آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » ليبيا.. قصعة الثريد المُثيرة للشهية

ليبيا.. قصعة الثريد المُثيرة للشهية

وجيدة حافي

تصريحات أردوغان الأخيرة مُستفزة وغريبة ليس لليبين فقط بل لكل وطني غيور على وطنه، فقوله أمام البرلمان أن ليبيا إرث عُثماني لابد من حمايته مثلها مثل كل شمال إفريقيا، تجعلنا نشك في نية الرجل من تدخله في هذا الشأن، وإصراره على أيجاد حل يليق به وبمصالحه، فليبيا دولة مُستقلة، حارب شعبها كل أنواع الذل والإستعمار  للإستقلال والحُرية، فمن السنوسي إلى القذافي عاش هذا البلد حُروبا طويلة، وكافح أبنائه بكل ما أُوتوا من قوة وعزيمة لتحرر بلدهم من أيدي الطُغاة والمُستبدين، فهل يظن أردوغان وكل من له مطامع أن يُسلم الليبيون أرضهم على طبق من ذهب بإسم السلام والديمُقراطية؟

 شخصيا لا أظن أن الأمور ستكون سهلة لكل الأطراف المُتنازعة في المنطقة، فليبيا ليست السراج حتى ولو كان رئيسا لحكومة مُعترف بها دُوليا، وليست حفتر العبد المُنفذ للأوامر، هي قبائل مُتداخلة فيما بينها لن تقبل ما يحدث ولن تستسلم بسهولة، فبالعودة إلى كل الأطراف المُتنازعة، سنجد أنهم كُلهم جاءوا بدافع المصلحة وإستغلال منابع بترول هذا البلد، ففرنسا دعمت ومازالت تدعم حفتر للإستلاء على منابع النفط هناك، وللإقتراب من مُستعمراتها القديمة وخاصة الجزائر، لذا تجد دورها غامضا منذ 2011 إندلاع الثورة على القذافي، فالرئيس السابق “نيكولا ساركوزي” تدخل فيها رغم صداقته القوية بالقذافي، فالموقع الجيوسياسي لهذا البلد على شاطئ المُتوسط وبين شمال إفريقيا والشرق الأوسط يجعل “ماكرون” لا يستسلم بسهولة لتركيا وروسيا التي دخلت على الخط، لهذا يلوم نفسه وأوروبا عن عجزهما في حل نهائي للصراع هناك، أما التحالف الثُلاثي بقيادة الإمارات والسعودية ومصر فهدفه إرضاء أمريكا اللاعب الخفي في هذه المُباراة، فترامب رغم كل مشاغله ومشاكله الداخلية والخارجية إلا أن عينه على ليبيا لم تنم، وهو يفعل ما يشاء بفضل عُملائه الذين يدعمون المُشير حفتر، ولحد الآن يبقى الموقف الفرنسي غامض، ففافا تدعم حفتر وفي نفس الوقت تعترف بحُكومة السراج ، وتُطالب بحل سياسي يجمع الجميع لمُحاربة الإرهاب والهجرات الغير شرعية، وطبعا لأخذ حقها من الكعكة الليبية، موقف إزدواجي غامض ستتحدد معالمه في الأيام القادمة بإذن الله.

   تُركيا “طيب أردوغان” كما سلفنا الذكر لما طلب من برلمانه المُشاركة في التدخل، كان طلبا شكليا ورفض الأغلبية أنذاك لم يِؤثر كثيرا لما يتمتع به حزب التنمية والعدالة من أغلبية، لهذا تم الفعل وبدأ الفاعل بتنفيذ مطامحه وأهدافه بمُساعدة الحُكومة التي قيل أنها طلبت مُساعدته وفي نفس الوقت مُساعدته في التنقيب عن الغاز شرقي البحر الأبيض المُتوسط، مع أننا نعيب على حُكومة السراج إن كانت فعلا قد طلبت دعما تُركيا، فتُركيا تبعد آلاف الكيلومترات عن ليبيا والأحرى أن يكون الطلب من الدُول المُجاورة على الأقل لقُربها من الحُدود وتقارب ملفاتها وأهدافها، لأن تُركيا لن تستطيع إمداد الحُكومة  بالقوات البحرية والجوية لتحقيق التفوق والتحكم بميادين القتال دون مُوافقة الجزائر وتونس بإعتبار حُدودهما تُشكل بوابة نحو الأراضي الليبية، ولهذا نرى أن قرار أردوغان لم يكن في محله، فهو إن تدخل من قبل في العراق وسوريا ونجح في فرض فكره وإٍرسال مُقاتلين هناك للقتال، فلأن حُدُوده مع هتين الدولتين سهلت الأمور، بالإضافة إلى هذا فهو يُغازل كل من مصر وإسرائيل، قبرص واليونان، وهو بتوقيعه إتفاق مع السراج في نوفمبر الماضي بعقلية رابح رابح ، بمعنى أدعمك وفي نفس الوقت لي الحق بالمُطالبة بالسيادة على شرقي المُتوسط الغني بالطاقات، هذا دون نسيان حقي في إعادة بناء ليبيا وتعميرها من جديد، مع حشد قاعدته الإنتخابية التي تضررت بفعل الأزمة الإقتصادية.

