يحيى دبوق
رغم إخماد الاحتجاجات في الداخل الإيراني، والتي استُخدمت كذريعة لتبرير التهديدات الأميركية باللجوء إلى القوّة، فإن التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة لا يزال مستمراً، في حين لم يتّضح بعد ما إذا كانت الغاية منه التمهيد لخيار عسكري جدّي ضدّ طهران، أو استخدامه كأداة ضغط تفاوضية على الأخيرة. حتى الآن، يبدو أن الغاية من هذا الحشد دفع إيران نحو مواجهة خيارَين لا ثالث لهما: إمّا القبول الكامل بالشروط الأميركية، أو الرفض والمخاطرة بمواجهة عمل عسكري يُراد له أن يكون أكثر قابلية للتصديق، خاصة بعد «النكسة» التي منيت بها المصداقية الأميركية من جرّاء تراجع الرئيس دونالد ترامب عن تنفيذ تهديداته في ذروة الاحتجاجات.
على أن واشنطن، رغم جدّيتها الظاهرة في التحشيد، قد ضيّعت فرصةً حاسمة حين تراجعت أوّل مرّة، ما قلّص قدرتها على إقناع النظام الإيراني بواقعية خياراتها العسكرية. ومن شأن هذا التباين أن يولّد حالةً من الغموض الاستراتيجي؛ فبينما تحاول أميركا استعادة زمام المبادرة عبر العودة إلى لغة القوّة، تراهن الجمهورية الإسلامية، التي نجحت في إخماد الاحتجاجات، وسحبت الذريعة التي بُني عليها التهديد، على أن التهويل لم يَعُد كافياً لفرض أيّ تنازل حقيقي. وعليه، تدفع واشنطن الآن نحو مزيج من تظهير التوثّب العسكري وتعظيم الضغوط، في حين تعمل طهران على تعزيز العوامل التي مَنعت تنفيذ التهديدات السابقة، والحيول دون ترجمة هذه الأخيرة مستقبلاً.
مع ذلك، ورغم التراجع المؤقّت، فإن التحرّكات الميدانية – من مثل نقل حاملة طائرات وتحريك مقاتلات استراتيجية ووحدات دعم لوجستي إلى الخليج وأوروبا – تشير إلى أن الخيار العسكري لم يُلغَ، بل تُعاد هيكلته بما يتماشى مع هدف واضح، عنوانه إكساب التهديد مصداقية.
لا يُستبعد أن يعمد ترامب إلى انتقال محدود ومحسوب نحو أفعال عدائية، تهدف إلى إثبات جدّية الخيار العسكري
لكن، هل يعني تراجع ترامب في المرّة الأولى، أنه سيتراجع في الثانية؟ ليس بالضرورة، وإن كان الخيار العسكري بات بالنسبة إليه أعلى كلفة سياسيّاً وشخصيّاً، ما لم تتغيّر الظروف جذريّاً. فالعدول الأول ارتبط بسياقات ومحدّدات خاصة، على رأسها وجود ذريعة «أخلاقية» (دعم المتظاهرين)، إلّا أن هذه الأخيرة لم تَعُد موجودة، في حين أن غياب خطّة لِما بعد التدخُّل بات أكيداً، والأهمّ، أن الخشية من الفوضى وردود الفعل والتورّط في حرب بلا نهاية، ما تزال قائمة. ويضاف إلى ما تقدَّم، أن ترامب يفضّل استراتيجية دفع الخصم إلى الاستسلام عبر التهويل، لا عبر استخدام القوّة الفعلية، خاصة إذا أدرك أن الأمر ليس «ضربة واحدة وكفى»، كما في الحالة الفنزويلية – وإنْ كانت هناك إشارات على وجود أخطاء في تقدير ردّ الفعل على اغتيال شخصيات وازنة جدّاً، ترى واشنطن أن استهدافها سيسبّب «ضعضعة» للنظام -. وإذ راهنت إيران على تلك العوامل لحماية نفسها – وهي نجحت في رهانها بالفعل -، فإنها تواصل الآن تعويلها عليها، توازياً مع تقديم عروض تفاوضية تصلح كـ«جسر» لتسويات تجنّبها الضربة.
على أيّ حال، الأكيد، إلى الآن، أن الهدف من التحشيد ليس شنّ حرب شاملة، بل اختبار مدى استجابة إيران للضغوط، على أن يتمّ تقييم كلّ خطوة بخطوتها قبل الانتقال إلى ما يليها، أو حتى التراجع عنها، وفقاً للنتائج. ولا يُستبعد، في هذا الإطار، أن يعمد ترامب إلى انتقال محدود ومحسوب نحو أفعال عدائية – من مثل ضربات جراحية -، خاصة إذا فشل التحشيد في دفع إيران نحو الاستسلام. لكن هنا تكمن المعضلة؛ إذ إن أيّ ضربة محدودة قد تواجَه بردّ فعل متناسب من جانب طهران، وهو ما سيفتح الباب ربّما أمام تصعيد قابل للانزلاق إلى مواجهة شاملة.
نتنياهو إلى واشنطن مجدداً
ذكر موقع «واينت» العبري، أمس، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، سيزور الولايات المتحدة مجدّداً الشهر المقبل، للمشاركة في مؤتمر «إيباك» السنوي، وذلك في ظلّ تصاعد التوتّر بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. ونقل الموقع عن مسؤولين في مكتب نتنياهو، تأكيدهم أن الأخير سيحضر المؤتمر الذي ينعقد بين 22 و24 شباط المقبل في واشنطن، وأنه تجري مناقشة عقده لقاء مع الرئيس دونالد ترامب.
وأشار إلى أنه من المتوقع أن تحتل إيران صدارة جدول أعمال الزيارة، لا سيما إذا لم تكن الولايات المتحدة قد قامت بعمل عسكري ضدّها بحلول ذلك الوقت، لافتاً إلى أن الجيش الأميركي عزّز وجوده في الشرق الأوسط، بما شمل نقل سرب طائرات «أف 15 إي»؛ علماً أن القيادة المركزية الأميركية كانت بثّت صوراً لطائرات قالت إن نشرها «يعزّز الجاهزية القتالية ويشجع الاستقرار الإقليمي». وتضمنت التعزيزات، أيضاً، بحسب الموقع، تحريك طائرتَي نقل عسكريتين من نوع «سي 17 إي» من بريطانيا إلى قاعدة في الأردن لدعم عمليات الطائرات الحربية، في حين أعلنت الولايات المتحدة خططاً لنشر حاملتَي الطائرات «أبراهام لينكولن» و«جيرالد فورد» في المنطقة، رغم أن وصولهما سيستغرق وقتاً.
(أخبار سوريا الوطن_الأخبار)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
