آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » من “كامب ديفيد” إلى “صفقة القرن”.. ماذا يريد ابن زايد؟

من “كامب ديفيد” إلى “صفقة القرن”.. ماذا يريد ابن زايد؟

يبقى الحديث عن التحرك الإماراتي الأخير هو اللغز الأكبر في مجمل تطورات المنطقة بكل معطياتها الإقليمية والدولية.

  • كان “الربيع الدموي” الحلقة الأهم في مسلسل التآمر على القضية الفلسطينية بانعكاساته على الدول الأكثر تأثيراً في هذه القضية.

عندما زار الرئيس المصري أنور السّادات “إسرائيل” في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1977، كان قد مضى 6 سنوات فقط على استقلال الإمارات عن المستعمر البريطاني. وبعد مرور 41 عاماً على اتفاقية “كامب ديفيد” التي وقّع عليها السادات مع الكيان الصهيوني، الّذي حقَّق تفوقاً استراتيجياً على أعدائه العرب، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، وقَّعت الإمارات على المرحلة الأولى من “اتفاقية أبراهام” التي ساعدت “تل أبيب” على تحقيق مكاسب جديدة في المنطقة. 

وبين “كامب ديفيد” الأولى و”صفقة القرن” الثانية، دخل الأردن باتفاقية “وادي عربة” (1994) على الخطّ، ليساعد الكيان الصهيوني على تحقيق مكاسب استراتيجية عسكرية وسياسية ونفسية، ليس في المواجهة مع العرب فحسب، بل في مجمل علاقاته الخارجية أيضاً، وخصوصاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية، إذ قال للآخرين: “الدول العربية تتوسّل إلينا للتطبيع معنا، فلماذا تعادوننا”.

وكان “الربيع الدموي” الحلقة الأهم في مسلسل التآمر على القضية الفلسطينية بانعكاساته على الدول الأكثر تأثيراً في هذه القضية، وأهمها سوريا ولبنان والعراق واليمن، التي تعتبرها “تل أبيب” العدو الأخطر بالنسبة إليها، ولأسباب عديدة. 

ويفسّر ذلك التحالف الإقليمي والدولي ضد الدول الأربع المذكورة خلال السنوات العشر الماضية، لتكون “إسرائيل” الرابح الأول، بل الوحيد، من هذا التآمر بأدواته المختلفة، بما فيها كل ما قامت وتقوم به التنظيمات الدموية، مثل “داعش” و”النصرة” وأمثالهما، بالعشرات في سوريا والعراق وليبيا، والمنطقة عموماً. 

ويبقى الحديث عن التحرك الإماراتي الأخير هو اللغز الأكبر في مجمل تطورات المنطقة بكل معطياتها الإقليمية والدولية، فعندما وقّعت الإمارات، ومعها البحرين، على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني في آب/أغسطس العام الماضي، بوساطة ترامب وصهره اليهودي كوشنير، وقفت بعض دول المنطقة ومعظم الشعوب العربية ضد هذا الاستسلام، ولكن من دون أن تتحرك ضده عملياً، فشجّع ذلك حكام المنطقة على التمادي في الاستسلام بكل عناصره العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، كما هو الحال مع المغرب والسودان، مع المعلومات التي تتحدَّث عن حوارات سرية بين أطراف عربية أخرى و”تل أبيب”، ما دام رد الفعل الفلسطيني والعربي لم يرقَ إلى مستوى المواجهة المباشرة وغير المباشرة، مهما كان الثمن.

هذا الأمر استغلّه حكّام الإمارات، الذين كلَّفهم “المعلم الأكبر” بدور البطولة، بعد أن جربوا تارة حكام السعودية، وتارة أخرى حكام قطر، وكلّهم في نهاية المطاف “في الهوى سوا”، وإلا لما التقى (17 أيلول/سبتمبر 2021) محمد بن سلمان وطحنون بن زايد وتميم آل ثاني على البحر الأحمر “بالشورتات”، بعد أن هدد وتوعد الأول والثاني، ومعهما مصر والبحرين، آل ثاني في حزيران/يونيو 2017، فجاء إردوغان بجيشه لحماية الدوحة، فيما وقف الأميركيون بقواعدهم موقف المتفرج، وفق ما يقتضيه السيناريو الذي كتبوه منذ استقلال هذه الدول وغيرها في منطقة الخليج.

