الرئيسية » من المحافظات » طرطوس التي لا تنام ..

طرطوس التي لا تنام ..

*سعاد سليمان

لن تهزمنا النكبات .. ولن يهزمنا الفقر , وشظف العيش , والخراب .. خراب شهدناه بأعيننا , وعشناه بقلوبنا , وفي حياتنا .. هكذا تقول الحقيقة .. هكذا يقول شاطئ طرطوس يوم أمس الجمعة . فعلى الكورنيش الغربي في المدينة المزدحمة بضيوفها , بناسها , بأهلها .. جموع غفيرة أتت من كل أنحاء سورية . بولمانات النقل الفارغة تقف في الشارع الواسع من جهته الشرقية تؤكد ما أقول .. حتى أن بعضها ينام في المكان فارغاً حتى الصباح التالي بانتظار ركابه الذين قدموا من مدينة ما .. قد تكون حمص , أو حماه , أو دمشق .. كل اللهجات تسمعها , وأنت تمر في المكان , و بين الجموع التي تتحدث بأصوات مرتفعة .. في فجوة سفلية من الباص الكبير , وحيث خصصت لحقائب المسافرين , وحاجاتهم وقد فرغت الآن .. يفتحها السائق , ومعاونه – ربما – من الجانبين .. يجلسان فيها كغرفة الجلوس أو النوم .. يشعلان موقداً صغيراً لغلي الشاي , أو القهوة , وتراهما .. يتحدثان بسرور .. هكذا يدل المشهد .. ثم ينامان دون أن يغلقا باباً عليهما .. تراهما بعد جولة لك في المكان , وخلال العودة . بينما غادر ركاب البولمانات إلى أقرب نقطة من مياه البحر .. هناك يسهرون أمام الموج .. يراقب بعضهم القمر المنير الذي يداعب الساهرين دوما .. حين يختبئ كطفل مدلل خلف غيمة , ثم يظهر مبتسماً لمن يبحث عنه .. يسعد القادمون من البعيد برؤية مغيب الشمس حين ترسم بريشة ساحر السحر كله بلونه الوردي .. وتمضي .. ولا ينسى ضيوف البحر التقاط الصور للشمس , وهي تغيب , وللقمر وهو يأتي مستقبلا زواره . يسهر القادمون عند أقدام الموج المسرع إليهم .. تحمله الريح .. تضرب المياه الشاطئ الرملي , وتعلو ثم سرعان ما تخبو .. وترحل .. لعبة هي .. والرابح ” لمعة موبايل ” محب يلتقط ما أنتجته الريح , ومياه البحر الخالدة . في المدينة .. بشارع الثورة .. وأنت تمضي وسط الظلام من تقنين جائر تعيشه المدينة منذ سنين ليتحول الظلام إلى صديق , والعتمة إلى نور .. تظن أنك لن ترى عابراً هناك .. ويأتي ظنك وهمياً .. عند محلات السندويش , والشاورما , والبوظة , والحلويات يتجمع الساهرون على الأرصفة حيث تحولت بعض المحال إلى مطاعم فوق رصيف ,وأمام عامود الشاورما تحديدا .. هناك يأكلون , ويتحدثون , وتعلو الأصوات , وترحل أنت وتبتعد , وما تزال تسمع ضحكات , وأحاديثاً .. في الطريق حيث أمضي .. توقفني شابة , وقد خرجت من العتمة فجأة .. تسألني أين أجد بائعاً للبيتزا هنا ؟ أتعجب من السؤال .. هكذا تظن .. لكنني في الواقع .. كنت أبحث في ذاكرتي عن بائع جيد لأدلها , وأنا التي لا تحفظ محلات الوجبات السريعة , والطعام الجاهز .. لأنني لست زبوناً لها , أو راغباً فيها .. أتذكر محلاً في شارع العريض قد يعجبها .. خاصة وأنه الأقرب لمكان لقائنا .. أدلها عليه .. تجيب بأنها تخاف أن تضيع في المكان ,وفي العتمة , ولا تعرف العودة إلى الفندق هنا في الحي بجانب الحديقة .. وتؤكد بثقة أنها ستبحث عن حاجتها على الكورنيش البحري بجانب إقامتها .. مشاهد .. ووقائع .. تدعو مديرية السياحة , ومؤسسة الكهرباء على الأقل دعم هذا الشوارع فقط بنور ليلي أسوة بالمطاعم الفخمة , والفنادق المنورة على الدوام التي يأتي إليها الأثرياء فقط ..ونسأل عن أعمدة أنيرت , فأنارت الشوارع لفترة ثم اختفت ؟!!! هي طرطوس اليوم .. هي سورية التي لا تموت من جوع , أو عتمة .. هي الحياة مستمرة بمحبة رغم الظلم الذي لحق بنا , والحقد الذي أوجعنا , والحرب التي لم , ولن تهزمنا .. فهل نستعين على الرمضاء بالقليل من الماء .. هل ننير شوارعنا لا بيوتنا في أوقات التقنين .. رأفة بمحبي الحياة , ومعتركيها . رأفة بطرطوس مرفأ الشجعان , وبوصلة التائهين ؟

(خاص بموقع سيرياهوم نيوز 19-6-2021)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حضور متميز لمنتجات الوردة الشامية في معرض الزهور

حضور متميز لمنتجات الوردة الشامية في معرض الزهور بدورته الحادية والأربعين في حديقة تشرين بدمشق والتي تنوعت ما بين الغذائي والتجميلي والطبي والعطري لتلبي متطلبات ...