علي عواد
من الصعب أن يجد المرء الكلمات المناسبة لهذا الإحساس. وسط هذا الخراب الهائل، وسط البيوت المفتوحة على السماء، والوجوه التي أنهكها السهر والفقد، يتشكّل في الداخل شعور مغاير. شعور لا ينكر حجم الألم، ويهمس بأن شيئاً ما تبدّل، وأن هذه الأرض، على شدة ما نزل بها، استعادت توازنها في مواجهة الاحتلال، وبدأت تسترد شيئاً من العدل في وجه الاستعمار.
ليس الأمر مجرد رغبة نفسية في الإفلات من ثقل المشهد. الوقائع نفسها تمنح هذا الإحساس مادة حيّة. تتوالى أخبار الميدان، وتتكرر صور الدبابات المحترقة، ويصير التقدم الذي أُريد له أن يبدو كاسحاً، يوماً بعد يوم، أكثر كلفة وأشد تعثراً. يفرض الميدان منطقه. ويعود الذين ظنوا أن النار والتكنولوجيا وحدهما تكفيان لإخضاع المكان إلى مصطلحات ثقيلة عليهم، من نوع المستنقع اللبناني.
حدود التفوق التكنولوجي
لا يُلمس اليوم التفوق التكنولوجي الذي ترك، في الحرب الأخيرة، أثراً صاعقاً في الوعي، بالقوة نفسها. ولا يقتصر مردّ ذلك على تغيّر المشهد الميداني، إنما يتصل أيضاً بما تفعله الصدمة بالشعوب. فهناك لحظات تاريخية كبرى تمرّ على الأمم، فإما تدفعها إلى التيه، أو تنقلها إلى مرتبة جديدة في الوعي، وتدفعها إلى السعي الحثيث نحو موضع أكثر صلابة وكرامة. ويثير الإعجاب هنا أن المقاومة اللبنانية انتقلت بهذه السرعة.
ما بدا، في لحظات سابقة، أقرب إلى قدرة إسرائيلية فوق بشرية على الرصد والمباغتة والقتل وفرض الإيقاع، يظهر اليوم بصورة أقل سطوة، وأكثر عرضة للإغراق والتعطيل والإنهاك. وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أن الاحتلال بنى هيبته، طوال السنوات الماضية، على صورة نفسية زرعها في الوعي: صورة الجيش الذي يرى كل شيء، ويصل إلى كل شيء، وتكون له دائماً اليد العليا. واليوم، تتشوّه هذه الصورة.
المسيّرة وحرب المطاردة
صارت مسيّرات الـFPV من علامات هذه الحرب. تعرف كيف تطارد وتربك وتحرق. وتكمن خطورتها في أنها لا تشبه القذائف التقليدية التي صُمّمت كثير من منظومات الحماية لاعتراضها في مسار واضح قبل وصولها. فهي صغيرة، سريعة، مراوغة، وتقترب من زوايا واتجاهات متعددة. لذلك، لم تعد دبابة الميركافا، المحمية بنظام «تروفي»، تمنح من فيها الإحساس بالأمان. وصار جنود العدو يضطرون إلى التفلّت من الخطر في كل لحظة، أمامهم وخلفهم وعن جانبيهم وفوقهم، كأن عليهم أن يراقبوا خمس جهات دفعة واحدة، هذا عدا العبوات المزروعة في الأرض.
صورة القوة التكنولوجية وصلت إلى حدودها
ولا تختصر هذه التقنية قيمتها في قدرتها على إصابة هدف أو إحراق آلية. يبدأ أثرها نفسياً قبل أي شيء آخر. ويكفي أن يُحتمل وجودها في السماء حتى يتغيّر السلوك، ويصير كل تحرّك محفوفاً بالقلق. ويؤثر هذا السلاح مباشرة في الأعصاب، وفي البنية المعنوية للجندي الإسرائيلي الذي كان يظن أن تفوقه التقني يمنحه درعاً من الفولاذ. وحين يفقد الجندي إحساسه بالأمان، تبدأ بنية القوة كلها بالاهتزاز، حتى لو بقي السلاح في يده أكثر تطوراً من سلاح خصمه.
أبناء الإنترنت
ولا يقتصر التحول الجاري على الميدان. فهناك شيء آخر يتشكّل بعيداً من خطوط النار، وعلى تماس مباشر معها في الوقت نفسه: أبناء الإنترنت، أو جيل الشباب العالمي الذي تربّى داخل المساحة الرقمية نفسها، لم يعودوا يخافون إسرائيل بالطريقة القديمة. ويحدث تبدّل وجداني وسياسي على مستوى واسع.
شاهد جيل كامل الجرائم لحظة وقوعها، وقرأ الشهادات من أصحابها، وتابع الإبادة على شاشة هاتفه، فلم يعد يتلقى الرواية الرسمية بالخضوع نفسه الذي حكم زمن الآباء والأجداد. صار الشاب الأميركي يصرخ بأعلى صوته: «لا أريد أن أموت من أجل إسرائيل». وصارت تغريدات المسؤولين الإيرانيين تتابَع بالملايين، في مشهد يكشف مقدار التحوّل الذي أصاب الشباب العالمي. فهذا الجيل يحاول اليوم انتزاع ولادة العالم الجديد من قبضة زمرة هرمة تتمسك بعالم يحتضر.
ويلتقي شباب من بلدان بعيدة، ومن خلفيات ثقافية لا يجمع بينها الكثير في الظاهر، على إحساس متقارب بالظلم، وعلى نفور متشابه من الاحتلال، وعلى استعداد غير مسبوق للتعبير عن عدائهم له. وليس في هذا التحول شيء بسيط. فهو يعني، في أحد وجوهه، أن الهالة التي أحاطت بإسرائيل طوال عقود فقدت قدراً كبيراً من تأثيرها، وأن الخوف وعقدة الذنب التاريخية اللذين كبّلا الناس لم يعودا يملكان السلطان نفسه.
ولا يمحو كل ذلك الفاجعة، ولا يداوي الخسائر، ولا يعيد الشهداء إلى بيوتهم. غير أنه يقول إن هذه المنطقة ليست محكومة إلى الأبد بأن تكون مسرحاً للذبح، ولا أن يبقى أهلها أسرى الشعور نفسه بالعجز.
ولعل ما يتشكّل اليوم هو بداية زمن جديد في الوعي، يسبق السياسة ويمهّد لها. ويبدو في هذا الزمن أن الإمبراطورية وربيبتها، رغم كل ما تملكانه من تكنولوجيا ونار ودمار، تعجزان عن فتح مضيق، بعد شهر كامل من القتل المتواصل على مدار الساعة. ومن هنا يأتي هذا الحدس العنيد: أن القادم، على شدته، لا يشبه ما مضى تماماً، وأن هذه الأرض، التي دفعت من لحمها ودمها ما يفوق طاقة الوصف، تشقّ طريقها إلى مستقبل أفضل.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
