الرئيسية » تربية أخلاقية وأفعال خيرية » كلام عن غزة من رحيق الانجيل .. كيف تشبه غزة الايمان المسيحي في وجه الطغيان الروماني 

كلام عن غزة من رحيق الانجيل .. كيف تشبه غزة الايمان المسيحي في وجه الطغيان الروماني 

 

الاب الياس زحلاوي

 

 

ما من شكّ أنّ ما يجري في غزّة، منذ (7/10/2023)، قد فاجأ جميع التوقّعات وتخطّاها.

وأنّ هذا الحدث، بعد انطلاقته بأيّامٍ قليلة، قد هزّ العالم كلّه، بحيث أيقظ في دهشة، ثمّ في غضب، شعوبَ الغرب، الغارقة حتى قمّة رأسها في أوهام التقدّم، والتفوّق، والديمومة والمتع، وشعوباً أخرى كثيرة، كانت أبداً تسعى منهكة، وراء الغذاء والسكن، والكرامة والحرّيّة.

أجل، إنَّ هذا الحدث، الذي لم يكن المحتلّ الإسرائيلي ليتوقّعه بالمطلق، هو المخدّر حتى النشوة، بفعل انتشاره العالميّ الصريح، لا يني يثير التساؤلات، ويفتح آفاقاً جديدة للبحث. وقد حظي البعض من أبعاده، بالاهتمام والدراسة.

إلّا أنّ هناك بُعداً آخر، يبدو لي أنّه يعلو على الكثير من الأبعاد، بل هو يفسّر بعضها، وإني لا أجد حرجاً في تسميته بالبُعد الروحيّ، على ما قد يبدو من غرابة في هذه التسمية.

أجل، إنّه البُعد الروحيّ، في عالمٍ يبدو أنّه أزال جذريّاً، منذ زمان بعيد، كلّ إحالة، لا إلى الروح وحسب، بل أيضاً إلى كلّ ما هو من الأخلاق، هذا فيما لو كانت أي إحالةٍ إلى الروح أو إلى الأخلاق، قد حدثت عبر التاريخ الإنسانيّ كلّه.

وإلى ذلك، فإنّ ما يجري في غزّة، منذ (7/10/2023)، إنّما هي حرب إفناء، بين عدوَّيْن لدودَيْن، ولكنّهما يمتلكان قوّتَيْن تتفاوتان على نحوٍ كلّيّ.

فمن جهة، هناك المحتلّ الإسرائيليّ. إنّه يتمتّع منذ (75) عاماً، بقوّة غير محدودة، وهو على يقين أيضاً بدعم الغرب كلّه له، دعماً متعدّداً وغير مشروط، وبمساندة خبيثة، ولكن جليّة، من معظم القوى الأخرى، وكذلك على الأخصّ، من غالبيّة الدول العربيّة والإسلاميّة. ولذلك، فهو يدوس في وحشيّة وكراهية، وغطرسة، لا عهد للعالم كلّه بمثلها، ودونما أيّة إدانة، جميع القوانين والمعاهدات الدوليّة.

ومن جهة ثانية، هناك ما تبقّى من الشعب الفلسطينيّ، وقد شُطِر فوق أرضه بالذات إلى ثلاثة. ثمّة أوّلاً من أصبحوا مواطني الدرجة الثانية، في الأراضي الفلسطينيّة التي احتُلّت عام (1948)، والتي أُقيم عليها عنوةً، ما سُمّي “دولة إسرائيل”، والذين ينتصب فوق رؤوسهم، مثل سيف “داموكليس”، تهديد متكرّر بتهجيرهم الجماعيّ! ثمّ هناك سكّان الضفّة الغربيّة، الخاضعين منذ عام (1967) لقمع لا يرحم، هم الذين يشكّل بالنسبة إليهم، منذ معاهدة “أوسلو” المزعومة (1993)، ما يُسمّى بالسلطة الفلسطينيّة، إحدى أدواته الرئيسة. وأخيراً غزّة! غزّة، العرين العصيّ على الترويض، للانتفاضات الكثيرة، وإن كانت قد حُوِّلت، منذ ما لا يقلّ عن سبعة عشر عاماً، تحت سمع وبصر عالم جبانٍ وأعمى، إلى معتقل بشريّ ضخم… غزّة التي كانت جميع حركات المقاومة فيها، لا تزال عصيّة على الاتّفاق في ما بينها، في وجه العدوّ المشترك.