  روسيا أو الدب الأبيض التي وجدت نفسها في اللعبة، وهي تاريخيا لها مُحاولات لأخذ الوصاية على أقاليم البلد كما حدث مع “جوزيف ستالين” سنة 1945 لما حاول أخذ الوصاية على إقليم طرابلس في ليبيا، ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا البلد عميل أسلحة مُهم للإتحاد السُوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، كذلك في سبعينيات القرن الماضي إنفتح الرئيس السابق “معمر القذافي على موسكو، فبوتين منذ توليه الرئاسة إنفتح بشكل كبير على ليبيا ووضعها ضمن أجنداته ويظهر ذلك جليا عام 2000 أي بعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة، فقد عمد إلى تحسين علاقاته معها، وخاصة بعد لقائه “الرئيس السابق “معمر القذافي”عام 2008، وبمنطق واحدة بواحدة ألغت مُوسكو كل ديون هذا البلد البالغ 5 مليارات دولار مُقابل عُقود تركزت على النفط والسكة الحديدية، كما منح القذافي للأسطول الروسي إمكانية الوصول إلى ميناء بنغازي، لكن بعد موت القذافي تغيرت الأمور ودفع بوتين الثمن غاليا بفقد مكانته التي عززها لسنوات وسنوات،وبدأ خطة عمل جديدة لإسترجاع ما فات. بعدها في عام 2015 إتصل المُشير “حفتر ” بالرئيس الروسي وطلب منه مُساعدة مُقابل هدايا وإمتيازات أسالت لُعاب “بوتين الذي  مُباشرة قبل بالعرض وبدأ العمل مع حفتر، لكن بعدها تواصل مع حُكومة السراج وبرر ذلك أن رُوسيا تنتهج إستراتيجية إقليمية التي تتطلب الإتصال بكل الجهات الفاعلة من أجل وضع نفسه كصانع قرار، ويجدر الإشارة إلى الجماعات العسكرية الروسية الخاصة، أو مجموعة “فانغر ” التي قيل عنها الكثير، فمنهم من يقُول أنها مُنظمة رُوسية شبه عسكرية شاركت في الكثير من الحُروب في رُوسيا، ووصفها البعض بأنها شركة عسكرية خاصة والدولة الروسية تعتبرها غير قانونية، لذا فتقارب وجهات النظر بينهما غير مُؤكدة، فكل هم هذه الجماعات هو المال والمصالح الخاصة، فروسيا” فلاديمين بوتين” يهُمها جدا التصالح مع كل الأطراف لكسب شُركاء جُدد في المنطقة بعد تقسيم الطُورطة، كالجزائر ومصر، وفي نفس الوقت كسب أطراف تضررت مثل فرنسا  قطر وأمريكا

     أما مصر فهمها حماية حُدودها الشرقية من التدخل التُركي وإيقاف زحفه، وفي نفس الوقت عدم تدويل القضية وجعلها في إطارها السلمي حتى تتفرغ للقضية الأهم عندها وهي سد النهضة وحربها الدائمة مع إثيوبيا المُتعنتة، لذا فهي الآن تدعم الموقف الجزائري وتُطالب بالعودة لطاولة المُفاوضات وإيجاد حل سلمي بين الليبيين أنفسهم بمُباركة كل الدُول، أما الجزائر فتبقى هي حجرة الصباط كما يقول مثلنا الجزائري، بمعنى أن وُقوفها مع الشرعية الليبية وعدم إنحيازها لطرف دون آخر هو ما أقلق تُركيا، فالجزائر في البداية أيدت حُكومة السراج وحاولت حل الأمور بعقلانية، لكن لما رأت تمرد تُركيا رجعت عن قرارها وإتجهت  للطرف الآخر لتجمع الجميع على طاولة حوار، الجزائر وتونس مٌقارنة بتركيا يعرفان القبائل الليبية أحسن من تُركيا  ونرجع ونُؤكد على دور هؤلاء في القضية

  فليبيا الآن تمر بمرحلة صعبة  خُصوصا بعد  رفض “أردوغان” أو الحاكم الفعلي للغرب الليبي مُبادرة القاهرة، فالرئيس التُركي يُريد الحُصول أولا على سرت، وهذه المدينة كما هو معروف تُعتبر بوابة لأبار النفط والغاز وإحتياطاته الرئيسية، مفتاح الجنوب ومخزون المياه الليبية، والجزائر لن تقبل بهذا التوسع التُركي،  وهذا ما سيدفعها للتصدي للتدخل التُركي سياسيا وعسكريا إن إقتضى الأمر، والسؤال المطروح هو ماذا تُخبئ الأيام لليبيا وجيرانها؟ وهل سيشتد السباق بين الحل السياسي  والعسكري؟ ولمن ستكون الغلبة يا تُرى، للدُول التي تدعوا للتعقل والحوار والحل السياسي أم للأُخرى التي تعمل على صب   الزيت على النار، سباق مُثير ومُلفت للأنظار فقط هي الأيام القادمة بحول الله كفيلة بالإجابة على كل تساؤلاتنا، والسلام عليكم.

(سيرياهوم نيوز 5 – رأي اليوم 16/6/2020)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن «النّظام الصيني»، أو لماذا نقف مع الصّينيّين؟‬

عامر محسن الجمعة 17 أيلول 2021 يرسل لي الأصدقاء، منذ سنوات، مقالات وأخبار تقارن بين الصين الصاعدة وأميركا، وكيف تلاحق الصين أميركا في هذا المضمار العلمي، ...