وجاءت المفاجأة الأهم في نجاح أبو ظبي في تسويق نفسها “كمنقذ” للمنطقة، من دون أن تتراجع عن أي خطوة خطتها على طريق التطبيع والتعاون والتحالف مع “تل أبيب”. وجاء اتصال الرئيس الأسد ومحمد بن زايد وزيارة وزيره عبد الله بن زايد إلى دمشق لتثير العديد من التساؤلات حول مضمون الانفتاح السوري على الإمارات وأهدافه، مع استمرار القصف الإسرائيلي على مواقع سورية، بالتزامن مع عقوبات أميركية جديدة على شخصيات ومؤسسات وأجهزة سورية.

وجاءت المفاجأة الثانية والسريعة بزيارة طحنون بن زايد، بشخصيته الغامضة التي يشبّهها البعض ببندر بن سلطان، لأنقرة (18 آب/أغسطس)، ولقائه الرئيس إردوغان الذي لم يتأخّر في الاتصال بمحمد بن زايد ودعوته لزيارة تركيا (24 تشرين الثاني/نوفمبر). وقد قال إنه سيرد على هذه الزيارة بزيارة أبو ظبي في أواسط شباط/فبراير القادم. وكما يقول المثل، زاد إردوغان “الطين بلة”، عندما قال إنه سيصالح السعودية والبحرين و”إسرائيل” أيضاً، بعد أن اتصل برئيسها إسحاق هرتسوغ مرتين. 

وجاءت المفاجأة الثالثة بزيارة طحنون بن زايد لطهران (6 كانون الأول/ديسمبر)، في اليوم الذي كان الوزير فيصل مقداد موجوداً فيها، إذ تحدثت المعلومات عن زيارة قريبة للرئيس إبراهيم رئيسي إلى دمشق، وبعدها إلى أبو ظبي، التي كانت وما زالت من أهم عناصر العداء والتآمر على إيران، بعد الحديث عن “خطرها النووي والشيعي”، وهي اللهجة التي تستخدمها “إسرائيل” منذ الثورة الإسلامية هناك. 

أما المفاجأة الرابعة، فقد فجَّرها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي قام بجولته الخليجية أولاً للتحضير للمرحلة القادمة، مع اقتراب استلامه السلطة مباشرة خلفاً لوالده المريض، ومن ثم الاعتراف “خجلاً” للإمارات بدور البطولة في مسلسل المغامرات الجديد الَّذي سيحظى بدعم عواصم الخليج الأخرى، بما فيها الدوحة، التي تتحدث باسم حليفها الاستراتيجي إردوغان.

ويفسر ذلك زيارة إردوغان المفاجِئة إلى الدوحة، ولقاءه الأمير تميم، وسط المعلومات التي تتحدث عن تعاون قطري وإماراتي معاً، وعلى حدة، مع أنقرة في مجال الصناعات العسكرية. وسبق ذلك التوقيع على اتفاقية عسكرية مع الدوحة، تسمح تركيا بموجبها لطائرات سلاح الجو القطري (36 طائرة) بالتحليق والتدرب في الأجواء التركية والبقاء في قواعدها كيفما تشاء، من دون أن يكون واضحاً الطرف المستهدف بهذا التعاون العسكري، بعد أن تجاهلت الإمارات، ومعها السعودية، أحاديثها السابقة عن خطر الإخوان المسلمين المدعومين من إردوغان، على حد قولهم وقول الرئيس السيسي، الذي يكتفي الآن بمراقبة تحركات حلفائه الخليجيين. 

