آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » سورية: التفجير الذي أصابني

سورية: التفجير الذي أصابني

المهندس باسل قس نصر الله

كان الصوت المدوّي الذي رافق تحطم الزجاج هو الذي أثار بي الدهشة قبل الرعب، فأنا لم أعرف السبب. وكنتُ واقفاً في البهو الكبير لمستشفى في حلب، قبل دقائق من منتصف النهار في يوم 17 حزيران 2014 ، حيث دوى الإنفجار، الذي عَرفتُ بعده أنه ناتج عن قذيفة “هاون” سقطت على بعد أمتار من الباب الداخلي للمستشفى، وانتشلني صوت رفيقي الذي كان قريباً مني، ولكنه كان أبعد عن موقع سقوط الهاون، عندما قال لي: “ان صدرك ينزف”،

كنت قد انتبهت إلى الدماء التي تغطي ساعدي الأيمن، وبعدها نظرتُ الى صدري فرأيت بقعة الدماء تكبر على القميص، ولم أشعر كيف تجمع حولي الناس للإطمئنان علي، ثم أخذوني الى قسم الإسعاف، وأنا أردد بشكل ببغائي: “أنا بخير … لا يوجد شيء … لا تخافوا”.

في ممر الإسعاف، كانت الأضواء مطفأة بالكامل نتيجة انفجار الهاون، فقد انقطعت الكهرباء بسبب توقف المولدات عن العمل، كما أن الغبار كان يعج بالممر، فَقَدّرت أن الهاون أصاب شيئاً في طابق الإسعاف. وكان الخوف يهيمن على الجميع.

كنت أنتظر بعض الشخصيات التي تعمل في الحقل الإغاثي والعلمي إضافة الى فضيلة أخي الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب، الذي بعد الحادثة بلحظات حضر الى المستشفى ثم الإسعاف حيث أراحتني كلماته المشجعة وقراءة بعضاً من آي الذكر الحكيم.

أخبرني الأطباء أن إصابتي هي عبارة عن شظايا أصابت جسدي وهم سيقومون بإجراء التصوير اللازم لمعرفة الحالة بشكل دقيق، وبعدها قاموا بإجراء خياطة الجروح، بعد إصراري أني أريد متابعة اللقاء الذي كان مخططاً له، فالبسوني رداءً خاصاً بالعمليات، وسمحوا لي بمتابعة اللقاء مع بعض رؤساء الجمعيات الخيرية والفعاليات العلمية ومفتي حلب.

انتهت مرحلة الصدمة التي رافقت سقوط الهاون. وزال الخوف وكأن شيئاً ما لم يحدث، وانتهى اللقاء، وإصرار على وجوب أن أرتاح وأتابع العلاج، خاصة وأن بقعة الدماء على صدري كانت تكبر على لباس المرضى الذي أرتديته.

انهالت عليَّ المكالمات الهاتفية – وأحبّها كانت الاتصالات المتعددة لسماحة الأخ الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون مفتي عام سورية – للإطمئنان علي، خاصة بعد أن نشرت المواقع الالكترونية خبر إصابتي تحت عنوان “إصابة مستشار مفتي سورية”، وكانت زوجتي ترد على هذه الاتصالات لأنني كنت في حالة من النوم العميق نتيجة الأدوية المتنوعة. صَحوت بعد منتصف الليل وبقيت في الفراش، وجاءني اتصال من شخص قال لي مباشرة: “أنا المقدّم فلان من الجيش الحر، ألم تَفطس بعد؟ فأجبته بهدوء منحني الله إياه في هذه اللحظات فقلت : “الحمد لله اني بخير” ثم  تابعت “ليس ذنبي بأنكم تضعون أشخاصاً لا يعرفون أن يصيبوا الهدف”.

في اليوم التالي كنتُ قد اتخذت قراري، بعدم نزع الشظايا إذا كانت لا تؤثر علي، والتي توزعت واحدة في ساعدي الأيمن والثانية في مرفقي تماماً والثالثة في صدري وأعلمت الأطباء أني لن أنزع الشظايا، بعد أن تأكدت منهم أنها لا، ولن تؤثر علي.

 أنا أحمل هذه الشظايا الآن، لا لشيء إلاّ لكي تُذكّرني بالمحنة التي تعانيها سورية.

لِتذكرني بأن الموت الذي كان يحيط بنا من كل جانب، هو نفسه الذي يُحيط كل الشعب السوري، وبأن الخوف من المستقبل أصبح مساوياً للخوف من المجهول، وبأن “الهاون” الذي انفجر هو كان جزءاً من معاناة حلب التي تتراوح بين قطع الكهرباء والمياه والتشريد والنزوح والكثير غيرها.

هذه الشظايا تذكرني بالماضي، بفترة حصار حلب، وبالحاضر، بأن معاناة أبناء حلب – بعد تطهيرها – بشكل خاص، لا يتابعها المسؤولين في حلب بنفسِ الأهتمام الذي يتابعون به صورهم البهيّة في الإعلام وبأن … وبأن …. وبأن … “ألَم تفطس بعد؟”

عانيت أقل مما عانى الكثير على رغم الشظايا في جسدي، وهذا ما دفعني للإنغماس أكثر في خدمة الناس وفي الحقل العام، دون الإلتفات الى مناصب تُلهيني فيها أضواء الإعلام عن خدمة المحتاجين.

لا لم يشأ ربي أن أموت الآن، لأني أراهن على الحياة لكل شعبي ولخدمته وإعادة بناء بلدي سورية.

اللهم اشهد أني بلغت

سيرياهوم نيوز 6 – رأي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قوة المقاومة… حدودها ومداها

هادي قبيسي  29 تموز 2021 نحن الذين اعتدنا على حصول المعجزات في ساحة المواجهة التاريخية خلال الأربعين عاماً الماضية، نحتاج إلى التأمّل بواقعية، لأن المعجزة التاريخية ...