يعاني معظم الناس من آلام الظهر في مرحلة ما من حياتهم، إذ تشير التقديرات إلى أن 8 من كل 10 أشخاص في الولايات المتحدة يمرّون بهذه التجربة. ومع مرور الوقت، ارتفعت نسبة من يصفون هذه الآلام بأنها مزمنة، ما يجعلها قضية صحية متنامية.
ورغم أن التأثيرات النفسية للألم المزمن، مثل التهيّج والعصبية، معروفة نسبياً، فإن تساؤلات أخرى بدأت تطرح نفسها: هل يمكن أن يؤثر هذا الألم أيضاً في طريقة تفاعلنا مع الضوء أو الصوت أو حتى اللمس؟
دراسة تكشف رابطاً غير متوقع
بحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «Annals of Neurology» أن الأشخاص الذين يعانون من آلام مزمنة في الظهر يعالجون الأصوات، خصوصاً المزعجة منها، بشكل أكثر حدة مقارنةً بمن لا يعانون من الألم.
وخلال الدراسة، استمع المشاركون إلى أصوات غير مريحة، مثل احتكاك سكين بزجاج، وهي أصوات تُعرف بقدرتها على إثارة الانزعاج لدى كثيرين. لكن النتائج كشفت أن الأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن لم يكتفوا بوصف هذه الأصوات بأنها أكثر إزعاجاً، بل أظهرت أدمغتهم أيضاً استجابة أقوى تجاهها.
الدماغ يضخّم الإحساسات… وليس الألم فقط
يشير الباحثون إلى أن هذه النتائج تعكس ميلاً لدى الدماغ إلى تضخيم المعلومات الحسية غير المريحة بشكل عام، وليس الألم فقط.
وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، يوني ك. أشار: «قد يكون هناك ما يشبه مفتاح تحكّم مشترك في الدماغ يضبط شدة ألم الظهر ومدى إزعاج الأصوات»، مع التأكيد على أن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
كيف يعالج الدماغ الصوت والألم؟
تتم معالجة الصوت في القشرة السمعية الموجودة في الفصين الصدغيين من الدماغ، بالقرب من الأذنين. وفي الوقت نفسه، تلعب مناطق أعمق، مثل الجزيرة الدماغية (Insula)، دوراً في تشكيل التجربة العاطفية للإحساسات، بما في ذلك الألم وبعض الأصوات.
في هذه الدراسة، حلّل الباحثون صور الدماغ لـ142 شخصاً يعانون من آلام مزمنة في الظهر، وقارنوها بـ51 شخصاً لا يعانون من الألم. وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، تم تتبّع تدفق الدم ومؤشرات أخرى أثناء استماع المشاركين إلى أصوات مزعجة بدرجات مختلفة من الشدة، ثم طُلب منهم تقييم مدى إزعاجها.
نتائج واضحة… واستجابة دماغية أقوى
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يعانون من الألم لم يقيّموا الأصوات على أنها أكثر إزعاجاً فحسب، بل أظهرت أدمغتهم أيضاً نشاطاً أقوى مقارنةً بمن لا يعانون من الألم.
وقال أشار: «لقد أكّد ذلك ما أخبرونا به، وهو أن هذه الأصوات كانت بالفعل أكثر إزعاجاً بالنسبة لهم».
هل الحساسية نتيجة الألم أم سببه؟
توضح الباحثة في مجال الألم المزمن، كاثرين مارتوتشي، أن هذه النتائج قد تساعد في تفسير ظواهر لا يربطها كثيرون بآلام الظهر، مثل الحساسية تجاه الصوت أو الضوء أو الضغط، وهي أعراض تُنسب غالباً إلى حالات مثل الصداع النصفي أو الفيبروميالجيا.
ومع ذلك، لا يزال السؤال الأساسي دون إجابة واضحة: هل تتطور هذه الحساسية نتيجة للألم المزمن، أم أن الأشخاص الذين لديهم حساسية مسبقة يكونون أكثر عرضة للإصابة بالألم؟
ويشير شون ماكي، المختص في طب الألم، إلى أن الدراسة تضيف «قطعة جديدة إلى اللغز»، مؤكداً أن الألم المزمن يرتبط بنوع من التضخيم الحسي متعدد الحواس.
ما الذي تعنيه هذه النتائج للمرضى؟
يؤكد الأطباء أن من الشائع أن يعاني مرضى الألم المزمن من حساسية إضافية تجاه الضوء والأصوات وإحساسات أخرى، ما يعكس تعقيد العلاقة بين الدماغ والجسم في هذه الحالات.
وفي ما يتعلق بالعلاج، أشار الباحثون إلى أن بعض التحسن في الحساسية السمعية لوحظ بعد تطبيق علاج إعادة معالجة الألم (PRT)، إلا أن الأدلة لا تزال محدودة وغير كافية لتأكيد فعاليته لدى جميع المرضى، ما يستدعي المزيد من الدراسات.
تكشف هذه الدراسة عن بُعد جديد للألم المزمن، يتجاوز الإحساس الجسدي ليشمل طريقة معالجة الدماغ للمحيط الحسي. وبينما لا تزال العديد من الأسئلة مفتوحة، فإن فهم هذه العلاقة قد يمهّد لتطوير طرق علاج أكثر شمولاً في المستقبل.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
