ثائر أبو عياش
في صمتٍ ثقيل يلفّ شوارع مخيم الدهيشة في بيت لحم، رحل الأسير المُحرَّر، خالد الصيفي، بعد أسبوع واحد فقط على الإفراج عنه، إذ بعدما تحرّر أخيراً من قيد السجّان، لم يتحرّر جسده من تبعات الاعتقال الإداري الطويل؛ فحريته جاءت متأخّرة، ومُحمّلة بألم يفوق طاقة القلب على الاحتمال. والشهيد الصيفي، القيادي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، لم يكن اسماً عابراً في قوائم الاعتقال الإداري، كونه رجلَ حياة ومجتمع وثقافة.
في «الدهيشة»، كان الشهيد وجهاً مألوفاً لكلّ من عرف الحرية بمعناها الحقيقي، ليس باعتبارها وجوداً جسدياً فحسب، إنما كفعل إنتاجي ونضالي. هناك، أسّس «مؤسّسة إبداع» الثقافية، وعمل على نشر الفن والمعرفة بين الشباب، مكرّساً سني حياته لإيقاد شعلة العلم والإبداع في مجتمع يعاني الاحتلال منذ عقود. «الحرية ليست فقط في الخروج من السجن، بل في القدرة على العيش بكرامة»؛ عبارة كان الشهيد يردّدها لأبنائه وطلابه، كأنها وصيّة تتسلّل من قلب التجربة.
منذ انطلاق العدوان الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول 2023، ازداد واقع الأسرى الفلسطينيين سوءاً. فبينما كانت موجات الاعتقال تتلاحق، لتملأَ السجون بوجوه شابّة لم تكد تتعرّف إلى ملامح أحلامها، وبوجوه أنهكها العمر، بات كلّ أسير يحمل في زنزانته حكايتين: حكاية الاعتقال، وحكاية ما يحدث في الخارج. أمّا الإهمال الطبي فأصبح سياسة مُمنهجة تُدار داخل الجدران الصمّاء، وصار الغذاء، والدواء، والهواء بعدد الأنفاس المسموح بها، مجرّد مقاييس للبقاء على قيد الحياة، قدر المستطاع.
شعر كل من ودّع الرجل إلى مثواه الأخير أن السجن قد رافقه حتى قبره
من بين هؤلاء، وجد الصيفي نفسه، في عمره المتقدّم، وسط هذه المعاناة؛ كان يعاني من مشاكل صحية قبل الاعتقال، لكنه أُجبر على مواجهة المرض داخل السجون في ظروف لاإنسانية. اعتقاله الأخير استمرّ نحو أربعة أشهر، تفاقمت خلالها حالته الصحية نتيجة الإهمال الطبي، والتعامل القاسي، والحقن والأدوية غير المناسبة. في زنزانته، كان الصيفي يسمع صراخ الجوعى والمرضى من حوله، ويرى علامات الضعف على وجوه من هم أصغر سناً منه، لكنّ المعاناة ظلّت واحدة: السجن يبتلع الجميع، بلا استثناء. وفي سريرته، ظلّ يسأل نفسه: «هل الحرية التي ننتظرها تستحق أن ندفع حياتنا ثمنها؟»، لكنه كان يعرف الإجابة التي خرج بها غسان كنفاني ذات يوم: «أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها، الحرية التي هي نفسها المقابل».
في 25 كانون الثاني 2026، أُطلق سراح الصيفي، وكان الجميع ينتظر لحظة الفرح. بيد أن الفرح بدا غير ممكن. فقد خرج الصيفي وهو لا يكاد يستطيع المشي: رئته مُنهكة، جسده منهار، وروحه مُثقلة بسنوات من الألم. بعد أسبوعٍ فقط، رحل عن عالمنا، تاركاً رسالةً لم يقُلها، هي أن السجن لا ينتهي عند البوابة. قد تُفتح الأبواب، لكن آثارها تبقى. وبين جسد أنهكه الاعتقال وروح تمسّكت بفكرة الحرية حتى اللحظة الأخيرة، تتكثّف حكاية جيل كامل يرى في الكرامة حقاً غير قابل للتأجيل، حتى لو تأخّرت الحرية.
برحيله هذا، شكّل الصيفي رمزاً لمعاناة آلاف الأسرى بعد السابع من أكتوبر، الذين يقبعون في ظروف اعتقال قاسية، ويعيشون بين الإهمال الطبي، والضغط النفسي، والانفجار اليومي للحياة داخل الزنزانة، محاصَرين بين القلق على أحبائهم خارج السجن والألم الذي يلتهم أجسادهم.
شيّع أهل فلسطين ورفاق الصيفي في مخيم الدهيشة جثمانه، في مشهد يحمل في طياته مفارقة مأساوية؛ إذ شعر كل من ودّع الرجل إلى مثواه الأخير أن السجن قد رافقه حتى قبره، وأن حكايته تمثّل قصة شعب كامل يعيش الأسر منذ عقود. وكان حمّل «نادي الأسير الفلسطيني» و«هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين»، الاحتلال، المسؤولية الكاملة عن شهادة الصيفي، معتبرَين أن ما جرى يندرج في سياق «الإعدام البطيء» الذي يطاول الأسرى المرضى وكبار السن، ولا سيما بعد 7 أكتوبر.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