ويبقى الرهان على عدد من إشارات الاستفهام والتساؤلات، وأهمها: كيف ستستمر دمشق وطهران في “انفتاحهما” على أبو ظبي، التي لن تتراجع عن “غرامها الساخن” مع “تل أبيب” بحكومتها العنصرية الصهيونية الإجرامية؟ ومن ثمّ هل ستتجاهل سوريا وإيران استمرار الإمارات، ومعها السعودية، في عدوانها الغاشم، ليس على شعب اليمن فحسب، بل على الشعب اللبناني أيضاً، الذي يتعرّض لمخطّطات استعمارية إقليمية ودولية، وعبر أدواتها في الداخل المدفوع لها مسبقاً وأبداً من أنظمة الخليج؟

وقد أثبتت معاً في أزمة الوزير قرداحي أنّها لن تتخلى عن نهجها التآمري، لأنَّ ذلك حالة جينية مستعصية، وعلاجها في واشنطن، وإلا فالموضوع لا يحتاج إلى كل هذه التحركات “الدبلوماسية”، التي يقال إن الهدف منها هو ترتيب أمور المنطقة بعد أن استهلك “الربيع العربي” الدموي طاقات الجميع، والفضل في ذلك لأنظمة الخليج. وكانت معاً قد فعلت ما فعلته في سوريا عبر تركيا، باعتراف رئيس وزراء قطر السابق محمد بن جاسم، الذي اشتهر بمقولته عن “الصيدة التي فلتت”، ويقصد بها الرئيس الأسد. 

ويعرف الجميع أن الأسد سيبقى “الصيدة” التي سيجري خلفها ملوك الخليج وأمراؤهم، وأياً كان أسماؤهم، ما داموا يتحركون بتعليمات “سيدهم الأكبر” وأوامره، ورضاه عليهم جميعاً مرهون بشعورهم العاطفي تجاه “إسرائيل”، وهو ما كانوا يفعلونه سابقاً في السر، والآن في العلن، من دون خجل وحياء، وهم يريدون لهذا الطبع أن يسود في بلدانهم وكل الدول العربية والإسلامية، وإلا إذا كان السلام هو هدف ابن زايد، كما كان هدف السادات، ومن بعده الملك حسين، بانعكاسات ذلك على اتفاقية “أوسلو” التآمرية، فلماذا لا يذهب ابن زايد إلى “إسرائيل”، ويقنع أشقّاءه اليهود بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان؟ ثم لماذا لا يعتذر ومن معه من الحلفاء الجدد والسابقين من الشعب السوري الذي ألحقوا به ضرراً لم يشهده تاريخ البشرية؟ ولماذا لا يذهب مع حلفائه إلى دمشق ويساعدون الدولة السورية في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، لتكون سوريا بوابتهم للعودة إلى لبنان التي كانت قبلتهم للسياحة عبر سوريا!

وأخيراً، هل سيكفّ حكام الإمارات عن تكرار ما يردده الصهاينة كالببغاء عن خطر إيران “النووية الشيعية”، التي لم يكن أحد يتحدث عنها عندما كان الشاه “الشيعي” يحكم طهران، وبتحالف مع “إسرائيل” وحكام الخليج جميعاً، وهم آباء الحكام الحاليين أو أجدادهم؟ ومتى؟ 

عسى أن تكون دمشق وطهران، ومعها بغداد وصنعاء وبيروت والجزائر وتونس، قد حصلت منهم على ما يكفيها ويكفي شعوب المنطقة من الضمانات التي ستحقق الحد الأدنى من المصالح المشتركة للجميع، وهو ما لن يتحقق إلا بموقف عربي مشترك في مواجهة الغطرسة الصهيونية ومن يدعمها إقليمياً ودولياً.

(سيرياهوم نيوز-الميادين ١٠-١٢-٢٠٢١)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مشهد روسيا وإيران والسعودية من شرفة أنقرة

اطمئنان الدبلوماسية الروسية إلى انسحاب تركيا، الآجل أو العاجل، من إدلب، لا يجد لدى الأجهزة الدبلوماسية المعنية بالوضع السوريّ ما يبرّره، سواء عراقياً، حيث ثمة ...