سعيد محمد
شهدت العاصمة الإماراتية أبو ظبي، أمس، حراكاً دبلوماسياً استثنائياً جمع ممثّلين رفيعي المستوى عن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، وذلك في أول اجتماع ثلاثي مباشر يضمّ الأطراف كافة منذ اندلاع الحرب قبل قرابة الأربعة أعوام.
واتّسمت المشاركة الروسية في المباحثات، التي طغى على أجندتها مستقبل الأراضي المتنازع عليها، بطابع أمني وعسكري؛ إذ ترأّس الوفد الأدميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس الاستخبارات العسكرية، يرافقه مبعوث الاستثمار كيريل ديميترييف، لمناقشة الجوانب الاقتصادية. أما كييف، فأرسلت وفداً يضم شخصيات قيادية من دائرة الموثوقين المحيطة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي، يتقدّمهم رستم عمروف، رئيس مجلس الأمن القومي والدفاع، وكيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئيس، والمفاوض ديفيد أراخاميا، إلى جانب رئيس هيئة الأركان العامة أندري هناتوف. ومن جهتها، تمثّلت الولايات المتحدة بالمبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، اللذين وصلا إلى أبو ظبي مباشرة من موسكو عقب لقاء جمعهما بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وناقش الاجتماع خطة تسوية من 20 نقطة كانت صاغتها واشنطن وعدّلت عليها لاحقاً بالتوافق مع كييف، وتتضمن بنوداً تتعلق بالترتيبات الإقليمية، والضمانات الأمنية، وخطط إعادة الإعمار الاقتصادي لما بعد الحرب. على أن مسألة السيادة على الأراضي، وتحديداً منطقة الدونباس الشرقية، تظلّ العقبة الكأداء التي تعترض طريق الحل. وفي هذا الإطار، أكّد الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، للصحافيين في دافوس، أن «الأمر كله يتعلق بالأرض»، مضيفاً أن هذه القضية بقيت عالقة وتتطلب حلولاً مبتكرة.
ويقترح الأميركيون إنشاء منطقة اقتصادية حرّة منزوعة السلاح في إقليم دونباس، مقابل انسحاب القوات الأوكرانية لمسافة تصل إلى 40 كيلومتراً، شريطة قيام روسيا بخطوة مماثلة. في المقابل، تتمسّك موسكو باشتراطها انسحاب القوات الأوكرانية من كامل أراضي دونباس، وفق ما كرّره المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في حين أكّد يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية لبوتين، أن روسيا ستواصل عملياتها العسكرية حتى تحقيق أهدافها، معتبراً أن الحلّ يعتمد على تسوية القضية الإقليمية وفقاً للصيغة التي نوقشت سابقاً في أثناء قمة ترامب – بوتين في «أنكوراج» في ولاية ألاسكا العام الماضي.
يمثّل اجتماع الأطراف الثلاثة وجهاً لوجه تطوراً نوعياً يكسر نمط الوساطة غير المباشرة الذي ساد سابقاً
وسبقت اجتماعَ أبو ظبي تحركات مكثفة مهّدت الطريق إليه؛ ففي دافوس السويسرية، التقى زيلينسكي بترامب، في اجتماع وصفه الطرفان بـ«الجيد». وأعلن الرئيس الأوكراني، عقب اللقاء، التوصّل إلى اتفاق بشأن «الضمانات الأمنية الأميركية» لأوكرانيا بعد الحرب، وهو مطلب لطالما ألحّت عليه كييف لضمان حمايتها من أيّ عدوان مستقبلي. وكان زيلينسكي استغلّ منصة دافوس لتوجيه انتقادات حادة إلى الحلفاء الأوروبيين، واصفاً القارة العجوز بأنها «سلطة من القوى الصغيرة والمتوسطة» التي تفتقر إلى الإرادة السياسية، ومثنياً في الوقت ذاته على نهج ترامب المباشر. ويعكس هذا التحوّل في الخطاب رهان كييف المتزايد على الدور الأميركي، كضامن رئيس لأيّ اتفاق سلام محتمل.
وفي موسكو، عقد ويتكوف وكوشنر اجتماعاً ليلياً مطوّلاً مع بوتين استمر أربع ساعات. ووصف الكرملين المباحثات بأنها كانت «صريحة ومفيدة»، مشيراً إلى أنها ركزت على تقريب المسافات بشأن النقاط الخلافية. وقال ويتكوف، من جهته: «أعتقد أننا حصرنا الخلاف في قضية واحدة، وناقشنا صيغاً للتعامل مع هذه القضية، مما يعني أنها قابلة للحل». وأضاف أن الاجتماعات في أبو ظبي ستتخذ شكل مجموعات عمل تتناول الجوانب العسكرية والاقتصادية بشكل تفصيلي.
وتجري هذه المحادثات على وقع شتاء قاسٍ يضاعف من معاناة الأوكرانيين؛ إذ تواجه البلاد أزمة طاقة حادة نتيجة الاستهداف الروسي المكثف للبنية التحتية، والذي أدى إلى انقطاع التدفئة والكهرباء عن قطاعات واسعة من السكان، وسط درجات حرارة انخفضت إلى 10 درجات تحت الصفر. وأفاد عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، بأن قرابة ألفي مبنى سكنياً في العاصمة يفتقر كلياً إلى التدفئة، داعياً السكان القادرين على المغادرة إلى النزوح نحو مناطق تتوفر فيها الخدمات الأساسية. وعلى الأرض، يحافظ الجيش الروسي على المبادرة الاستراتيجية، ويواصل ضغطه في الشرق، بينما تصف كييف الوضع بأنه يقترب من الجمود. وأقرّ زيلينسكي بأن الجيشين يعانيان من الإرهاق، مما قد يشكل دافعاً إضافياً إلى البحث عن مخارج سياسية.
وفي سياق السعي وراء تلك المخارج، تكتسب مسألة الضمانات الأمنية أهمية قصوى؛ إذ تسعى أوكرانيا إلى الحصول على التزامات أميركية حاسمة تتجاوز الوعود الشفهية، وتتطلّب مصادقة الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوكراني لتصبح نافذة. ويرى زيلينسكي أن «تحالف الراغبين» بقيادة بريطانيا وفرنسا يظلّ قاصراً عن توفير الحماية المطلوبة بمعزل عن «الظهير الأمريكي».
ومن جانبه، أبدى ترامب ثقته في رغبة الطرفين في إنهاء الصراع، قائلاً من على متن الطائرة الرئاسية: «أعتقد أنهما وصلا الآن إلى نقطة تمكنهما من الاجتماع وإبرام صفقة». وحذّر بلهجته المعتادة من تفويت هذه الفرصة، واصفاً الفشل في التوصل إلى اتفاق بأنه خيار سيّئ. على أن مفاوضات أبو ظبي تواجه بالفعل تحديات هائلة؛ فالمسافة بين المطالب الروسية بضم الأراضي والمقترحات الأوكرانية – الأمريكية بإنشاء مناطق اقتصادية، تظلّ واسعة. كما أن استمرار العمليات العسكرية وسقوط الضحايا يلقيان بظلال ثقيلة على طاولة الدبلوماسية.
ومع ذلك، يمثّل اجتماع الأطراف الثلاثة وجهاً لوجه تطوراً نوعياً يكسر نمط الوساطة غير المباشرة الذي ساد سابقاً. ويعوّل المراقبون على الضغط الأميركي ورغبة الأطراف في تجنب استنزاف أطول أمداً، للدفع نحو صيغة اتفاق قد تبدأ بوقف إطلاق نار مؤقت أو ترتيبات أمنية محددة، وتمهّد لحل سياسي شامل.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
