الرئيسية » تحت المجهر » مسعود بزشكيان… الذي لم يخلع بزّة «الحرس»

مسعود بزشكيان… الذي لم يخلع بزّة «الحرس»

عبد المنعم علي عيسى

 

لعبت الانتخابات التي شهدتها إيران في أيار 1997، دوراً مفصلياً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، منذ تأسيسها عام 1979. كانت المنازلة آنذاك بين مرشحين هما: علي أكبر ناطق نوري، المحافظ المقرّب من مرشد الثورة، علي خامنئي، ومحمد خاتمي الذي لم يكن ثمة مصطلح دارج لتمييزه عن توصيف «المحافظ» الذي كان ملاصقاً للمرشح الأول. والنتيجة جاءت بفوز خاتمي في تلك الانتخابات، وانفتاح الباب أمام تبلور تيار سيُعرف لاحقاً بـ«الإصلاحي»، ليغدو تعبيراً عن كتلة سياسية راحت تتنامى، وضمّت في ما بعد شخصيات ذات ثقل، من قماشة هادي خامنئي، شقيق المرشد، وحسن روحاني الذي حمل لقب الرئيس السابع لإيران، ومحمد جواد ظريف، الذي شغل منصب وزير الخارجية في الفترة الممتدّة بين عامي 2013 و2021، والتي شهدت توقيع إيران الاتفاق النووي عام 2015 مع الغرب.

 

 

عامَ انتصار الثورة في إيران، كان الرئيس التاسع للبلاد، مسعود بزشكيان، قد أنهى دراسته الجامعية التي منحته صفة طبيب جراح. ومع بروز التحدي الأكبر في خريف 1980، أي الحرب مع العراق، لبس بزشكيان قفاز التحدي، عبر التأسيس لمركز إعداد وتدريب الفرق الطبية التي راحت تمد الجبهة بأطباء وكوادر يحملون صفة «المقاتل» أولاً، قبل أيّ صفة أخرى. كان الانغماس الطويل في أتون الحرب وآلامها قد هيّأ لتبلور شخصية هي أقرب إلى شخصية المحارب الذي يتقن التنقل بين الخنادق التي تعرفها ميادين القتال، وتلك التي تفرضها صيرورة الحياة الدائمة عندما يتقرّر صمت البنادق. وعندما أرخت «محطة 1997» المذكورة بظلالها على المشهد السياسي في إيران، وجد بزشكيان نفسه قريباً من «التيار الإصلاحي» الذي راح يثبت، بمرور الوقت، صلابته وتأصّله في ذلك المشهد. والمؤكد هو أن قراءته لهذه المحطة، وما آلت إليه، كانت تقول إن صناعة القرار السياسي في البلاد لا تحيد عن إرادة الشارع، وإن النظام السياسي القائم ملزَم تماماً بما تقرّه صناديق الاقتراع كنوع من تأكيد الالتزام بشعار سبق للإمام الخميني أن أطلقه في هذا السياق، عندما وصف الصناديق بأنها «مقياس لصوت الأمة».

عمل بصفته نائباً على إقرار قانون يعتبر القوات والاستخبارات الأميركية كيانات إرهابية

 

ومع ولوج بزشكيان الاحترافي إلى فضاءات السياسة عام 2008، حيث أضحى نائباً عن تبريز، راحت ملامح النهج تتّضح أكثر. وفي أول الاختبارات عام 2009، الذي شهد احتجاجات طاولت جزءاً من الشارع الإيراني، قال كلمته المشهورة: «عندما لا تستطيع، لا تتدخّل بشكل حاد»، الأمر الذي فسّره البعض على أنه اعتراض على طريقة تعاطي السلطات مع تلك الاحتجاجات، التي لم تلبث أن خمدت بعد صدور تصريحات من عدة مسؤولين أميركيين مفادها أن واشنطن «لا تعوّل كثيراً على الحراك الدائر في إيران». لكن بزشكيان عاد ليمزّق هذه الصورة عام 2019، لتتّضح التخوم التي يقف عندها نهجه. ففي أعقاب تصنيف الولايات المتحدة لـ«الحرس الثوري» كمنظمة إرهابية، عمل بصفته نائباً في البرلمان، على اتخاذ سلسلة من الإجراءات لإقرار مشروع «تعزيز موقع الحرس الثوري الإيراني ضد الولايات المتحدة»، وهو المشروع الذي قام أساساً على اعتبار القوات العسكرية الأميركية، وكذا الاستخبارات التابعة لها، كيانات إرهابية.

في المقابل، وقف بزشكيان في صف المؤيّدين للاتفاق النووي، انطلاقاً من رؤية تقول إن من الصعب حلّ المشكلات التي تعترض مسار إيران من دون حل مشاكلها مع الخارج، وخاصة الغرب، وهو لا يزال ثابتاً على تلك الرؤية. ولذا، فقد أعلن، عشية ترشّحه للانتخابات الرئاسية، أن «إحياء الاتفاق» سيكون على رأس أولوياته في حال فوزه بالسباق الرئاسي، جنباً إلى جنب أولويات داخلية أخرى على رأسها «الإصلاح الاقتصادي والتحرّر الاجتماعي والتعدّدية السياسية».

في أول تغريدة على منصة «إكس» بعد إعلان فوزه، خاطب الشعب الإيراني بالقول: «لا تتركوني». وعكس هذا التصريح رؤية لدى قائله بضرورة قيام حالة من التناغم بين مكوّنات الداخل، أكبر من تلك التي كانت سائدة من قبل، إذا أرادت إيران ضبط إيقاع سياساتها الخارجية الطموحة والوصول بها إلى برّ الأمان. ولعل ذلك يمثّل التناقض الأساسي الذي يمكن له أن يكون محدّداً لنجاح بزشكيان في مهمته التي قال «إنها صعبة». لكن في مقلب آخر، يبدو أن القاعدة التي استند إليها هذا الأخير، مؤهّلة لرفع الحمولات الواقعة على عاتقها. فمن منظار مجتمعي- طبقي، يمكن القول إن بزشكيان حقّق فوزه بفضل قاعدة انتخابية تتألف من أبناء الطبقة الوسطى في المناطق الحضرية، ومن جيش الشبان الآملين في حل معضلات عدّة تطاول حياتهم الشخصية أولاً، وتطاول أيضاً دورهم كأفراد في مجتمع يبدو وكأن قواه الفاعلة بحاجة إلى إعادة «ضبط المصنع» من جديد، بفعل الحمولات التي تزايدت على إيران ودورها في المنطقة. فالحرب الدائرة راهناً، في الإقليم، هي حرب تحديد السقوف والتخوم والهوامش، وذاك يشمل بالتأكيد جبهة الداخل بالدرجة نفسها التي يشمل بها نظيرتها الخارجية.

على أي حال، أهم ما تقوله جولة الانتخابات الأخيرة، هو أن إيران لا تُقرأ بصورة نمطية وحسابات رياضية فحسب، فالسياسة فيها محكومة بمرونة فائقة هي وليد شرعي لحسابات شعب باحث دائماً عن التجديد، وهو يريد على الدوام إثبات وكالته الحصرية في «صنع» قادته. ومسعود بزشكيان وليد هذه الحالة السابقة.

 

سيرياهوم نيوز1-الاخبار اللبنانية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جعجع «يصفّر» علاقاته لا مشكلاته: حرب مع جنبلاط… آخر «الحلفاء»!

رلى إبراهيم     لا ينام رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع على ثأر. ويصبح أكثر توثّباً عندما يتعلق الأمر بمقاطعة الحزب التقدمي ...