آخر الأخبار
الرئيسية » شكاوى وردود » أسعار الفروج بعد المقاطعة.. جدل حول الأسباب والحلول

أسعار الفروج بعد المقاطعة.. جدل حول الأسباب والحلول

حسان كنجو/ إخلاص علي:

شهدت أسواق الدواجن في سوريا ارتفاعات حادة في الأسعار خلال الأسابيع الماضية، ودفعت المواطنين مؤخراً إلى إطلاق حملات مقاطعة شعبية، في محاولة للضغط على التجار لخفض الأسعار، وسط جدل واسع حول أسباب الغلاء ودور الاستيراد والإنتاج المحلي في ضبط السوق.

ويشير عاملون في القطاع إلى أن ارتفاع الأسعار خلال شهر رمضان ساهم بمعرفة مدى تقبّل المستهلكين لزيادة الأسعار، حيث أكد عدد من الباعة أن استمرار الشراء رغم الغلاء شجّع بعض التجار على رفع الأسعار تدريجياً، مستفيدين من القرار السابق الخاص بحظر استيراد الفروج.

وفي هذا السياق، قال علاء جبور، صاحب محل لبيع الفروج في حلب وأحد المشاركين في حملة المقاطعة: إن ارتفاع الأسعار خلال شهر رمضان كان بمثابة “جس نبض” للشارع، مضيفاً أن التجار اعتبروا استمرار الشراء رغم الغلاء دليلاً على وجود “رضا نسبي”، فاستغلوا ذلك إلى جانب قرار حظر الاستيراد لرفع الأسعار بشكل أكبر.

إلا أن هذا التوجه اصطدم بحملة المقاطعة التي أطلقها المواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي بدأت تنعكس سريعاً على حركة السوق، حيث شهدت بعض المحال تراجعاً في الإقبال، ما دفع عدداً من الباعة إلى إعادة النظر في الأسعار المعتمدة.

وفي جولة ميدانية على عدد من محال الفروج في مدينة حلب، وقد لوحظ انخفاض نسبي في الأسعار مقارنة بالأيام السابقة، بالتزامن مع انضمام عدد من المحال إلى حملة المقاطعة، في مؤشر على بدء تأثر السوق بهذه التحركات الشعبية.

وبحسب عدد من الباعة، بلغ سعر طن الفروج صباح السبت نحو 2300  دولار، بعد أن كان قد وصل إلى نحو  3000 دولار قبل انطلاق حملة المقاطعة، وبلغ سعر كيلوغرام الفروج الكامل النيء إلى  300 ليرة جديدة، وكيلوغرام الفخذ أيضاً  300 ليرة، فيما بلغ سعر كيلوغرام الصدر من دون عظم  660 ليرة، والفخذ الوردة  460 ليرة، أما كيلوغرام كباب الفروج فبلغ  560 ليرة.

وأكد معتصم حاج إبراهيم، صاحب أحد المحال في سوق اللحوم بحلب، أن البيع بهذه الأسعار بدأ السبت، مشيراً إلى أن الأسعار انخفضت بين  60 و120 ليرة جديدة مقارنة بما كانت عليه خلال الأيام الثلاثة الماضية.

وفي دمشق، شهدت أسعار الفروج تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفض سعر الكيلوغرام الواحد من الفروج إلى 340  ليرة جديدة، بعد أن وصل إلى  450 ليرة.

كما سجلت أسعار الشرحات انخفاضاً لتصل إلى  700 ليرة للكيلوغرام، مقابل 1000 ليرة، في حين بلغ سعر كيلوغرام الفخاذ 340 ليرة، والسودة 520 ليرة.

ويرى بعض الباعة أن استمرار المقاطعة لفترة أطول قد يفرض ضغوطاً إضافية على التجار والمربين، ما قد يؤدي إلى مزيد من الانخفاض في الأسعار، خاصة في ظلّ طبيعة المنتج التي لا تحتمل التخزين لفترات طويلة.

