في محرابِ الشهادة

 

كتب د.المختار

 

الشهادةُ بالشيء:

هي الإخبارُ به عن علمٍ بالمشاهدةِ الحسيَّةِ أو المعنويَّةِ، وهي الحجةُ والدليل…

والشهيدُ:

في اللغةِ هو الذي لا يغيبُ عن علمِه شيءٌ وهو على وزنِ “فَعِيل” من صيغِ مبالغةِ “اسم الفاعل”….

 

استشهدَ فلانٌ فهو شهيدٌ والمشاهدةُ المعاينةُ وشَهِدَهُ شهوداً أي: حَضَره فهو شاهد.

 

ولكأنّ أرواحَ الشهداءِ أُحضِرَت إلى دارِ السلامِ أحياءٌ…

وأرواحُ غيرِهم أُخِّرَت إلى يومِ البعثِ والنشور…

 

والشهيدُ:

هو من مات في سبيلِ اللهِ دفاعاً عن الحقِ والوطن…

 

إنَّ الحربَ على سوريةَ أعطت الشهادةَ بعداً جديداً وطيفاً واسعاً من المعاني والقيمِ الأخلاقيةِ، بحيث لم يبقَ قطاعٌ من القطاعاتِ لم يشارك بتقديمِ الشهداءِ، فهناك شهداءٌ من القادة العظماء، وهناك شهداءٌ غيرُ شهداءِ المعركةِ أضافوا إلى الشهادةِ قيمةً جديدةً هم شهداءُ الرأي الذين قدموا حياتَهم ثمناً لمواقفهِم الوطنيةِ وقولِهم كلمةُ الحقِّ، وهنالك الشهيدُ الطالبُ، والإعلامي والمعلمُ، والعاملُ والموظفُ، ورجلُ الدينِ، والعائلةُ التي ذهبت للاحتفالِ بتخرّجِ ابنِها ولم تعد، وامتزجَت فرحةُ التخرّجِ بعظمةِ الشهادة…

 

فعندما تتحدثُ عن الشهيدِ تشعرُ أنَّك بحضرةِ قامةٍ عظيمةٍ امتلكَت ناصيةَ الخلودِ، خلوداً حياً في ذاكرتِنا وتاريخِنا، وفي الضميرِ والقيمِ الأخلاقيةِ والإنسانية….

 

إنَّ كلَّ الشرائعِ السماويةِ كرّمت الشهيدَ، وربطَت صورةَ الشهيدِ في العلا بالصورةِ المقابلةِ لها في الحياةِ الدنيا، فجعلَت للشهداءِ بدارِ الخلودِ صورةً أكرمَ من تلك الصورةِ التي هم عليها في الحياةِ الدنيا، وهي صورةُ الحياةِ الكاملةِ الخالدةِ الأبديةِ: (ولا تَحسَبنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أموَاتاً بَل أحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ.) آل عمران169.

 

فلولا عاملُ الفقدِ الذي يحاكي لواعجَ النفسِ الإنسانيةِ وضعفَها، لكانَ من الأجدرِ أن نحتفلَ للشهيدِ ونقيمَ الأعراسَ، ونباركَ بدلاً من أن نعزّي، وإلا كيف للعيونِ أن تدمعَ وكيف للقلوبِ أن تخشعَ على من انتقلَ من دار الفناءِ إلى دارِ البقاءِ…

أنتقل إلى دارِ الأفراحِ والمسراتِ الدائمةِ التي لا انقطاعَ لها. (فَرِحِينَ بِمآ آتاهُمُ الله). آل عمران170.

 

وما يُعزّزُ تلك الحالةَ الإيمانيةَ الصورةُ التي رسمَها الإسلامُ للشهيدِ والمنزلةُ العاليةُ التي رفعَه إليها، والمقامُ المحمودُ الذي وعدَه في دارِ الخلودِ. ( والذِينَ قُتِلُوا فيِ سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعمَاَلهُم * وسَيَهدِيِهم ويُصلِحُ بَالَهُم * ويُدخِلُهُم الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم *). محمد 4-6.

 

بهذا الإيمانِ الوثيقِ المطمئنِ الذي يعمرُ القلوبَ، ويملكُ أقطارَ النفوسِ إلى ما وعدَ اللهُ به الشهيدَ، تواردَ مقاتلونا أبطالُ الجيشِ العربي السوري الذين استشهدوا، تواردوا على حياضِ الموتِ كما يتواردُ العطشى في يومِ حرٍّ شديدٍ على ضفافِ نهرٍ صافٍ باردٍ عذبٍ رقراقٍ، ينهلون منه، وهذا الإقدامُ يكادُ لا يصدقُه إلا من كان على درجةٍ عميقةٍ من الإيمانِ، أو من شاهدَ ذلك بأمِّ عينِه، كما شاهدنا.

