آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » أرملتان في مخيم اللجوء.. حكايتان سوريتان على طرفي الذاكرة

أرملتان في مخيم اللجوء.. حكايتان سوريتان على طرفي الذاكرة

 

 

في روايتها «أرملتان في مخيم اللجوء» تقدم الكاتبة ابتسام شاكوش عملاً سردياً مكثفاً يضع القارئ أمام مرآتين متقابلتين من المأساة السورية، من خلال امرأتين أرملتين جمعتهما خيمة في أحد مخيمات النزوح، لكن كل منهما تحمل رؤية مختلفة لما جرى، وللمعاني التي خلّفها الخراب في حياتهما.

 

ومنذ الغلاف، تكشف الرواية عن مركزها الإنساني، إذ ترسم صورة لامرأتين في فضاء أحد المخيمات وصلتا إليه مع موجات المهجّرين بعدما حوّلت الطائرات والمدافع المدن والقرى إلى أنقاض، غير أن ما يبدو للوهلة الأولى مصيراً مشتركاً يتكشف تدريجياً بوصفه حكايتين متباينتين عن الذاكرة والولاء والألم.

 

صبرية.. حنين إلى أيام العز

تمثل الشخصية الأولى، صبرية، نموذجاً لامرأة كانت تنتمي إلى شريحة استفادت من منظومة الفساد قبل الثورة، كان زوجها الذي قضى جراء القصف يعمل في الجمارك، وأشقاؤها في أجهزة أمنية، وكانت حياتها ميسورة كما تقول في عبارتها المتكررة: “كنا عايشين”.

 

غير أن قصف جيش النظام البائد لم يفرّق بين موالٍ ومعارض، فتنقلت صبرية بين أحياء دمشق وريفها، وعانت الحصار والتجويع في مخيم اليرموك، قبل أن ينتهي بها المطاف في مخيم اللجوء، ومع ذلك، تبقى حتى نهاية الرواية متمسكة بموقفها الرافض للثورة، ناقمة على من أشعلوا شرارتها.

 

أم أحمد الطرشة.. ذاكرة مثقلة بالصوت المفقود

في مقابل صبرية، ترسم الرواية شخصية أم أحمد، التي فقدت سمعها كما فقدت زوجها حين سقط صاروخ على سقف بيتها فحوّله إلى ركام، تمشي في المخيم وحيدة، لا تسمع حديث أحد ولا تشارك في حديث، غارقة في ذكرياتها.

 

تعود بها الذاكرة إلى ثمانينات القرن الماضي، حين سافرت من إدلب إلى حماة لحضور عرس أختها، فوجدت المدينة خالية إلا من جنود النظام البائد، هناك تكتشف اختفاء أختها، وتسقط قذيفة في باحة الدار تودي بحياة طفلتها، قبل أن تعود إلى جسر الشغور لتعلم بإعدام زوجها مع عدد من رجال البلدة.

 

تتوالى خساراتها، وتتجدد الفواجع حين ينضم أبناؤها إلى الثورة، بينما يؤدي أحدهم خدمته في جيش النظام البائد، لتعيش قلق السؤال القاسي: هل سيلتقي الإخوة على طرفي معركة واحدة، غير أن الرواية تمنحها لحظة عزاء حين تعلم أن ابنها انشق، وأنه وأخوته يقفون في جبهة واحدة.

 

وعند بوابة المخيم، تتأمل بحر الخيام البيضاء، وتلمح في وجوه الأطفال الذين يقلدون المظاهرات وجنازات الشهداء إشارات إلى مستقبل مختلف، فتقول بصوت مسموع: «في هذه الخيام تكمن تباشير النصر، وتباشير دولة لا مكان فيها للظلم»، في عبارة تختزل رؤية الرواية للمعاناة بوصفها مخاضاً لولادة جديدة.

 

المخيم.. فضاء الألم وبذرة التحوّل

لا تكتفي الرواية بتوثيق رحلة النزوح القاسية وسكن المخيمات، بل ترصد التحولات النفسية والاجتماعية التي تصيب الشخصيات تحت ضغط الفقدان والتشظي، فالمخيم ليس مجرد مكان للإيواء، بل مساحة اختبار للمواقف، ومختبر لإعادة تعريف الذات والانتماء.

 

تنتهي الرواية بانفراج نسبي، وعودة المهجّرين إلى مدنهم وقراهم المدمرة، حاملين خبرات جديدة وشعوراً متجدداً بالحرية، إنها عودة إلى وطن منهك، لكن بإرادة لا تقهر على إعادة البناء: بناء الإنسان أولاً، بعد أن دمرته الحرب وسبقتها سنوات الفساد، ثم بناء البيوت والمصانع والحياة العامة.

 

سردية الألم والأمل

تنجح «أرملتان في مخيم اللجوء» في تقديم ثنائية سردية تعكس الانقسام المجتمعي وما خلّفه من جراح، من خلال شخصيتين متناقضتين تلتقيان تحت سقف المعاناة، لتطرح الرواية سؤالها الجوهري حول معنى الوطن، والعدالة، وإمكانية البدء من جديد.

 

وتعد الرواية توثيقية بقدر ما هي إنسانية، تنحاز إلى صوت الضحايا، وتبحث في الركام عن بذور حياة، مؤكدةً أن المخيم، على قسوته، قد يكون محطة عبور نحو وطنٍ يُعاد بناؤه على أسس الحرية والكرامة.

 

يشار إلى أن الرواية صادرة عام 2026 عن دار زقاق الكتاب للنشر، وتقع في 140 صفحة من القطع المتوسط.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-سانا

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدراما حين تروّض الوعي: كيف يكرّس «مولانا» ثقافة الهبوط..؟؟!!

  بقلم : علي نفنوف لم تعد الدراما اليوم مجرد وسيلة ترفيهية عابرة بل أصبحت أحد أهم الحوامل الثقافية التي تسهم في تشكيل الوعي العام ...