خسائر متراكمة وعزوف عن الإنتاج

لا يمكن فهم هذا الانخفاض السريع في الأسعار بمعزل عن واقع أعمق يعيشه قطاع الدواجن، حيث تكشف المعطيات أن الأزمة لا ترتبط فقط بسلوك السوق، إنما تمتد إلى جذور العملية الإنتاجية نفسها.

وفي مقابل الجدل الدائر حول الاستيراد والمقاطعة، يواجه مربو الدواجن واقعاً أكثر تعقيداً، يتمثل في خسائر متراكمة دفعت عدداً كبيراً منهم إلى التوقف عن الإنتاج أو تقليصه بشكل ملحوظ.

ويشير رئيس لجنة مربي الدواجن في حماة حازم شنان إلى أن فتح باب الاستيراد بشكل واسع أثّر سلباً على المنتج المحلي، الذي يعاني أصلاً من ظروف إنتاجية صعبة وتكاليف مرتفعة، ما جعله غير قادر على المنافسة في ظلّ غياب الدعم الكافي.

ويضيف أن استمرار هذه السياسات أدى إلى عزوف العديد من المربين عن العمل، نتيجة تراكم الديون وعدم القدرة على تغطية النفقات، في وقت تفتقر فيه هذه الشريحة إلى بيئة إنتاجية مستقرة تشجع على الاستمرار.

كما حذر من أن أي تراجع إضافي في نشاط هذا القطاع سينعكس بشكل مباشر على توفر مادة أساسية في السوق، نظراً لارتباطه بالأمن الغذائي، مشدداً على أن استقرار الأسعار لا يمكن تحقيقه من دون دعم فعلي للإنتاج المحلي.

وفي السياق ذاته، يدعو إلى إعادة النظر في السياسات المتبعة، بما يضمن حماية المربين من المنافسة غير المتكافئة، وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، بما يسهم في إعادة التوازن إلى السوق.

خلاف حول الحلول

يتصاعد الجدل في الأوساط الاقتصادية حول أفضل السبل لمعالجة ارتفاع أسعار الفروج، بين دعوات لفتح باب الاستيراد بشكل أوسع لزيادة العرض وخفض الأسعار، وأخرى تحذر من تأثير ذلك على الإنتاج المحلي.

وكانت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قد أعلنت قبل أيام تمديد العمل بالقرار رقم 6 لعام 2026، الذي يجيز استيراد فروج الريش وبيض الفقس وصوص التربية حتى 30 نيسان 2026، وذلك بهدف تنظيم استيراد مستلزمات قطاع الدواجن وتعزيز التوازن بين العرض والطلب.

وفي هذا الإطار، دعا رئيس اتحاد غرف الصناعة في سوريا مازن ديروان الحكومة إلى فتح الباب أمام استيراد الفروج من دون جمارك أو رسوم، بهدف الوصول إلى إنتاج وطني أقل كلفة وأكثر تنافسية محلياً وعالمياً، معتبراً أنه لا يمكن أن يكون سعر الفروج الوطني أعلى من سعر الفروج المستورد إلا في حالة “الإنتاج المتخلّف” على حدّ تعبيره.

وعلى المقلب الآخر، وصف الخبير في قطاع الدواجن، زياد نمور، الدعوات إلى فتح الاستيراد الكامل للفروج ومستلزمات إنتاجه من دون رسوم جمركية بأنها “طروحات إنشائية لا تلامس جوهر أزمة ارتفاع الأسعار” التي يعاني منها السوق المحلية.

وأوضح نمور أن قطاع الدواجن في سوريا ليس وليد اللحظة، بل يمثل صناعة راسخة تمتد لعشرات السنين، تتوافر فيها جميع مستلزمات الإنتاج، من الأعلاف والأدوية البيطرية واللقاحات والصيصان، إلى معدات المفاقس، فضلاً عن الخبرات والمنشآت المحلية القادرة على تأمينها.