 

 

وإذ بغزّة هذه، قد عرفت أن تُعِدّ، فوق الأرض وتحت الأرض، بطريقةٍ وثمنٍ لا يعرفهما سوى الله، هذه الهجمة المفاجئة، المسمّاة “طوفان الأقصى”، التي سوف يُقيَّض لها، كما يبدو لي، أن تتحوّل يوماً بعد يوم، إلى ما يشبه ملحمةً أسطوريّة، تبشّر بعصرٍ من التحرّر العالميّ!

أترك لجميع المحلّلين والمخطّطين، على اختلاف اختصاصاتهم، أن ينصرفوا بكلّ ما لديهم من وقتٍ ودراية، إلى دراسة جميع المعطيات الممكنة والمتخيَّلة، الراهنة والمستقبليّة، الخاصّة بهذا الحدث. وإنّي لأصرّ من جهتي، على التوقّف عند ما سمّيتُه بُعدَه الروحيّ، وإنّه حقّاً لمذهل!

ذلك بأنّه هو وحده، كما أرى، استطاع، على نحو خفيّ، ولكن عميق وبالغ العظمة، أن يُلهم، ويُحرِّض، ويُعِدّ، ويشحن على نحوٍ كلّيّ، جميع الغزّاويّين المدنيّين أيضاً، من رجال ونساء، ومن كبار السنّ وشبّان وأطفال، في سبيل معركة لن يكونوا فيها كلّهم، سوى شهداء، كي ينقذوا في آن واحد، فلسطين وكرامة الإسلام، المتمثّلة في “المسجد الأقصى”، ثالث الحرمين الشريفين! وأمّا هذا النزاع، فقد كان جميع المقاومين الفلسطينيّين، من جهتهم – بعد أن كانوا حتى اللحظة، على خلاف كلّيّ، على الرغم من جميع هزائمهم الماضية، ومحاولات المصالحة المتكرّرة! – يعرفون أنّه سيكون حاسماً ونهائيّاً، وقد أرادوه كذلك، في مواجهة خصمٍ مقتدر، يتمتّع بتفوّق كلّيّ، ولا تعرف الرحمةُ إلى قلبه سبيلاً.

ولذا، فإنّ ما يجري في غزّة، منذ (7/10/2023)، فوق مساحةٍ لا تتجاوز (365) كم2، ليس في نظري، سوى معجزةٍ تفوق طاقةَ البشر.

وخلال ساعات قليلة، انقلبت “إسرائيل” – “إسرائيل” المُحرَّمة!” – رأساً على عقب! فهاهم المقاومون الفلسطينيّون، وقد حقّقوا على نحو خارق، وحدتَهم وتنظيمهم وتسليحهم فوق الأرض وتحت الأرض، يجتاحون المستوطنات، التي كانت أبداً تحاصر غزّة، وتهدّدها، وتدمّرها على نحو دائم، ودونما شفقة، ويعودون منها بمئات الأسرى، من مدنيّين وعسكريّين!

وأمّا الصدمة التي أحدثها هذا الهجوم المفاجئ، فقد هزّت العالم كلّه على نحو متسارع، فأخذت الجماهير، في كلّ مكان تقريباً، وخصوصاً في العواصم والمدن الأوروبية والأميركيّة، تندفع تلقائيّاً، وعلى نحو متضخِّم منذ أشهر، وكلّها تؤيّد فلسطين بضراوة. وإنّ لفي هذا الاندفاع، ما يوحي بوجود مصدر له، أبعد من غزّة وفلسطين… حتّى إنّ بعضهم رأى فيه ردّة فعل طال انتظارها، طبيعيّة وسليمة، حيال ما يشكّل تهديداً خفيّاً، وإن حقيقيّاً ومتواصلاً، لوجود الأسرة البشريّة برمّتها…!

