آخر الأخبار
الرئيسية » الزراعة و البيئة » أحراج منبج تُستنزف.. التعديات تتصاعد والحلول متأخرة

أحراج منبج تُستنزف.. التعديات تتصاعد والحلول متأخرة

خضر الجاسم

تشهد الثروة الحراجية في مدينة منبج، الواقعة شرقي حلب، تصاعداً ملحوظاً في وتيرة التعديات والتحطيب الجائر، الأمر الذي بات يهدد المساحات الخضراء بالتراجع والتدهور نتيجة عمليات القطع والاستغلال غير المشروع، ما يطرح تحديات متزايدة أمام الجهات المعنية بضرورة حمايتها والحفاظ عليها.

وتأثرت مدينة منبج بظروف السنوات الماضية وتداعياتها، وبحالة تعدد القوى المسيطرة عليها، إضافة إلى الظروف المناخية، وفي مقدمتها الجفاف الذي أسهم في تحويل مساحات من الغطاء النباتي إلى أراضٍ شبه جرداء، غير أن العامل البشري كان الأكثر تأثيراً، حيث برزت مظاهر تراجع اللون الأخضر بشكل واضح، مقابل انتشار عمليات قطع الأشجار في عدد من المناطق الحراجية.

ولا يقتصر خطر التحطيب الجائر على الحاضر فحسب، بل يُتوقع أن تمتد آثاره إلى المستقبل، نتيجة بطء تعويض الأشجار الحراجية وحاجتها إلى فترات زمنية طويلة للنمو مجدداً، وفي ظل هذه المعطيات، يتزايد القلق من استمرار هذا النزيف البيئي ما لم تُتخذ إجراءات أكثر فاعلية للحد من التعديات وتعزيز حماية الغطاء الحراجي في المدينة.

الغطاء النباتي في مهب التعديات

تتموضع الأحراج في مدينة منبج أساساً في المناطق الجبلية التي جرى تخديمها عبر شق الطرق واستصلاح الأراضي، بحسب رئيس الضابطة الحراجية في منبج، عبد الهادي المنلا، الذي يوضح أنها تمتد أيضاً على ضفاف نهر الفرات من الجهتين، الجزيرة والشامية، إضافة إلى بعض المناطق الداخلية.

ويقول المنلا في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية” إن الغطاء الحراجي في منبج يضم عدداً من الأنواع المزروعة، من بينها الصنوبر والسرو والكينا ولسان الطير والكازورينا والبطم، مشيراً إلى أن إنشاء هذه الأحراج يعود إلى عام 1986 ضمن أعمال دائرة الأحراج في منبج الهادفة إلى تعزيز الغطاء النباتي.

ويضيف أن مرحلة تحرير منبج وما رافقها من فراغ مؤسساتي استُغلت من قبل بعض المخالفين الذين سعوا لتحقيق مكاسب شخصية عبر التعدي على الأشجار الحراجية، في وقت كانت فيه كوادر الحراج، بمختلف اختصاصاتها من مهندسين وإداريين وشرطة حراج وحراس وسائقين، تواصل أداء مهامها ضمن مديرية الزراعة في محافظة حلب.

وحول دوافع اجتثاث الأشجار، يوضح المنلا أنها تعود إلى عوامل عدة، أبرزها توسع الأراضي الزراعية على حساب المساحات الحراجية، ولجوء بعض الأهالي إلى قطع الأشجار لاستخدامها في التدفئة خلال فصل الشتاء، إضافة إلى فتح معابر على العقارات القريبة من الطرق العامة، والاتجار بالأشجار وبيعها في الأسواق.

ويشير إلى وجود عوامل طبيعية أيضاً، مثل موجات الجفاف التي شهدتها المنطقة في الأعوام الماضية نتيجة انخفاض معدلات الهطول المطري، لا سيما في المناطق الجبلية التي تصل جذورها إلى طبقات صخرية قاسية، ما يؤدي إلى نموها بشكل ضعيف ثم جفافها لاحقاً، إلى جانب انتشار بعض الأمراض التي تصيب الأشجار.

ويبين أن أشجار الصنوبر المثمر في منبج تُزرع بأعداد محدودة، ولم تصل معظمها بعد إلى مرحلة الإثمار، وما وصل منها تعرّض للقطع، ما يشكل خسارة اقتصادية وبيئية في آن واحد، خاصة أن تعويضها يتطلب سنوات طويلة، ويؤكد أن دور حماية الأحراج لا يزال ضعيفاً في الوقت الراهن نتيجة نقص الإمكانات والكوادر البشرية المؤهلة.

هل يحمي القانون الأحراج؟

تُصنّف الجغرافيا السورية ضمن المناطق ذات التباين الملحوظ في انتشار الغطاء النباتي، ورغم التنوع الحيوي الذي تتمتع به، فإن المساحات الحراجية تشغل حيزاً محدوداً مقارنة بالمساحة الكلية للبلاد، ما استدعى وجود منظومة قانونية صارمة لحماية الغابات والأحراج من الاستنزاف.