ولفت إلى أن هذه المستلزمات لم تكن يوماً سبباً في ارتفاع الأسعار، مستدلاً بعدم تسجيل القطاع أزمات مشابهة في السابق، حيث كان المنتج يحقق أرباحاً معقولة، فيما كان المستهلك يحصل على البروتين بأسعار مناسبة.

وشدد نمور على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في عدم استيراد لحوم الدواجن، ولا في الرسوم الجمركية، ولا حتى في مقاطعة الاستهلاك، إنما في تنحية المنتجين المحليين واستبدالهم بصفقات استيراد لحوم مجمدة.

وأضاف أن الحل يبدأ بإعادة المنتجين إلى العملية الإنتاجية، ودعمهم بدلاً من استيراد سلعة تنافسهم وتؤدي إلى خسارتهم وخروجهم من السوق، مؤكداً أن الرهان يجب أن يكون على استمرار الإنتاج المحلي لا على التوسع في الاستيراد.

وكشف نمور أن قطاع الدواجن في سوريا، بشقيه الفروج والبياض، يشغّل ما بين 8 و10 بالمئة من السكان، بدءاً من العمال في المزارع، مروراً بمحال الجملة والمفرق والمسالخ ومصانع الأعلاف والمحضرات والوجبات الجاهزة، وصولاً إلى الفنيين والخبراء.

وبين هذه الطروحات، يظهر خلاف واضح حول طبيعة الحلول المطلوبة، إذ يتقاطع البعد الاقتصادي مع السياسات الإنتاجية، في وقت تبحث فيه السوق عن توازن دقيق بين حماية المنتج المحلي وضمان وصول السلعة إلى المستهلك بأسعار مقبولة.

هل تنجح حملات المقاطعة في كسر الأسعار؟

وفي ظل هذا الجدل، ظهرت المقاطعة الشعبية كأداة ضغط مباشرة، التي أثارت التساؤل حول قدرتها على إحداث تغيير فعلي في السوق، حيث لاقت هذه الحملات التي أطلقها مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلاً واسعاً في مختلف المحافظات، وسط مؤشرات أولية على تأثيرها في السوق خلال فترة زمنية قصيرة.

واعتبر بعض المشاركين في الحملة أن التراجع الملحوظ في أسعار الفروج بعد وقت قصير من انطلاقها، بالتزامن مع انخفاض الإقبال وانضمام عدد من المحال إليها، يشكّل دليلاً واضحاً على فاعلية هذا الأسلوب في الضغط على السوق ودفع الأسعار نحو الانخفاض.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي علاء الدين حساني أن المقاطعة تمثل أداة ضغط فعالة، خاصة في سوق يعتمد على منتجات سريعة التلف، إذ إن استمرار العزوف عن الشراء يحمّل المنتجين تكاليف إضافية تتعلق بإطعام الدواجن ورعايتها، ما يدفعهم إلى تخفيض الأسعار لتصريف الإنتاج.

ويشير إلى أن نجاح هذا النوع من الحملات يتطلب الاستمرارية لعدة أيام، حتى ينعكس بشكل مباشر على سلوك السوق، مؤكداً أن تجارب مماثلة على مستوى عالمي أثبتت قدرة المقاطعة على التأثير في أسعار المنتجات.

في المقابل، اعتبر رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان أن حملات المقاطعة، “غالباً ما تبوء بالفشل”، مشيراً إلى أنها ليست سوى وسيلة لتفريغ الغضب الناجم عن الغلاء، داعياً إلى معالجة المشكلة من جذورها، ومطالِباً القائمين على المداجن بالكشف عن أسباب منطقية لهذا الغلاء الذي وصفه بأنه “ضرب من ضروب الاستغلال ليس إلا”.

وبين هذا الرأي وذاك، تبقى المقاطعة أداة آنية قد تسهم في تخفيف حدة الأسعار مؤقتاً، لكنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلات أوسع حول آليات ضبط السوق، ودور الجهات المعنية في تحقيق توازن مستدام بين مصالح المنتجين وقدرة المستهلكين.

دعم المبادرات المجتمعية وتكثيف الرقابة

وفي موازاة هذا الحراك الشعبي، تحاول الجهات الرسمية مواكبة التطورات في السوق، عبر إجراءات رقابية ودعم المبادرات المجتمعية الهادفة إلى ضبط الأسعار.

وأكدت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حلب دعمها لأي مبادرة مجتمعية سلمية تهدف إلى ترشيد الاستهلاك والحد من ارتفاع الأسعار، معتبرةً أن حملات المقاطعة تعكس مستوى متقدماً من وعي المواطنين وحرصهم على استقرار السوق.

وأوضح مدير المكتب الإعلامي في المديرية بلال الأخرس أن أسعار الفروج بدأت بالانخفاض اعتباراً من صباح السبت، مشيراً إلى تراجع ملحوظ في الأسعار بالتزامن مع انطلاق حملات المقاطعة، في مؤشر على تأثر السوق بهذه التحركات.

وفيما يتعلق بدور المديرية، بيّن أنها تعمل على تكثيف الجولات الرقابية على محال بيع الفروج ومراقبة مختلف حلقات التداول، مع تنظيم الضبوط التموينية بحق المخالفين، لا سيما في حالات الغش أو عدم الإعلان عن الأسعار.

كما تشمل الإجراءات متابعة الفواتير والتكاليف الحقيقية للتأكد من عدم وجود مغالاة غير مبررة، إضافة إلى التنسيق مع الجهات المعنية لضبط عمليات الإنتاج والتوزيع والحد من أي ممارسات احتكارية قد تؤثر في استقرار السوق.

وتؤكد المديرية استمرار عملها الرقابي بالتوازي مع متابعة تطورات السوق، في محاولة لتحقيق توازن بين حماية المستهلك وضمان استمرارية النشاط التجاري ضمن أطر قانونية واضحة.

آخر ما تبقى على موائد السوريين

في ظل الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار اللحوم الحمراء خلال الفترة الماضية، بات لحم الدجاج الخيار الأساسي لكثير من الأسر السورية، بعد أن أصبح شراء لحم الخروف خارج القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين.

غير أن موجة الغلاء الأخيرة التي طالت الفروج وضعت هذه الشريحة أمام تحدٍّ جديد، حيث لم يعد هذا البديل متاحاً بسهولة كما كان في السابق، ما دفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو الاعتماد بشكل أكبر على الوجبات النباتية.

وتعبّر فاطمة نداف عن هذا الواقع بقولها :إن ارتفاع أسعار الفروج حرم كثيرين من آخر خيار متاح للحصول على البروتين، مشيرة إلى أن حتى البدائل البسيطة لم تعد بمنأى عن الغلاء، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار مختلف المواد الغذائية.

ويكشف هذا الواقع تحولاً في نمط الاستهلاك لدى الأسر، حيث باتت القدرة على تأمين وجبة تحتوي على البروتين الحيواني تحدياً يومياً، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع القدرة الشرائية بشكل ملحوظ.

ختاماً: أسهمت المقاطعة الشعبية في التأثير على حركة السوق، بالتوازي مع الجهود المبذولة لدعم الإنتاج المحلي وتنظيم الاستيراد، ورغم التراجع الملحوظ في الأسعار، فإن تحقيق استقرار مستدام يتطلب استمرار المتابعة وتعزيز السياسات التي تدعم الإنتاج وتراعي في الوقت ذاته القدرة الشرائية للمواطنين.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العاملون في صحة طرطوس ينتظرون بفارغ الصبر تجديد عقودهم وصرف رواتبهم عن الأشهر الثلاثة الماضية 

  متابعة:هيثم يحيى محمد     تلقينا رسالة من مجموعة عاملين في صحة طرطوس (أطباء-كادر تمريضي-إداريين-مستخدمين)يشرحون فيها اوضاعهم ويطلبون مساعدتهم في موضوع تجديد عقودهم السنوية ...