تُرى، أبذلك ستكون فلسطين، مرّة أخرى، كما كانت لألفَي سنةٍ خلت، بوّابةً لعصر جديد؟

أُسقِط بيد حلفاء “إسرائيل” الأقوياء، وهبّوا بسرعة لنجدتها. فهرول عرّابوها الأميركيّون إلى تل أبيب، وكذلك فعل أجراؤهم الأوروبيون، وتباروا في الإعلان عن تبعيّتهم لها، ودعمهم المتعدّد وغير المشروط.

وأمّا “إسرائيل”، إذ دبّ ما يشبه الخلل في حكومتها وجيشها، فقد هاجمت غزّة بسلاحها المفضّل: الطيران. وأخذت تدمّر على نحو منتظم أحياء بكاملها، تعرف يقيناً أنَّ جميع ساكنيها مدنيّون حصراً. فسقط في ساعات قليلة، مئات من الضحايا، ثمّ الآلاف، بمرور الأيّام والليالي، حتّى تجاوز عددهم في يومنا هذا، (2/2/2024) (27.200) شهيداً، وكان حوالي (70%) منهم من النساء والأطفال!

وممّا لا شكّ فيه أنّ “إسرائيل” ستواصل هذا التدمير إلى ما لا نهاية، تحت سمع وبصر جميع الهيئات الدوليّة العليا، المزعومة، ومحكمة العدل الدوليّة في لاهاي. فهي ليست معنيّة البتّة، لا بالمنظّمات الأمميّة، ولا بقوانينها ومعاهداتها، وتدّعي حقّها المطلق في تدمير غزّة كلّها، بما فيها من أبنية سكنيّة، ومرافق تجارية، ودكاكين متواضعة، ومدارس، ووكالات أنباء، ومحطّات كهربائيّة، ومراكز تموينيّة، وأسواق شعبيّة، ومكاتب لوكالات عالمية، ومساجد وكنائس، بل حتى المشافي والمقابر!

 

 

وأمّا موقف الغزّاويّين، منذ أعمال القصف الأولى، حتّى هذا اليوم، (2/2/2024)، حيال يقينهم القاطع بموتهم المعمّم والوحشيّ، المتوقّع لكلّ منهم، فقد كان، باستثناء حالات أكثر من نادرة، هو هو، فريداً ويتّسم بنبلٍ مذهل!

 

 

لا بدّ للمرء من أن يكون مبتلى بالعمى، حتّى لا يرى بجلاء تام، أنّ هذا الموقف، إنّما هو موقف شعب برمّته، استسلم كلّيّا لله وحده، وإنّه لا يثق على نحو مطلق، إلّا بعدالته وحدها، فاستودعه هو وحدَه، جلّ جلاله، كلّ مُلكٍ لديه، وكلّ حياة، بما فيها حياة أحَبّ أحبّته!