 

فالصورةُ التي ظهرَ بها مقاتلونا في ميدانِ المعركةِ كانت على درجةٍ من الإقدامِ والإيمانِ، وكأنّهم يسيرون على طريقٍ مرسومٍ لمن أرادَ أن ينالَ الرضا الكاملَ من ربِّه، فاعتمدوا في قتالِهم أساليبَ من القتالِ تُلقي الرعبَ في قلوبِ الأعداءِ من جهةٍ، وتثبّتُ قلوبَ رفاقِ السلاحِ من جهةٍ أخرى…

فكم من شهيدٍ قال لزملائِه في لحظاتٍ عصيبةٍ كان لابدَّ فيها من التضحيةِ بجزءٍ حتى لا نخسرَ الكلَّ، قال انسحبوا أنا سأغطّي عليكم وهو يعلمُ علمَ اليقينِ أنَّ لا فرصةَ له بالنجاةِ أبداً، وظلَّ ثابتاً يقاتلُ ويؤخّرُ تقدّمَ العدو حتى أنقذَ زملاءَه ونالَ شرفَ الشهادة.

كلنا نذكر الشهيد البطل يحيى الشغري عندما طلب منه إرهابي من (د.ا.ع.ش) أن يقول عبارة د.و.لة الإ.سلا.م باقية، فأجابه وهو يعرف أنَّه تفصله لحظات الارتقاء إلى الرفيق الأعلى، قائلاً والله لنمحيها، لتذهب هذه الصرخة مدويةً للأبد، وماهذا الشهيد البطل إلا حالة من عشرات الآلآف من حالات البطولة التي يجب أن يُكتب عنها.

 

فلا تتعجّبوا إذا سمعتُم تلك القصصَ عن التضحيةِ والفداءِ التي يرويها لكم زملاءُ الشهداءِ، وذووهم، فهي قصصٌ حُفرت على جدارِ التاريخِ عن رجالٍ استعذبوا الموتَ بنيةٍ صافيةٍ صادقةٍ لتحيا أمتُهم.

فإذا نظرنا إلى ما قدّمَ الشهداءُ للوطنِ، وما انفقوا من خيرٍ، وجدنا أنَّهم قدّموا أقصى ما يملكون، فهم تماماً كمن يُعطي من ذاتِه كلِّ ذاتِه للحقِّ وللوطنِ، وكمن يُنفقُ أعزَّ ما يحرصُ عليه الإنسانُ، وهو النفسُ، فلا شيءَ يتساوى مع تقديمِ النفسِ، حتى ولو كانَ مُلكَ الأرضِ جميعاً.

 

فإذا كان الثوابُ على قدرِ المشقةِ، والجزاءُ على قدرِ الإحسانِ، لا أحدَ يلحقُ بمن جادَ بنفسِه دفاعاً عن الحقِّ، لأنّه حين بذلَ نفسَه دفاعاً عن وطنِه كان ذلك البذلُ أصدقَ شاهدٍ على إيمانِه وعقيدتِه، وشاهداً أمام اللهِ على نفسِه، فهو لا يحتاجُ إلى من يشهدَ معه على صحةِ يقينِه وصدقِ إيمانِه.

فالرحمةُ كلُّ الرحمةِ لأرواحِ الشهداءِ الأطهارِ.

 

— تحيةٌ إلى أرواحِ شهدائِنا الأبرارِ الذين ضحوا بالأرواحِ والأنفسِ في سبيلِ الحقِّ والوطن.

— تحيةٌ إلى كلِّ أُمٍ فَقَدت فَلذَةَ كبدِها.

— تحيةٌ إلى كلِّ أبٍ فقد ولده وثمرةَ فؤادِه.

— تحيةٌ إلى كلِّ من ذرفَ دمعةَ حزنٍ على فقدِ عزيزٍ وغالٍ في سوريةَ الوطن.

— تحيةٌ إلى عائلاتِ الشهداءِ وذويهم الذين تحمّلوا ألمَ الفراقِ وصبروا على الجراحِ لتبقى سوريةَ شامخةً.

— تحيةٌ إلى جرحى الجيشِ العربي السوري الباسلِ الذين خضَّبوا الترابَ السوري بدمائِهم الزكيةِ فكانت سياجاً يحمي الوطن.

 

فلا تنسوا الشهداءَ وذويهم…

 

(سيرياهوم نيوز ١-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بمناسبة عيد الشهداء… زيارة أضرحة الشهداء بالمحافظات وتكريم أسرهم

بمناسبة عيد الشهداء زارت فعاليات رسمية وشعبية اليوم عدداً من مقابر الشهداء في المحافظات، ووضعت أكاليل الورود على أضرحتهم، وقرأت الفاتحة على أرواحهم الطاهرة. زار ...