آخر الأخبار
الرئيسية » حول العالم » أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي»: كفّة المواجهة تَرجح

أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي»: كفّة المواجهة تَرجح

 

يحيى دبوق

 

 

 

أنهت الولايات المتحدة حشد قوّتها العسكرية، الجوية والبحرية، في الشرق الأوسط، في خطوة قد تمهّد لعمل عسكري محتمل ضدّ إيران، لا تزال طبيعته محلّ جدل بين الخبراء: هل هو حرب شاملة، أم ضربة رمزية محدودة، أم أن الحشد نفسه لن يُترجم إلى فعل عسكري وسيُسحب بهدوء من دون اشتباك؟ وفي حال تقرّر الفعل، أين سيُنفّذ وكيف وما هو هدفه؟ هل هو ردع إيران، أم تغيير سلوكها، أم إسقاط نظامها؟ الواقع أن واشنطن تمتنع عن إرسال إشارات واضحة تكشف نيّتها الحقيقية، مواصِلةً على ما يبدو اتّباع سياسة «الغموض الاستراتيجي». وفي هذا السياق تحديداً، تأتي تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب – من مثل قوله إن «أسطولاً ضخماً يتّجه نحو إيران»، وفي الوقت نفسه إن الإيرانيين «يرغبون في التفاوض» -، لتمثّل جزءاً من خطاب استعراض القوّة، وليس إعلاناً عن قرار حربي وشيك، وتجلياً أيضاً لأسلوب ترامب «المميّز» في خلط التهويل العسكري بالتفاؤل الدبلوماسي، في محاولة لدفع الخصم إلى طاولة التفاوض من موقع ضعف.

 

في المقابل، تحذر إيران من أن أيّ هجوم – حتى لو كان رمزياً أو محدوداً – سيتمّ التعامل معه باعتباره «إعلان حرب شاملة»، وستردّ عليه طهران «بأقصى قوّة ممكنة». ورغم أن هناك في «بيئة القرار» الأميركي مَن يرى أن الوضع الداخلي الإيراني يمثّل، بشكله الحالي، «فرصة استراتيجية» نادرة – نتيجة الاحتجاجات والأزمة الاقتصادية الخانقة -، إلّا أن القرار النهائي حول كيفية استغلال هذه «الفرصة»، لم يُتّخذ بعد، علماً أن ثمة شبكة معقّدة من العوامل المتداخلة فيه: تقييمات استخبارية متضاربة، انقسامات داخلية بين مستشاري ترامب، حسابات تكلفة وفائدة، واعتبارات جيوسياسية تشمل مصالح إسرائيل ودول الخليج. وإلى ما تقدّم، يضيف شخص ترامب وأداؤه وطريقة تفكيره، طبقة سميكة جداً من عدم الوضوح.

ومع أن الخطاب الرسمي يشي بتصعيد محتمل، فإن كثرة الآراء المتداولة في وسائل الإعلام الأميركية، والتسريبات المتناقضة، والتصريحات الاستطلاعية من مسؤولين كبار وصغار، لا تشير إلى وجود مقدمة لقرار استراتيجي موحّد، بل إلى حال من التذبذب، يحاول خلالها كل طرف الدفع برؤيته: بين مَن يدعو إلى ضربة رمزية، ومَن يطالب بحملة عسكرية شاملة، وأيضاً مَن يفضّل أن يقتصر الأمر على الضغط الاقتصادي والاستخباري.

 

أن تلتزم إيران بالردّ على كل استفزاز، مهما كان صغيراً، قد يفتح الباب أمام تصعيد وانفلات، لا يمكن إيقافهما بسهولة

 

 

وعلي أي حال، فإن الحشد العسكري الأميركي يمثّل رافعة ضغط لخدمة مروحة واسعة من الخيارات – عسكرية وغير عسكرية -، يجري وزنها وفقاً لما هو «ممكن» أو «مستحيل». فترامب نفسه يسعى، من جانبه، إلى تحقيق أقصى مكاسب ممكنة، بأقلّ التكاليف، وهو ما يعتقد أن التحشيد يصبّ في خانته، من طريق دفع الإيرانيين إلى التفاوض. لكن ماذا لو لم تخضع إيران للترهيب؟ هل ينكفئ الجانب الأميركي وكأنَّ شيئاً لم يكن؟ علماً أن كلّ انكفاء من دون نتيجة، سيُنظر إليه على أنه إخفاق وفشل، ما يؤثّر سلباً ليس فقط على مسار مواجهة إيران وإخضاعها، بل على الصورة التي تروّجها الإدارة عن نفسها.

 

في المقابل، تنظر إيران إلى الحشد العسكري الأميركي كمقدمة محتملة لعمل عدائي واسع النطاق، خصوصاً في ضوء الشروط الأميركية المسبقة للتفاوض، والتي تراها طهران مساساً بجوهر هوية النظام الإسلامي وعلّة وجوده، ومعادِلة، في نظرها، لـ«إسقاطه سياسيّاً» من دون غزو عسكري. وعليه، ترى طهران أنها ملزمة ليس بالثبات أمام الاعتداءات والترهيب فقط، بل بأن تظهر توثبها وقدرتها على الإيذاء، سواء كانت الاعتداءات المتوقّعة عليها محدودة أو موسعة. ذلك أن أيّ اعتداء أميركي – حتى لو كان رمزيّاً – يعدّ اعتداءً استراتيجيّاً بمعانٍ وجودية، في حين أن الردّ عليه بالصمت أو التنازل، ولو لمرّة واحدة، سيُرسّخ سابقة خطيرة، لا يمكن الجمهورية الإسلامية التعايش معها، في ظلّ استمرار العداء الأميركي لها والتربص بها. وحتى الردّ، إذا ما أريد أن يكون رادعاً، لا يمكن أن يأتي رمزيّاً، بل يجب أن يُظهر قدرة طهران على فرض تكلفة باهظة، تجعل واشنطن تتردّد قبل أن تفكر في تكرار الاعتداء.

لكن التزام إيران بالردّ على كل استفزاز، مهما كان صغيراً، قد يفتح الباب أمام تصعيد وانفلات، لا يمكن إيقافهما بسهولة. وهنا تكمن المعضلة المشتركة: فبينما القرار الأوّلي بالتصعيد ينبع من واشنطن، فإن الديناميكية التي يولّدها – خاصة في ظلّ عقيدة الردع الإيرانية التي لا يمكن طهران تجاوزها بسهولة – قد تجرّ كلا الطرفين إلى حرب لا يطلبها أحدهما صراحة.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الرئيس الأمريكي: إيران أعربت عن رغبتها في الوصول إلى “تسوية” والخيار الدبلوماسي لا يزال مطروحًا

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الإدارة الإيرانية اتصلت به عدة مرات بهدف التوصل إلى اتفاق وأعربت عن رغبتها في تحقيق “تسوية”. تصريحات ترامب جاءت ...