نزار نمر
تُظهر الوقائع فجوةً بين خطاب الإدارة الأميركية عن حرّية الصحافة خارج حدودها، وممارساتها داخل البلاد. تزامن التعاطف المصطنع مع متظاهرين إيرانيين مع اعتداءات ICE على محتجّين في الولايات المتحدة. ونفّذت الـ FBI تفتيشاً لمنزل صحافية «واشنطن بوست» هانا ناتانسون في فرجينيا وصادرت أجهزة، بذريعة تسريب معلومات مرتبطة بمتعاقد مع البنتاغون
فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُظهر «تعاطفه» المصطنع مع المتظاهرين الإيرانيّين المعارضين، كانت عناصره من «إدارة الهجرة والجمارك» (ICE) تعتدي على المحتجّين في الولايات المتّحدة نفسها. وفيما كان الإعلام الأميركي الشركاتي يدّعي خوفه على الحرّيّات الصحافية في إيران، كانت السلطات الأميركية تقتحم منزل صحافية أميركية وتفتّشه، تحت حجج واجهت اعتراض صحافيّين وحقوقيّين وشريحةً واسعة من الرأي العام الأميركي.
باع طويل في محاربة الصحافيّين
هي ليست المرّة الأولى التي تضيّق فيها السلطات الأميركية على الصحافيّين، هي المعروفة بنفيها إدوارد سنودن إلى الخارج وملاحقة جوليان أسانج، وقتل صحافيّين أمثال غاري ويب، وأودو أولفكوت، وميلتون وليام كوبر، وفيليب مارشال وغيرهم الكثير، وملاحقة المعارضين لحروبها خلف البحار والمؤيّدين لفلسطين. والحجّة غالباً ما تكون «الأمن القومي»، والتعبير فضفاض عمداً لتبرير ارتكابات تزعم الولايات المتّحدة الوقوف ضدّها في دول أخرى من دون شرح التفاصيل أو إثبات التهم. وإذا جرت محاكمات، فتكون مسيّسة بشكل واضح تماشياً مع الاعتقال السياسي التعسّفي.
«معلومات سرّية مسرّبة»
هذه المرّة، كانت الحجّة «معلومات سرّية مسرّبة». هكذا نشرت المدّعية العامّة باميلا بوندي على منصّة «إكس»، معلنةً أنّه «بناءً على طلب وزارة الحرب، نفّذت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي أمر تفتيش لمنزل صحافية من صحيفة «واشنطن بوست» كانت تحصل على معلومات سرّية مسرّبة بشكل غير قانوني من متعاقد مع البنتاغون وتنشرها».
اعتراض صحافيّين وحقوقيّين وشريحة واسعة من الرأي العام الأميركي
وأوردت صحيفة «واشنطن بوست» أنّ رجال «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (FBI) فتّشوا منزل الصحافية هانا ناتانسون في ولاية فرجينيا في إطار تحقيق حول «وثائق سرّية يشمل متعاقداً مع الحكومة»، بالإضافة إلى تفتيش أجهزتها ومصادرة هاتف وساعة من نوع «غارمين».
من جهته، ادّعى «مكتب التحقيقات الفيدرالي» أنّ التفتيش مرتبط بتحقيق حول أورليو بيريز لوغونيس، وهو مسؤول متعاقد مع البنتاغون في ولاية ماريلاند يحمل تصريحاً أمنيّاً من مستوى «سرّي للغاية».
وتعتقد السلطات أنّه نقل تقارير سرّية إلى منزله، وهو حاليّاً خلف القضبان يواجه تهمة الاحتفاظ غير القانوني بمعلومات متعلّقة بالدفاع الوطني وطباعة تقارير سرّية وحسّاسة في مكان عمله. ووفق «واشنطن بوست»، زعمت وثائق قضائية بأنّ السلطات عثرت خلال تفتيش منزل لوغونيس وسيّارته على وثائق تحمل علامة «سرّي»، من بينها وثيقة عُثر عليها في صندوق غداء.
