آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » ذكريات مع الفنان الراحل مجيب داؤد

ذكريات مع الفنان الراحل مجيب داؤد

*عبدلله ابراهيم الشيخ

لست أدري اي مصادفة جعلتني (صديقاً) للفنان الراحل مجيب داوود … أهو ( مقهى المنشية )، الواقع في قلب مدينة طرطوس ،وكان مقسماً إلى (حارات ) في هذه الحارة يتجمع لاعبو القمار ويجلس في (الحارة ) الثانية هواة لعبة (الطرنيب ) وفي ركن آخر من المقهى يكون المطعم وعلى جانبه تقع حارة المثقفين، وهي أكثر هدوءاً من الحارات الأخرى . ولكم ان تسألوا الشاعرين شوقي بغدادي ومحمد عمران كم أبدعا من قصائد وبحوث في هذا الركن ..ولعلي أؤكد أنه ما من أحد من رواد الحارات الأخرى كان يحاول ( قطع ) سلسلة الأفكار التي كانت تراود أي مثقف، أو ربما آخرين قصدوا المقهى، وقد انتحى طاولة قصيّة يمارس نشاطه الكتابي أو الفني ( رسم أو غيره ) أو دراسة أدبية أو ما شابه .. وكنت أتنقل بين هؤلاء أو أجلس مع آخرين أمثالي .. كان مجيب قليلاً ما يلج حارات أخرى يرفضها هو بل كان يحاول ممارسة نشاطه والجلوس مع صديق له مثقف .. ويمارس الرسم أحياناً على نفس الطاولة .. كان باسماً دائماً .. النكتة الخفيفة الظل لها حضورها الفوري ، وقد تكون اللوحة الصغيرة نتاج مزحة خفيفة أحب مجيب أن يداعب الجالسين على طاولته بها والتي كان لها عالمها الخاص جداً. حين سافر مجيب إلى الكويت بتكليف من وزارة المعارف هناك أرسل في ذات مرة بطاقة رسمها هو، وهي عبارة عن مركب صغير ( قارب ) يحمل على متنه رجل وامرأة وكتب يقول ” أنا وفاطمتي بخير نهديك السلام “.. وحين عاد مجيب من الكويت في الصيف، كنا نلتقي دائماً في المنشية، أو في أماكن هادئة أخرى مع أصدقاء آخرين لنا لكن آخر لقاء لنا كان ذات مساء في صالة صغيرة قرب البحر كان مجيب قد أقام فيها معرضاً .. تبادلنا حينها مزاحاً كثيراً وكان معنا شاب مثقف اسمه ماهر كيلاني ( رحمك الله يا ماهر ) ..قمت شخصياً بتصوير معظم اللوحات وكان لمجيب الحصة الكبرى من الصور. وبدأنا حواراً حول لوحاته لنشره في جريدة البعث، ثم افترقنا، على أن نستكمل الحوار في اليوم التالي لكن القدر كان لمجيب بالمرصاد إذ أنه تعرض لحادث سيارة أودى بحياته .. هل حدث هذا نتيجة عطل في السيارة ، أو ربما نتج هذا جراء إصابة مجيب بعارض صحي أفقده القدرة على السيطرة على السيارة ؟؟ كانت الرحلة من المنزل ( في حي الرمل بطرطوس ) إلى المندرة،مسقط رأس مجيب، تقتضي مني أن أتعلق بظهر سيارة صالون مغلقة ، تحت رذاذ المطر لتصوير سيارات المشيعين .. كان رتلاً طويلاً معظمه من الأساتذة والمثقفين ومحبي مجيب لنصل إلى المندرة وكانت هنالك جموع كثيرة في استقبالنا لحمل الجثمان إلى مثواه الأخير .. مشهد لن أنساه ما حييت وقد اختلطت دموع الباكين والباكيات وعويل النسوة . بعد أيام كان عليّ أن أسلم الصور ( كل الصور : المعرض وموكب الجنازة ) إلى السيدة فاطمة أحمد ( زوجته ).. بعدها بأيام نشرت جريدة البعث الحوار الذي لم يستكمل مع مجيب .. بقي عندي ( شريط كاسيت ) مملوء بالنكات والمزاح والضحك،بقي هذا لسنوات إلى أن أصبح هادي وأخاه شابين يافعين، قمت بتسليمهما شريط الكاسيت .. بعد ذلك يبدو أن حضوري ألغي تماماً .. إلا أنني كنت من بعيد أتابع ربما لانتفاء الحاجة إليّ أو بسبب وجود آخرين ( كما أسلفت ) لهم باع في هذا المجال ويملكون ( الخبرة ) أكثر مني .. وعرفت أنه أسست صالة باسم الفنان مجيب داوود في قلب المدينة وهو الأستاذ أديب مخزوم قريب المرحوم مجيب وهو ناقد وفنان تشكيلي ومؤرخ موسيقي معروف وأستاذ في هذه المجال له باع طويل فيه وهذا ما أسعدني فعلاً . رحم الله مجيباً لقد كان صديقاً لكل المثقفين في طرطوس وخارجها وكان لرحيله خسارة فادحة لمحبي الرسم ولطالبي تعلمه وكان له عالمه الخاص وتجربته الفريدة والمميزة في عالم الرسم الذي كان يقترب أحياناً من الكاريكاتير القريب جداً من واقع الحياة التي كنا نعيشها في تلك الفترة ..

(سيرياهوم نيوز6-خاص بالموقع19-6-2022)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أمسية في عمان تضامناً مع القطاع المذبوح: مريم غزة… أثمّة سلامٌ لنا على الأرض؟

أنس أبو عون   في زمن الحرب، لا مساحة للحديث عن الجمال عبر الفن على أنواعه، أكان في الموسيقى أو الرقص. حتى إنّ مفهوم الجمال ...