع، و»الجبل الراكض صوب البحر»، لـ «إيتماتوف»! وليست أقلَّ معاناة، تلك المشاعر من الحبّ المجنون في «الموت حبّاً» لـ»بيار دوشين»، للفتى الثانويّ، المتيّم بمعلّمته؛ مسترجعاً تلك اللحظات المهدهدة المكتومة في السرير المنهك تحت وقعنا، في ذلك البيت المنفرد، تحت مكابس الظلام القابض، والوحشة المهيمنة، والطقس الشتويّ الكئيب، بداية العطلة الانتصافيّة، للصفّ السادس، حيث سأفارق المعلّمة المتأنّقة، خمسة عشر يوماً بتمامها!. كانت للبطولة الفرديّة سطوتها في السِّيَر والأساطير والنصوص الطويلة، وكان وجودها الواقعي الممكن، أو الموهوم، أو المتخيَّل، مسوّغاً لتسيّدها النصّيّ؛ وكان لحضورها الطاغي في عالم الصفحات، انعكاسه الحياتيّ، وتمثّله الإنسانيّ؛ بأشهر خصائصها، وأعمّ خصالها، التي راحت مذهب الأمثال والأحكام والتقييمات، والتفاخر بألقابها، وبمعرفتها، التي تنمّ عن اطّلاع وثقافة!. واختلف الأمر في ما بعد، مع ظهور الأحزاب والتنظيمات والنفط، ولم تعد البطولة الفرديّة معتمدة في النصوص؛ بل صارت التحوّلات بطولات ومطوّلات؛ ثمّ راحت الكتابات تُوزّع أدوار البطولة، وتُعدّد المسؤوليّات، وتُداخل الأجناس الأدبيّة، وتُسهّل التحرّكات، وأضحت الصفات والأفكار والمبادئ تتحدّث، وبات الكلام مهتمّاً بالتبعات والتردّدات والأصداء، وبالضحايا من الشرائح المختلفة؛ تساعد على ذلك، الصور الحيّة والمخزّنة، والأخبار المصوّرة، وحشد الاستثارة، والاستعطاف، والمعاناة، والتوجّهات، والاصطفافات، والإعلانات، والدعايات المدوّنة، أو الملغّزة داخل النصّ، وصار البطل سجيناً سياسيّاً أو متمرّداً فرداً وجماعة، وجرى الترويج للبطل الإيجابيّ جليّ الانتماء، ومن ثمّ لـ «الكائن الذي لا يُحتمل»، المشتّت، أو الموزّع على أكثر من صعيد وإطار وتيّار، وجرى تشييئ القيم، وتدجين النسور، والنمور، والجموع؛ وصولاً إلى هيمنة العصر ومصطلحاته، والقول ومفرداته، والصورة، وتفصيلاتها، وأحسب أنّنا فقدنا الحماسة لأمثال تلكم الأبطال، المنفضّين عن حالاتهم، وربّما عائلاتهم وأوطانهم، وبهتت التمثّلات والتجسّدات لهم، وصار من الممكن أن تكون السيادة في النصّ لمكان وجزئيّاته أو لزمان ودقائقه وثوانيه، أو لفئة أو شريحة، أو طبقة أو جماعة.. وهذا يتماشى مع ما جرى في المجتمعات من تغيّرات، وعلى شخصيّة الفرد، من تنازع، وعلى مجموع الناس من انقسامات، وتشوّهات في العلاقات، وغموض في الرغبات والتفكير، وضعف في التركيز، وتفاوت في التأثير.. وتحوّلت طبيعة الصراع الوجودي، وآليّات التفكير، والتقييم، والتعبير؛ فلا مباشرة، ولا شعارات، ولا استلهام، ولا انتماء؛ إلّا في حدود عقائديّة، ضيّقة، ومهيمنة، وغير قابلة للحوار، والسلاسة، والأخذ والردّ.. فالأسرة تفرّقت، والرعيّة صاروا رعايا، وقرّاء الورق، صاروا متصفّحي شاشات، تصاغرت وتلوّنت، والتفاعل منوّع، والانفعال مغاير