آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » آدم سميث ضدّ صندوق النقد الدولي

آدم سميث ضدّ صندوق النقد الدولي

 

كريم حداد

 

 

منذ اندلاع الانهيار المالي في لبنان، تتوالى تقارير صندوق النقد الدولي حاملة الوصفة نفسها، كأنّها نصّ واحد يُعاد نسخه مع تغييرات طفيفة في اللغة لا في الجوهر: تقليص الدولة، رفع الدعم، خصخصة القطاعات العامة، تحرير الأسعار، وتخفيض «كلفة العمل». تُقدَّم هذه الإجراءات بوصفها شروطًا تقنية «علمية» و«حيادية»، لا تقبل النقاش السياسي، وتُسوَّق باعتبارها الطريق الوحيد الممكن للخروج من الأزمة. وفي خلفية هذا الخطاب، يلوح اسم آدم سميث كمرجعية ضمنية غير مُعلنة: السوق أصلح من الدولة، والمصلحة الفردية كفيلة بإعادة التوازن، وأي اعتراض ليس سوى حنين شعبوي إلى دولة فاشلة.

 

غير أنّ هذا الاستدعاء، في الحالة اللبنانية تحديدًا، لا يمثّل فقط قراءة خاطئة لآدم سميث، بل تشويهًا صريحًا لنصّه وفلسفته، واستخدامًا انتقائيًا لتراث اقتصادي كلاسيكي لتبرير سياسات تقشفية تُفاقم الانهيار بدل معالجته. ما يجري ليس نقاشًا اقتصاديًا حرًا، بل فرض مسار سياسي واجتماعي باسم «العلم»، مع استحضار اسم سميث بوصفه شاهدًا أخلاقيًا على ضرورة تحمّل المجتمع كلفة الانهيار.

 

تقارير صندوق النقد عن لبنان تنطلق من فرضية تبدو بديهية في ظاهرها: المشكلة الأساسية هي «الدولة الكبيرة» و«القطاع العام غير الكفؤ». بناءً على هذه الفرضية، تُطرح الخصخصة كحلّ شبه كوني، من الكهرباء إلى الاتصالات، ويُقدَّم تقليص الإنفاق الاجتماعي بوصفه ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خيارًا اقتصاديًا. غير أنّ ما يُغفَل عمدًا هو أنّ لبنان ليس دولة رفاه متضخّمة، ولا دولة تدخّلت تاريخيًا لحماية الطبقات الشعبية، بل دولة ضعيفة أصلًا، تخلّت منذ عقود عن أدوارها الاجتماعية، وتركت المجتمع رهينة السوق والزبائنية معًا.

 

الدولة اللبنانية لم تكن يومًا دولة ضمان اجتماعي شامل، ولا دولة تعليم عام قوي، ولا دولة نقل وسكن وصحة. ومع ذلك، تأتي وصفات صندوق النقد لتتعامل معها كما لو كانت دولة مُسرفة، يجب تأديبها وتقليصها. هذا الخلط ليس بريئًا، بل يسمح بتحويل المشكلة من خلل بنيوي في النموذج الاقتصادي–المالي إلى «فشل إداري» يُعالج بالانسحاب لا بإعادة البناء.

 

هنا تحديدًا يصبح اسم آدم سميث أداة تضليل. فصندوق النقد، كما الخطاب النيوليبرالي اللبناني المرافق له، يتصرّف كأنّ سميث كان يرى في السوق بديلًا من الدولة. والحقيقة أنّ سميث كان يرى العكس تمامًا: السوق لا تعمل اجتماعيًا من دون مؤسسات عامة تحمي شروطها الأخلاقية والإنسانية. الدولة، عنده، ليست عبئًا يجب التخلص منه، بل عنصر توازن يمنع السوق من التحوّل إلى قوة تدميرية، ويحول دون انقسام المجتمع إلى رابحين دائمين وخاسرين دائمين.