اعتراض شعبي ومخالفة القوانين
سرعان ما واجه قرار التفتيش اعتراضاً واسعاً من الرأي العام الأميركي، ولا سيّما من أولئك المحنوقين من تصرّفات إدارة ترامب مع المهاجرين والصحافيّين، بما في ذلك قتل «إدارة الهجرة والجمارك» الكاتبة رينيه غود في سيّارتها قبل أسبوع تقريباً. وواجه الناشطون بوندي بالردّ على تغريدتها بسؤالها حول ملفّات المتحرّش بالأطفال جيفري إبستين التي لم تُصدر كاملةً بعد، حمايةً لترامب، وتهكّموا من انزعاجها من تهمة مزعومة حول «وثائق سرّية» أكثر من التحرّش بالأطفال. أمّا مؤيّدو الإدارة الحالية من المحافظين الذين يتراجع عددهم يوماً بعد يوم، فقد صدّقوا الحجج التي أوردتها بوندي ورحّبوا بالقرار.
وفي تصريح لصحيفة «ذا غارديان» البريطانية، اعتبر رئيس التحرير التنفيذي السابق لصحيفة «واشنطن بوست» مارتي بارون «أنّها علامة واضحة ومروّعة على أنّ هذه الإدارة لن تضع حدّاً لأعمالها العدوانية ضدّ الصحافة المستقلّة»، مضيفاً أنّ لا الصحيفة ولا ناتانسون أُبلغا بكونهما مستهدفَين بتحقيق من وزارة العدل». وفي بيانها، اعتبرت «واشنطن بوست» المملوكة للملياردير الأميركي جيف بيزوس وعلاقتها حاليّاً متوتّرة بإدارة ترامب، أنّه «من قمّة الغرابة والعدوانية أن تقوم جهات إنفاذ القانون بتفتيش منزل صحافي»، فيما سأل ناشطون حقوقيّون وزارة العدل «لماذا تعتقد أنّ هذا التفتيش كان ضروريّاً ومسموحاً به قانونيّاً؟»
ووفق «ذا غارديان»، فقد أضعفت بوندي المبادئ التوجيهية التي كان يُفترض أن تحمي حرّية الصحافة. وأشار سيث ستيرن من «مؤسّسة حرّية الصحافة» إلى أنّه «قد تكون الإدارة تمتلك الآن كمّيّات هائلة من مراسلات الصحافيّين التي لا علاقة لها بأيّ تحقيق جارٍ. وإذا تمكّن المحقّقون من الوصول إليها، ليس لدينا أيّ ثقة في أنّهم سيحترمون سرّية مصادر الصحافيّين».
«مفشية أسرار الحكومة الفيدرالية»
وتغطّي الصحافية ناتانسون جهود إدارة ترامب لتغيير شكل الحكومة الفيدرالية منذ وصوله إلى السلطة قبل عام. وكانت قد نشرت مقالاً الشهر الماضي وصفت نفسها فيه بأنّها «مفشية أسرار الحكومة الفيدرالية». وقالت إنّها تتلقّى اتّصالاتٍ ليلاً نهاراً من «موظّفين فيدراليّين أرادوا إخباري كيف يعيد الرئيس دونالد ترامب صياغة سياسات أماكن عملهم أو يسرّح زملاءهم أو يغيّر مهمّات وكالاتهم». وأضافت أنّ عملها ساعدها على الحصول على 1169 مصدراً جديداً، «جميعهم موظّفون فدراليّون حاليّون أو سابقون قرّروا أن يثقوا بي ويطلعوني على قصصهم». وتابعت أنّها اطّلعت على معلومات «لم يكن من المفترض أن يخبرني بها أشخاص داخل الوكالات الحكومية»، مشيرةً إلى أنّ ضغط العمل أنهكها.
بيت من زجاج يرشق غيره بالحجارة
هو إذاً فصل جديد من تضييق النظام الأميركي على الصحافة، هذه المرّة على الأراضي الأميركية، فيما يحاضر النظام نفسه بالعفّة عندما يتعلّق الأمر بالصحافة في دول لا يستسيغها، حتّى ينطبق عليه مثال «بيته من زجاج ويرشق غيره بالحجارة». لكنّه هذه المرّة يواجه معارضة متعاظمة، بما أنّه أزعج مؤيّدي «الحزب الديمقراطي»، وليس كما سابقاته إذ أيّد الحزبان «الديمقراطي» و«الجمهوري» التضييق على صحافيّين يساريّين معارضين لكليهما فضحوا جرائم الحرب وقضايا فساد على أعلى المستويات.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