وموزّع، والمواجهة مختلفة، والأدوات أيضاً.. حتّى الغايات لم تعد مفهومة، والعلاقات مؤقّتة، راهنة، ملغّمة، والانفتاح الذي كان تهمة، صار مؤشّراً صحّيّاً ومطلوباً، والخروج عن الجماعة، الذي كان خروجاً على الطاعة، صار مدفوعاً، ومرغوباً، لصالح جماعة أخرى، أو عقيدة أخرى، ومصالح وغايات غير بريئة، وما كان – ومن كان- محصّناً، لم يعد كذلك، واختراقه يأتي حتّى من داخله، والاستهداف مخاتل، والضحايا لا تعدّ. لقد تحوّل الانتماء الجماعيّ إلى راية وقول وزعيم، ثمّ إلى جماعة وحزب وإيديولوجيا وتيّار، إلى تناثر في التبعيّات؛ فمنها المتشدّد، ومنها المتمرّد، ومنها الداعي بهدوء أو المتوعّد بقسوة؛ ومنها المأجور، أو المتطوّع من أجل عقيدة؛ لم يعد جماعيّاً؛ بل فرديّاً، ينسجم مع توصيفات الحداثة وما بعد الحداثة، وتناقضاتها وتشرذمها. البطل الآن شخص من مجموعة، أو شريحة، لا يهمّ طوله وعرضه، ولون عينيه وشعره، ولباسه، ولا ماذا يأكل، ويشرب، وأين يسكن؟ّ في قصر، أو كوخ، في غابة، أو في حيّ شعبيّ مخالف ومحروم، وقد تتعدّد محظيّاته، وتتلوّن جوّالاته؛ كما مساراته، بعد تجربة أو أكثر. وتحوّل القصف السماويّ السحابيّ الشتويّ، إلى انفجارات حربيّة أو منفردة في مختلف الفصول، التي تداخلت، وتعكّرت، وعرّت الناس من سقوف تظلّها، ومن أشجار تداريها، ومن أردية تستمهل الوخز الصقيعيّ، فما عاد للعائذ محميّات، ولا للفتك والهتك روادع؛ على الرغم من الصراخ الإنسانيّ المطالب بالحماية المشرّعة، والمقاومة المشروعة، والدروع الحقوفيّة، التي تحتشد بالبنود و»الحدود»؛ فتغرزها في الأجساد الطريّة، وغير الطريّة، قبل أن تُلِفّ الشاش الأبيض، على الأشلاء التي اسودّت سوائلها، وقد كانت محمرّة، فتتحوّل إلى أكفان مهيّأة مسبقاً، لحفظ ما تبقّى من أنفس، وحملها إلى ذويها؛ للإسراع في دفنها؛ إكراماً! ولو بعد حين يطول؛ كي تُستخرج من مطمورات جماعيّة، في جنازات مؤجّلة مشهودة، تستعيد طقوس الحزن والفراق، وتستعيذ بالزمن وكثرة الباكين على التأسّي! ويا لها من بطولات حقيقيّة مكتومة، وخلّبيّة موصوفة، وإنسانيّة معمّمة عن ظهر خبث! وأين من يسجّل الوقائع، ممّن يشهدون الوقيعة؟! وأيّ خيال أدبيّ، يستطيع أن يجود بمثل ما كان حقيقيّاً، ويكون لحماً ودماً ومواجع، وما هو أغرب؟! وليتنا نستطيع أن قول «للسلاح وداعاً» من أيّ نوع كان؛ حين يُقلع الشرّ عن تربّصه واعتداءاته؛ ولن يقلع! وأن يستطيع الخير أن يسود، على هذه الكرة الدوّارة من على قرن ثور، أو كفّ عفريت!.

(سيرياهوم نيوز6-الثورة14-6-2022)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أمسية في عمان تضامناً مع القطاع المذبوح: مريم غزة… أثمّة سلامٌ لنا على الأرض؟

أنس أبو عون   في زمن الحرب، لا مساحة للحديث عن الجمال عبر الفن على أنواعه، أكان في الموسيقى أو الرقص. حتى إنّ مفهوم الجمال ...