 

في لبنان، حيث أدّى انسحاب الدولة المزمن من التعليم، والصحة، والنقل، والسكن، إلى تحويل هذه الحقوق إلى سلع، تأتي وصفة صندوق النقد لتُكمل المسار نفسه لا لتصوّبه: مزيد من السوق، ومزيد من تحميل الأفراد كلفة الانهيار. يُقال للبنانيين إن رفع الدعم «ضروري»، وإن خصخصة الكهرباء «إصلاح»، وإن تخفيض الأجور «إعادة توازن». لكن ما لا يُقال هو أنّ هذه السياسات تفترض مجتمعًا قادرًا على الاحتمال، وسوقًا تنافسية فعلية، ومؤسسات رقابية فاعلة، وقضاءً مستقلًا، ودولة قادرة على الضبط – وهي شروط غائبة تمامًا في الحالة اللبنانية.

 

في ظل غياب هذه الشروط، لا يؤدّي تحرير الأسعار إلى منافسة، بل إلى احتكار. ولا تؤدّي الخصخصة إلى تحسين الخدمة، بل إلى نقل الريوع من الدولة إلى شبكات خاصة. ولا يؤدّي تخفيض الأجور إلى زيادة الإنتاجية، بل إلى توسيع دائرة الفقر والهجرة. ومع ذلك، تُقدَّم الوصفة نفسها، وتُحمَّل نتائج فشلها للمجتمع، لا للنموذج المفروض عليه.

 

الأكثر فداحة أنّ خطاب صندوق النقد يتجاهل البعد الاجتماعي للعمل، وهو البعد الذي شغل آدم سميث نفسه بعمق. سميث لم يرَ في العمل مجرّد كلفة يجب خفضها أو بندًا حسابيًا في ميزانية الدولة، بل نشاطًا إنسانيًا يمكن أن يتحوّل، إذا أُسيء تنظيمه، إلى مصدر تجهيل وإفقار عقلي وأخلاقي. لهذا السبب، ربط سميث بين السوق والتعليم العام، لا بين السوق وترك المجتمع لمصيره.

 

لم يكن لبنان يوماً دولة ضمان اجتماعي شامل، أو تعليم عام قوي، أو حتى دولة نقل وسكن وصحة. ومع ذلك، يتعامل صندوق النقد معه كما لو كان دولة مُسرفة، يجب تأديبها وتقليصها

 

في لبنان، حيث يُترك التعليم العام ليتداعى، وتُدفع الأسر إلى تمويل تعليم أبنائها على حساب معيشتها، تأتي توصيات صندوق النقد لتضغط أكثر على الأجور والوظائف، من دون أي رؤية تعويضية. يُطلب من اللبناني أن يتحمّل كلفة «الإصلاح»، فيما تُترك شروط الكرامة الاجتماعية خارج النقاش، وكأنّها ترف غير علمي.

 

ثمّة مفارقة صارخة في قلب الخطاب الصندوقي: الصندوق يطالب الدولة اللبنانية بالانسحاب من دورها الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه يطالبها بفرض ضرائب جديدة غير مباشرة، وبتحمّل كلفة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أي تحميل المجتمع نتائج سياسات لم يكن شريكًا في صنعها. هذا ليس «اقتصاد سوق»، بل اجتماع خسائر خاصّة وأرباح خاصّة أيضًا، حيث تُحمى المصارف، وتُقدَّس الديون، ويُطلب من المجتمع أن يدفع الثمن.

 

هذا المنطق يناقض حتى أبسط مبادئ العدالة التي كان سميث حريصًا عليها. فالسوق، عنده، ليست مبرّرًا لشرعنة الامتياز، ولا أداة لتكريس اللامساواة، بل آلية تحتاج إلى ضوابط كي لا تتحوّل إلى وسيلة افتراس اجتماعي. أمّا تحويل الأزمة اللبنانية إلى «فرصة إصلاح» عبر التقشف، فهو أقرب إلى عقاب جماعي منه إلى معالجة اقتصادية.

 

إن استخدام اسم آدم سميث في تبرير وصفات صندوق النقد للبنان لا يصمد أمام نصّ «ثروة الأمم» نفسه. سميث لم يكن منظّرًا لانسحاب الدولة في مجتمع هشّ، ولا داعية لترك الفئات الأضعف لقوانين السوق، ولا مبرّرًا لتحويل الأزمات البنيوية إلى فرص لإعادة توزيع الخسائر من الأسفل إلى الأعلى. كان فيلسوفًا أخلاقيًا يرى في الاقتصاد أداة لتنظيم المجتمع، لا آلية لمعاقبته.

