آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حين يمرض الشاعر تتوجع الكلمة وتحيا القصيدة

حين يمرض الشاعر تتوجع الكلمة وتحيا القصيدة

نجوى صليبه  2020/06/22

حين اشتدت الحمى عليه في المساء، وصفها المتنبي (915م – 965م) بـ”زائرة الليل” التي تخشى النور فلا تزور إلا في العتمة كلصٍّ قاتلٍ شرير يتغلغل في الديار، بكلمات عليلة توجع القلب والعقل، يقول:
وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءً فَليسَ تَزورُ إلاّ في الظَلامِ
بَذلتُ لها المَطارِفَ والحشايا فعافَتها وباتَت في عِظامي
يَضيقُ الجلدُ عن نفسي وعنها فتوسِعُهُ بأنواعِ السقامِ
كأنَّ الصُبحَ يَطرُدُها فَتجري مَدامِعُها بأَربعة سِجامِ
أراقبُ وقتَها مِن غَيرِ شَوقٍ مُراقَبَةَ المَشوقِ المُستهامِ
ومثله، نظم كثير من الشعراء عن الصّحة والمرض والأوبئة قصائد وكلمات حزينة أليمة ووجعاً شعرياً دام آلاف الأعوام بعد رحيلهم، فها هو الشريف الرضي يكثر شكواه من الزمان وممّا أنزله به من شيب قارب بينه وبين الموت، يقول:
لو دام لي ود الأوانس لم أبل بطلوع شيب وابيضاض غدائر
واهاً على عهد الشباب وطيبه والغض من ورق الشباب الناضر
وأرى المنايا، إن رأت بك شيبة جعلتك مرمى نبلها المتواتر
لو يفتدى ذاك السواد فديته بواد عيني بل سواد ضمائري
ويقول في الصحة والداء والدواء:
ومن عَجائبَ أمري أنني أبداً أريدُ من صحتي ما ليس يبقى لي
هل صحةٌ من سقامٍ لا دواءَ له ؟ وكيفَ أبقى ولما يبقَ أمثالي
وما أريدُ سوى عينِ المحالِ فلا سبيلَ يوماً إِلى تبليغِ آمالي
أما أبو العلاء المعري (973 -1057م) فيذهب إلى الحديث عن زيارة المريض، وضرورة عدم إزعاجه والمكوث لديه طويلاً، فينصح قائلاً:
لا تُضجرنَّ مريضاً جئتَ عائدهُ إِن العيادةَ يومٌ إِثرَ يومينِ
بل سَلْهُ عن حاله وادعُ الإِلهَ له واقعدْ بقدرِ فُواق بين حلبين
من زارَ غِبا أخا دامَتْ مودتُه وكان ذاكَ صلاحا للخليلين
وعندما انتشر مرض الطاعون في حلب عام 1349 وفتك بالمدينة مدة 15عاماً، كان ابن الوردي ( 1292م ـ 1349م) يعيش فيها، ونال منه الطاعون كما نال من آلاف البشر، فوصف حاله في أبيات كتبها قبل يومين من وفاته، قائلاً:
ولستُ أخافُ طاعوناً كغيري فما هوَ غيرُ إحدى الحسنيينِ
فإنْ متُّ استرحتُ من الأعادي وإنْ عشتُ اشتفتْ أذني وعيني
خليل مُطران “شاعر القطرين” (1872 – 1949) توفّي بعد أن اشتدَّ عليه المرض، لتشهد مصر وفاته كما شهدت انطلاقته الأدبية، ونستذكر قليلاً مما كتبه عن المرض:
إِذا ما الداءُ أقعدَ جسمَ حَيّ أنشطُ روحُه وبها عقالُ؟
لكلِ داءٍ دواءٌ ممكنٌ أبدا إِلا إِذا امتزجَ الإِقتارُ بالكسلِ
ومن الشاعرات اللاتي وثّقن الأوبئة التي أصابت العالم أجمع، الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923-2007)، إذ تصوّر قصيدتها “الكوليرا” موتاً وحزناً حطم مصر خلال الأشهر الأخيرة من عام 1947، حيث تسبب وباء الكوليرا بوفاة أكثر من عشرة آلاف شخص، ومن هذه القصيدة نقتبس:
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغداً لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ

(سيرياهوم نيوز-تشرين)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

” امرأة متمرّدة ” تُشعلُ فتيلَ الحريّة في قنّبلةِ الذكورةِ الموقوتة ِ

 رنا بدري سلوم للمرة الثالثة على التوالي لم يتوان الزميل الصحفي والروائي سهيل الذيب أن يكتب الحرب دون أن يقف عند إشارات مرورها، ويدوّن دموعَ ...