وقد تجسّد ذلك في صدور القانون رقم (6) لعام 2018، الذي تبنّى تعريفاً شاملاً للحراج باعتبارها المجتمع النباتي النامي، سواء بفعل الطبيعة أو الجهد البشري، ضمن النظام البيئي الحرجي.

كما عرّف القانون أنواع الحراج، وحدد طرق استثمارها والعقوبات المفروضة في حال التعدي عليها، وتضمن تعريفات للمحمية الحرجية الطبيعية والحديقة الوطنية والحديقة النباتية ومنطقة الوقاية، إلى جانب نصوص عقابية صارمة في المواد (29 و30 و31) بحق من يرتكب مخالفات بحق الأحراج.

وتنص المادة (29) على معاقبة كل من يضرم النار عمداً في الحراج أو الأراضي الحرجية أو المحميات أو مناطق الوقاية بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن سبع سنوات، كما تنص المادة (30) على معاقبة من يقوم باستثمار أراضي حراج الدولة المحروقة أو زراعتها خلافاً لأحكام القانون بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس سنوات، فيما تنص المادة (31) على معاقبة كل من يتسبب بنشوب حريق نتيجة الإهمال أو قلة الاحتراز أو مخالفة القوانين بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة.

ويُعد هذا القانون من الأدوات الأساسية للحفاظ على الغطاء النباتي في سوريا، إذ إن تطبيقه بشكل فعّال يسهم في حماية الأحراج والحد من التعديات عليها.

وفي معرض شرحه لآلية العمل في ضبط المخالفات، كشف المنلا أن الاستجابة تبدأ بتحرك فوري للكوادر المختصة فور تلقي أي إخطار، حيث تتوجه الفرق مباشرة إلى الموقع المستهدف لإجراء الكشف الحسي ومعاينة الأضرار على أرض الواقع، وتُعد هذه المرحلة حجر الزاوية في العمل الميداني، إذ يتبعها تنظيم ضبط حراجي رسمي مُرقّم ومؤرّخ بدقة، ليكون الوثيقة القانونية الأولى التي توثّق لحظة الاعتداء على الغطاء النباتي.

وأكد المنلا أن الضبط الحراجي لا يقتصر على الوصف العام للاعتداء، بل يركّز بالدرجة الأولى على حصر الأدلة المادية التي تُدين المعتدين، بدءاً من بقايا الأشجار المقطوعة، وصولاً إلى رصد آثار عجلات الآليات المستخدمة في الموقع، مع ضرورة تدوين الوقائع بدقة وصرامة، لضمان خلو المحضر من أي ثغرات أو تناقضات قانونية قد تضعف حجيته أو تعرقل مسار العدالة أمام القضاء.

وأضاف أن مرحلة الملاحقة تبدأ فور التعرف على الفاعل، حيث يُلقى القبض عليه ويُودع التوقيف القانوني، ليُصار بعدها، وخلال 24 ساعة، إلى عرض الضبط والموقوف على النيابة العامة، وبمجرد إحالة الملف إلى القضاء، يصبح الفصل فيه خاضعاً لقرار القاضي المختص، الذي يحدد مسار العقوبات الرادعة وفق القوانين النافذة، بما يضمن وضع حد لأي اعتداء على هذا الإرث البيئي.

وفيما يتعلق بالحلول المقترحة للحد من التعديات عبر التحطيب الجائر، أوضح المنلا أن وقف هذا النزيف البيئي يتطلب حزمة من الإجراءات العملية لتعزيز حماية المواقع الحراجية، من أبرزها تعيين حراس دائمين، وتعزيز الضابطة الحراجية بحيث يتواجد في كل مخفر نحو عشرة عناصر يتناوبون الخدمة على مدار الساعة لمراقبة تلك المواقع والحد من أي تعديات محتملة.

وأردف أن من الضروري توفير وسائل نقل مناسبة للعاملين في هذا المجال، من خلال تأمين دراجة نارية لكل عنصر في المخفر مع مخصصات للوقود، إضافة إلى تزويد كل مخفر حراجي بسيارة حقلية وأخرى شحن مخصصة لنقل مخلفات الأشجار اليابسة، كما شدد على أهمية تفعيل العقوبات القانونية بحق المخالفين، بما يشمل الغرامات والسجن وفق طبيعة المخالفة، لما لذلك من أثر رادع في حماية الغطاء الحراجي.

وفي ختام حديثه، أكد رئيس الضابطة الحراجية في مدينة منبج أن مديرية الأحراج تعمل على نشر الوعي بين السكان بأهمية الأحراج ودورها البيئي، مشيراً إلى محاولات للتعاون مع جهات إعلامية محلية لنشر إرشادات توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن هذه الجهود لم تلقَ استجابة تُذكر حتى الآن، في وقت لا يزال فيه بعض الأفراد مستمرين في التعدي على هذه الثروة الطبيعية.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعاون فني بين وزارة الزراعة والفاو وإيكاردا لدعم استعادة نظام البذار في سوريا

أجرى وفد فني من الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة السورية، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو“، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا” ...