عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري بمنطقة الشرق الأوسط عقب اندلاع الحرب بين إسرائيل و”حماس” في قطاع غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكن هذا الحضور أخذ خطوات متسارعة في الآونة الأخيرة، وتركز في نطاق البحر الأحمر ممتداً إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
ويتفق كثير من المحللين على أن التعزيزات العسكرية الأميركية في المنطقة هي في الأساس رسالة تحذيرية لإيران، وكذلك لتوجيه ضربات لجماعة الحوثيين بعدما أعلنت استئناف هجماتها على السفن في 15 آذار/مارس الماضي وتسببت في إعاقة حركة الملاحة الدولية بالمنطقة، ما أجبر نسبة كبيرة من السفن، خصوصاً الأميركية، على مسارات أطول وأعلى تكلفة، بعيداً عن طريقها المعتاد عبر قناة السويس، وهو الأقصر والأقل تكلفة.
ورغم اتفاق المحللين على تلك الأهداف، إلا أن ثمة تكهنات بأن تزايد النفوذ الأميركي وعسكرة البحر الأحمر، قد يكون له تأثيرات بالغة الخطورة على الأمن القومي العربي، وخصوصاً مصر، التي تعد قناة السويس أحد أهم مصادرها من العملات الأجنبية. وتعاني القاهرة منذ 2022 أزمة حادة في توفر الدولار، وقد تسببت التوترات الأمنية في البحر الأحمر بخسارة القناة لما يناهز 60 بالمئة من دخلها (7 مليارات دولار) خلال عام 2024.
وساهم في رواج تلك التكهنات الرفض العربي لفكرة تهجير سكان قطاع غزة إلى دول مجاور وتحويله إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، والدور الذي لعبته القاهرة في تقديم خطة عربية بديلة لإعادة تعافي القطاع الفلسطيني من دون تهجير سكانه.
جزيرة ميون اليمنية عبر “غوغل إيرث” – (النهار)
حضور مكثف
وأعلن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل عن توجه حاملة الطائرات “كارل فينسون”، لتلحق بنظيرتها “هاري ترومان” التي تم تمديد عملها في المنطقة إلى نهاية نيسان/ أبريل الجاري، بدلاً من نهاية آذار/ مارس.
كذلك، أرسلت واشنطن ستاً من طائراتها الشبحية (B-2)، وهو ما يمثل 30 بالمئة من إجمالي أسطول الجيش الأميركي من تلك الطائرات، هذا إلى جانب تمركزات عسكرية أخرى، منها ما يوصف بأنه “مدرج طائرات أسطوري” في جزيرة ميون اليمينة عند باب المندب.
وربما تقبل واشنطن بالعرض الذي قدمه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود للرئيس الأميركي دونالد ترامب، يدعوه فيه للسيطرة على قاعدتين جويتين في باليدوجل وبربرة، إضافة لميناءين بحريين هما بربرة وبوصاصو، ليزيد بذلك التواجد الأميركي في المنطقة.
كلمة سحرية
يرى نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية الدكتور مختار غباشي أن “الولايات المتحدة لو كانت تريد حقاً إنهاء عرقلة حركة التجارة الدولية، وتجنب الاضطرار لتحويل قرابة 76 بالمئة من سفنها التجارية لطريق أطول، لفعلت ذلك دون الحشد العسكري الذي تقوم به حالياً”.
ويقول غباشي لـ”النهار”: “بدلاً من تلك الحشود العسكرية الضخمة والمكلفة، كان بإمكان واشنطن أن تضغط على إسرائيل، وتقول لها أوقفي العدوان على غزة، وهذا كان سينهي التوترات التي تشهدها حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر”.
ويشير المحلل السياسي المصري إلى أن الإدارة الأميركية قررت حشد قواتها لتحقيق هدفين معلنين، وهما: توجيه رسالة لإيران بأن ثمة حشوداً عسكرية جاهزة لمهاجمتها، وتسديد ضربات للحوثيين الذين يعيقون حركة الملاحة في البحر الأحمر.
نفوذ كبير
من جانبها، تقول المحللة السياسية الأميركية إيرينا تسوكرمان، لـ”النهار”، إن “واشنطن تبرر نشاطها العسكري المتزايد في البحر الأحمر بحماية التجارة العالمية وضمان حرية الملاحة. وتعد قناة السويس نقطة حيوية للتجارة العالمية، إذ يؤدي أي اضطراب في خطوط الشحن إلى تأثيرات مباشرة على الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا”.
وتضيف: “قد تسببت هجمات الحوثيين في خلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ما استدعى رداً دولياً، إلا أن الوجود العسكري الأميركي “لا يقتصر فقط على مواجهة التهديدات الإيرانية، بل يمنح واشنطن أيضاً نفوذاً كبيراً على مصر، التي تتحكم في قناة السويس. فالقناة ليست مجرد شريان اقتصادي لمصر، بل هي ورقة جيوسياسية استخدمتها القاهرة تاريخياً لإثبات سيادتها”.
وتعتقد تسوكرمان أنه “من خلال تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر، قد تتمكن واشنطن من فرض ضغوط على قدرة مصر في اتخاذ قراراتها بشكل مستقل، ما يجعلها أكثر عرضة للمطالب والتوجيهات السياسية الأميركية”.
معطيات عدة
وثمة عوامل أخرى جعلت تلك التكهنات تلقى ترجيحاً في مصر، ومنها تلويح الإدارة الأميركية بخفض المساعدات للقاهرة بسبب رفضها تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وإن كان ثمة محللون عسكريون وسياسيون أكدوا لـ”النهار” في تقارير سابقة أن هذه الخطوة مستبعدة في الوقت الراهن، نظراً للعلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
كما توقعوا أن البنتاغون -الذي تربطه علاقات تعاون قوية بالجيش المصري- سيرفض خفض المساعدات، لا سيما وأن القاهرة أبدت استعداداً للاستغناء عنها إذا لزم الأمر، لذا فإن البعض رجح أن يكون الحضور العسكري للولايات المتحدة ربما يستخدم كورقة ضغط اقتصادية وسياسية على القاهرة وربما عواصم عربية أخرى.
وإلى جانب هذا، فإن حواراً صحافياً نشرته جريدة “معاريف” العبرية مع ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق إيلي ديكل، أكد أن القاهرة أنشأت مخازن ضخمة للطوارئ، استعداداً لحصار محتمل من دول كبرى، تأتي الولايات المتحدة في مقدمتها.
كل تلك المعطيات، جعلت كثير من المتابعين يتوقعون أن ثمة أسباباً غير معلنة للتعزيزات العسكرية الأميركية المتزايدة التي تتركز في نطاق البحر الأحمر.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار