بقلم الدكتور كمال ديب – كندا
تُوفي جورج قرم في 14 آب أغسطس 2024 بعد نضال طويل مع المرض العضال في بيروت، بعد حياة ملؤها الأبحاث والدراسات وتأليف الكتب والحوارات المتلفزة والمذاعة والتعليم الجامعي.
كان جورج قرم من أبرز المفكرين اللبنانيين المعاصرين. وُلد في مصر عام 1940 وشهد في شبابه الحقبة الناصرية فيها، وانكبّ على دراسة التراث العربي فأُعجب بالرواد من أحمد أمين وطه حسين وعلي عبد الرازق وأحمد فارس الشدياق والأب يواكيم مبارك وغيرهم، حتى صار ابناً للنهضة العربية بجوانبها التنويرية. ثم استثمر ثقافته في عالم الكتابة، فتوالت أعماله باللغة الفرنسية، ومنها أطروحة الدكتوراه، تعددية الأديان وأنظمة الحكم، كما نشر كتابه الموسوعي الأكثر شهرة انفجار المشرق العربي، مستلهماً من الحقبة الناصرية. وفاق عدد مؤلفاته العشرين.
أثناء إقامته في باريس، مزج جورج قرم معارفه عن التنوير النهضوي العربي بالتحصيل الأكاديمي، مقدّماً آفاقاً فكرية واسعة ومتنوّعة للأجيال في لبنان والعالم العربي. فقد استوعب الفكر الأوروبي واكتشف مثلاً أهمية فلسفات الماركسية والوجودية والليبرالية. إلا أنّه لم يضِع البوصلة، بل اعتبر نفسه قبل كل شيء مفكّراً عربياً بالمعنى الحضاري، ولم ينجرف كغيره في الفكر الأوروبي يقلّده كالببغاء. وعند عودته إلى لبنان، لم ينتمِ لأيّ حزب، بل رأى أنّ الأحزاب اللبنانية تعمل وفق شعارات تبسيطية لواقع معقّد اقتصادياً وسياسياً ودينياً وتاريخياً. من هنا كانت مساهماته متعدّدة الأبعاد، لا يستوعبها إلا من قرأ مؤلفاته التي تصبّ في نهر عظيم من وحدة الفكر الإنساني. ونقدّم هنا ثلاثاً من أفكاره هي: نقد الثقافة اللبنانية ونقد العقل العربي ونقد الفكر الغربي.
نقد الثقافة اللبنانية
ينتقد جورج قرم النظام الطائفي في لبنان حيث يدور حول التمايز بين الطوائف اللبنانية، فيعمل الباحثون والكتّاب على إبراز هذا التمايز ويسمّونه فكراً ويعلون من شأن الخلاف الطائفي على سخافته، رغم تشارك اللبنانيين في اللغة والعادات والموسيقى والتاريخ وحبّ المطربين أنفسهم والمطبخ وسائر الأشياء الجامعة، تلك التي تجعل اللبنانيين يشتركون بثقافة واحدة.
ويقول قرم إنّ التمييز الطائفي والمذهبي لم يكن موجوداً بين اللبنانيين، عفوياًّ أو جوهرانياً، بل كان الانقسام دائماً سياسياً لا طائفياً. فقد شكّل نظام الملل في السلطنة العثمانية الخلفية التاريخية التي سهّلت العيش الواحد. وكانت السلطنة في أوج قوتها وفي منأى عن التدخلات الخارجية الاستعمارية الطابع. ولذلك حمى نظام الملل االعثماني الأقليّات المسيحية واليهودية والأرمنية واليونانية في كل ولايات السلطنة. حتى إنّ نظام الملل كان متقدّماً قياساً لوضع أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث لم تكن ثمة حماية لكل مَن لم ينتمِ للكنيسة اللاتينية في أوروبا. ولكن منذ القرن الثامن عشر، أخذت بريطانيا وفرنسا والقوى الأوروبية الأخرى تتوسّع وتتدخّل في المجتمعات العثمانية، فتحوّل نظام الملل إلى طوائف متقاتلة. فالدول الاستعمارية حصلت على امتيازات من الباب العالي ظاهرها “حماية الطوائف” وباطنها استعمار اقتصادي وتوسّع عسكري.
ولبنان اليوم يكاد يكون الوريث الوحيد لنظام الملل العثماني، ولكنّه ورثه بشكل منحطّ تجاوزه الزمن. لقد سمح الشقاق الطائفي في لبنان للإنكليز والفرنسيين بجلب البلاء عليه، بدءاً بالفتنة بين الموارنة والدروز، وتقسيم جبل لبنان إلى قائمقامية درزية وأخرى مارونية بين 1840 و1860، وإعطاء زعماء الطوائف دوراً أساسياً في إدارة الحكم. وهذه التدخلات المفروضة من الخارج شكّلت ظاهرة تسييس الطوائف الذي نعاني منه اليوم، وهي ما أدخل لبنان في نفق الصراعات الأهلية وتسييس الدين الذي كان كارثة كبرى، تعمّمت في مجتمعات المشرق العربي، وخاصة في سوريا والعراق.
نقد العقل العربي
ثم يشرح جورج قرم أزمة الفكر العربي فيقول: “المشكلة هي أنّنا واقعون تحت تأثير الإشكاليات الغربية. وحتى قضية فصل ما هو ديني عما هو زمني استوردناها من أوروبا كما هي، دون أن ندري أنها ناتجة من خصوصية المسار التاريخي الأوروبي، حيث كانت الكنيسة اللاتينية متحكّمة بكل شيء”.
وعن دور المثقف العربي يقول جورج قرم: “انقسم الرأي العام تحت النفوذ الاستعماري إلى قسمين: قسم يدافع عن الحركات التكفيرية المسماة خطأً جهادية، فيقول إنها ظاهرة طبيعية نتيجة الاستعمار والحداثة التي “فُرضت فرضاً” على المسلمين من قبل النخب العربية الحاكمة بعد نيل الاستقلال، وأنّ الحركات التكفيرية حاربت ما دعته دكتاتوريات جمهورية فرضت العلمانية على مجتمعات مؤمنة، ما استوجب التعاطف مع الحركات التكفيرية أو حتى تأييدها. وهذه السردية النمطية الطابع غير مطابِقة للواقع. أمّا القسم الآخر فهو في أوروبا وأميركا، نجده يكره الإسلام والمسلمين عموماً، لتأثره بممارسات التكفيريين المقززة على أجهزة التلفزة. ولكنه أخذ هذه التصرّفات حجّة لكره الديانة الإسلامية وللمسلمين إجمالاً، وهذا خطأ أيضاً”. فأصاب الشرخ وعدم التفاهم بين الشرق والغرب.
وهنا يعتَب قرم على المثقفين العرب العلمانيين لأنّهم نقلوا الفكر الغربي وحاولوا تطبيقه على واقع عربي مختلف عن الغرب، دون أن يدرسوا تراثهم، لأنّ مواءمة الفكر الغربي والتراث العربي تسمح بصياغة مفاهيم جديدة تناسب المجتمعات العربية.
ويشرح قرم أنّ الأفكار التي جاءت من أوروبا في عصر النهضة العربية (1870-1940) أسهمت فعلاً في صوغ إدراكات المفكّرين اللبنانيين والعرب الحسيّة للواقع وما يحتويه من رهانات وتحدّيات. ولكنّها فرضت تأثيراً بالغاً على اللغات والمفردات والمصطلحات والمفاهيم المستعملة في الحياة اللبنانية والعربية اليومية وعلى الأدب العربي بشعره ونثره، وعلى كل الإنتاج الأكاديمي اللبناني والعربي، وعلى تكوين الأيديولوجيات وبرامج الأحزاب في لبنان والبلدان العربية.
أمّا لماذا لم تتمكن العلمانية من تجاوز “الهاجس” الديني في الحياة العربية، فيشرح قرم علاقة ذلك بجمود النص المقدّس، إذ في الماضي كانت حرية المعتقد والاجتهاد في صلب النصوص الدينية المقدسة في عصر الحضارة العربية الإسلامية، حيث كانت كل الفِرق الدينية تُؤوّل القرآن برؤى مختلفة. ولقد مارس العرب في عصرهم الذهبي الفلسفة على نطاق واسع، فيما كانت الفلسفة ممنوعة عقائدياً في أوروبا المسيحية. واليوم لا يوجد ما يمنع أن يعود العرب إلى حرية الفكر إذا جرّبوا ذلك. فالقول إنّ شيئاً “جوهرانياً” عند العرب يجعلهم Homo-Islamicus (أي كائناً إسلامياً) حصراً، إنّما يهدّم كل شخصيتهم المتعددة الوجوه في بوتقة واحدة هي الهوية الدينية وحسب، وهذا كلام فارغ. فمشكلة العرب مختلفة. وأنا ذكرتُها مراراً وتكراراً: إن لم تكن ثمة حريّة في التعامل مع النصوص المقدسة، لا يمكن التأسيس للحريات العامة في أيّ دولة عربية… حيث صار أيّ نوع من الاجتهاد الجديد لمراعاة مقتضيات العصر، يُعتبر بدعة خطيرة. ولنتذكّر أنّ الأمر لم يكن بهذه الخطورة في الماضي القريب. فالمفكّر علي عبد الرازق لم يتعرّض لاغتيال في الماضي رغم إدانة الأزهر لكتابه المحوري عام 1925 الإسلام وأصول الحكم الذي دعا فيه إلى فصل الدين عن الدولة. وحتى كتاب الملل والنحل لتاج الدين الشهرستاني من القرن الثاني عشر الميلادي نجده يتكلّم عن تحليل النص المقدّس بداهة وعن طرق ومناهج لتفسير القرآن الكريم، ولم يتعرّض له أحد.
ثم ينتقد قرم الموجة الحالية والمتواصلة منذ خمسين عاماً على أنّها غير صادقة بدعوتها للعودة إلى التراث الديني، لأنّ العودة الحقيقية يجب أن تكون إلى العصر الذهبي للعرب أي إلى أوج الحضارة الإسلامية حيث كان النقد العقلي للمقدّس متاحاً، وليس تدمير كيانات العرب المعاصرة وبُناهم الدولتية ومجتمعاتهم دون تقديم البديل. ويلوم قرم انقطاع الذاكرة عند العرب والمسلمين ونسيان الجو العلمي والعقلاني الذي كان سائداً في العهدين الأموي والعباسي، وصولاً إلى عصر الانحطاط الذي لم يكن فعلاً انحطاطاً بدلالة ظهور عدد من المفكرين العرب من طراز ابن خلدون، ثم في أعمال رواد النهضة العربية الحديثة. ويجب إعادة الاعتبار لأعمال تك العصور وهؤلاء الروّاد ويجب التذكير بأنّ “الحضارة العربية الإسلامية في عهدها كانت الأكثر تطوراً علميّاً في العالم، وأنّ اللغة العربية كانت لغة أصحاب العِلم في العالم الإسلامي؛ فلنستذكر هذه الأشياء باستمرار.
نقد الفكر الغربي
الأمر الثالث الذي شغل فكر جورج قرم هو نقد الفكر الغربي، إذ تنتشر في الغرب مقولات هدّامة عدائية للبشرية. وهو في مؤلفاته فكّك هذه المقولات واعتبرها أيديولوجية ثقيلة، كمقولة “الشرق والغرب” التي سمّاها “الهويات العملاقة”، أي ما – فوق -القومية – والإثنية – والهوية الدينية. ودرس دور الاستعمار الأوروبي-الأميركي الذي يجدّد نفسه وأساليبه ويستقطب أموال ثروات العرب، ويغذي الحروب الأهلية العربية المتواصلة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، حيث جرى توظيف الدين instrumentalisation.
وانقلبت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية لتصبح “حرب حضارات” بين “دول مؤمنة” – على أساس أنّ أميركا تُعدّ دولة مؤمنة – وبين “دول الإلحاد” ممثلة بالاتحاد السوفياتي. وفي هذه المعمعة، جرى القضاء على النهضة العربية التي استغرق العمل عليها 150 سنة، إذ لو استمرت لاستطاع العقل العربي أن يتحرّر ويتفاعل مع التطورات العالمية. وبنفس المقياس، يروج اليوم بشكل زائف في دوائر الاستشراق الغربية ولدى بعض المثقفين العرب، أنّ الحركات الظلامية تريد مقاومة الغزو الثقافي الغربي. وهذا المنطق وصل أيضاً إلى وسائل الإعلام والعمل الأكاديمي العربي، حتى المشهد الثقافي والفكري العربي برمته. والمخرج من هذا الواقع هو تحييد الدين عن الصراعات، ويبقى الحل الوحيد هو العلمانية.
أخبار سوريا الوطن١_النهار