ولذا، كان أهل غزّة، في طريقة وداعهم “لشهدائهم”، ولا سيّما الأطفال منهم، الخالية من كلّ تصنّع، والمتّسمة بكرامة طبيعيّة، وفي إدراجهم في أكفانهم الناصعة البياض، وفي وضعهم على الأرض العارية، وفي الصلاة عليهم في سكينة، قبل أن يواروهم الثرى، في صمت، في المكان المتاح. أقول، إنّهم كانوا في طريقتهم هذه، جديرين بانتزاع الإعجاب لدى أقسى الناس! أوَلَا يتوجّب علينا أيضاً أن نذكر المشهد المثير، للآباء والأمّهات، وهم يكتبون على أذرع أطفالهم هؤلاء، أسماءهم بأحرف كبيرة، من أجل التعرف إليهم بسرعة، في حال انهيار الأبنية فوقهم، كما كانوا يتوقّعون، للعثور عليهم بين الأنقاض؟ وهل يجوز لنا أن ننسى ردود أفعال الأسرى الإسرائيليّين المُفرَج عنهم، وشهاداتهم المدهشة، بشأن التعامل الإنسانيّ الذي حظوا به، لدى “الإرهابيّين” الفلسطينيّين المزعومين؟ والأهمّ من كلّ ذلك، هل يسعنا أن ننسى خصوصاً، اللغة المستخدمة في الإعلان الموحّد عن “مصرع” هؤلاء المدنيّين، وجميع المقاتلين في سبيل العدالة، سواء في غزّة والضفة الغربية، أو في سورية ولبنان والعراق واليمن؟

 

 

أوَلَيس في هذه اللغة بالذات، الدلالة القاطعة على الاستعداد الأساس، لدى كل من المدنيّين والمقاتلين، للموت استشهاداً؟ ولذلك، كان الإعلان عن استشهادهم “نبأً سارّاً يُزَفّ”، فيما موتهم لم يكن سوى “ارتقاء”!

 

 

أجل، لا بدّ للمرء من أن يكون أعمى أو… غبيّاً، كي لا يتّضح له، إزاء مثل هذه الاستعدادات الفريدة بالمطلق، في حوليّات الحروب، أنّه حقّاً أمام شعب برمّته شاء بكلّ ما في الكلمة من معنى، أن يشرّف وجوده بالاستشهاد في سبيل قضيّة مزدوجة وموحّدة: الله وفلسطين!

وهنا، أجدني مضطرّاً للاعتراف الصريح، بوصفي كاهناً عربيّاً كاثوليكيّاً من سورية، أنّني، إذ أستعرض الألفيّتَيْن الماضيتَيْن من التاريخ البشريّ، لا أقف عند ما يماثل درب الآلام، الرهيب والطويل، الذي فُرِض على الشعب الفلسطينيّ على يد الصهاينة، منذ (75) سنة، والذي يتوّج اليوم بهذا الواقع الراهن، سوى درب الآلام الرهيب والطويل الذي كان قد فرضه على السيّد المسيح والمسيحيّين الأوّلين، طوال أكثر من (300) سنة، اليهود والإمبراطوريّة الرومانيّة!

 

 

وقد ثبت أنّ مشهد الشهداء المسيحيّين، إذ يُحرَقون أحياء، كما في عهد “نيرون”، أو يُعذَّبون بمختلف أدوات التعذيب، أو تمزّقهم الوحوش الضارية في المدرجات الكبرى، فيقضون في سبيل المسيح، في إيمان وغفران ومحبّة، أقول إنّ هذا المشهد وحده هو الذي انتهى إلى انتصار المسيحيّة، وإلى انهيار الوثنيّة المقتدرة في الإمبراطوريّة الرومانيّة.

وعلى هذا النحو عينه، فقد قُيِّض للفلسطينيّين، بفضل الشهادة الجديدة والمثيرة بالمطلق، التي يقدّمها معاً، المقاتلون-الشهداء، والشعب-الشهيد في غزّة والضفّة الغربية، أن يوقظوا على مساحة الأرض كلّها تقريباً، وعلى الأخصّ في طول الغرب وعرضه، إنسانيّةً كانت تستسلم في غباء، لوثنيّةٍ جديدةٍ وخبيثة، تتّسم بعنصريّة ووحشيّة جذريَّتَيْن.

يا شعوب الأرض، استفيقوا!

(سيرياهوم نيوز ١-مدونة نارام سرجون)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“الوضوء في سورية لأجلِ الصلاةِ في فلسطين”

  بقلم: المهندس باسل قس نصر الله     من يُريد أن يُصلّي في فلسطين عليه أولاً أن يتوضأ في سورية   فالماء السوري طاهر ...