 

المشكلة في لبنان ليست أنّ الدولة «تتدخّل كثيرًا»، بل أنّها تتدخّل تاريخيًا لصالح القلّة، وتنسحب أمام الأكثريّة. وصندوق النقد، بدل أن يعالج هذا الخلل البنيوي عبر إعادة بناء الدولة ووظائفها، يقدّم وصفة تزيده حدّة، ثم يغطّيها باسم «العلم» و«اقتصاد السوق» و«آدم سميث».

 

الردّ الحقيقي على هذه السياسات لا يكون برفض السوق بوصفها آلية، بل برفض تحويلها إلى ذريعة لتفكيك ما تبقّى من المجتمع. السوق، من دون دولة عادلة، ليست حريّة بل فوضى مقنّعة. وإذا كان لا بدّ من استدعاء آدم سميث في النقاش اللبناني، فالأمانة الفكرية تفرض استدعاءه ضدّ هذه الوصفات لا باسمها، واستعادته بوصفه مفكّرًا للحدود، لا مُنظّرًا لانسحاب الدولة، وفيلسوفًا للسؤال الاجتماعي، لا شاهدًا زورًا على انهياره.

 

ويبلغ هذا المسار ذروته في ما سُمّي «قانون الفجوة المالية»، الذي قُدِّم بوصفه أداة تقنية لإدارة خسائر الانهيار، فيما هو في جوهره تشريع لتوزيع الخسائر على نحو غير عادل. فبدل الانطلاق من تحديد المسؤوليات—من السياسات النقدية، إلى دور المصارف، إلى هندسات الدين العام—يجري اختزال الأزمة في «فجوة» رقمية تُسدّ عبر اقتطاعات مباشرة وغير مباشرة من ودائع الناس، وعبر تحميل المجتمع كلفة تصحيح ميزانيات لم يُسمح له يومًا بمراقبتها.

 

هذا القانون، كما صيغ ويُسوَّق، ينسجم تمامًا مع منطق صندوق النقد: حماية الاستقرار المالي كما تُعرِّفه المصارف، لا حماية الاستقرار الاجتماعي. وهو، بهذا المعنى، يناقض الروح السميثية ذاتها، التي ترى أنّ الأسواق—ولا سيما المالية—تحتاج إلى قيود صارمة عندما تهدّد العقد الاجتماعي. فآدم سميث لم يكن ليقبل بتحويل الخسائر الخاصة إلى عبء عام، ولا بتجريد الناس من حقوقهم باسم «الضرورة التقنية»، ولا بإضفاء طابع قدري على اختيارات سياسية قابلة للنقاش والمساءلة.

 

ومن هنا نصل إلى السؤال الأعمق الذي تتجنّبه تقارير الصندوق ويتهرّب منه النقاش الرسمي: مسألة السيادة والقرار الاقتصادي في لبنان. فالاقتصاد ليس حزمة إجراءات محاسبية تُستورد جاهزة، بل خيار سيادي يحدّد من يدفع الثمن ومن يجني المكاسب. حين تُصاغ القوانين المفصلية—من الفجوة المالية إلى إعادة هيكلة المصارف—وفق شروط خارجية، ومن دون نقاش عام فعلي، يصبح «الإصلاح» مرادفًا لنقل القرار الاقتصادي من المجتمع إلى غرف مغلقة.

 

هذا لا يعني رفض التعاون الدولي، بل رفض تحويله إلى وصاية. والسيادة هنا ليست شعارًا، بل قدرة الدولة على تحديد أولوياتها: حماية المودعين الصغار، إعادة بناء الخدمات العامة، ضبط القطاع المالي، وربط الاستقرار المالي بالعدالة الاجتماعية. استعادة آدم سميث على نحو أمين تقود إلى هذه الخلاصة بالذات: لا سوق بلا دولة، ولا إصلاح بلا سياسة، ولا تعافيَ بلا قرار اقتصادي وطني يُحاسَب عليه أصحابه.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما هي أسباب عدم استقرار الليرة ولاسيما بعد طرح العملة الجديدة في الأسواق؟

ميليا اسبر: تذبذب واضح في سعر الصرف خلال الأيام القليلة الماضية حيث يشهد اليوم ارتفاعاً ملحوظاً بعد استقراره لفترة قاربت الشهر، ومن المؤكد أن هذا ...