آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي » إدانة تقودها الدول العربية في مجلس الأمن للهجمات الصاروخية الإيرانية

إدانة تقودها الدول العربية في مجلس الأمن للهجمات الصاروخية الإيرانية

 

د. محمد إبراهيم الظاهري وإريك ألتر

 

 

 

في 11 آذار/ مارس 2026، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2817 بأغلبية 13 صوتاً مقابل صفر، مع امتناع كلٍّ من الصين وروسيا عن التصويت. وقد تقدّمت مملكة البحرين، التي تشغل حالياً مقعداً غير دائم في مجلس الأمن، بمشروع القرار نيابةً عن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي: البحرين، والكويت، وسلطنة عُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بالتعاون مع المملكة الأردنية الهاشمية. كما حظي القرار بدعمٍ دولي واسع، إذ شارك في رعايته 135 دولة، في رقمٍ قياسي يعكس حجم الإجماع الدولي إزاء هذه القضية.

 

وعلى الرغم من أن القرار لم يتطرّق إلى الضربات التي نفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل سابقاً، والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي واستهدفت بنى تحتية داخل إيران، فإنه جاء حازماً وواضحاً في إدانته للتحركات الإيرانية. فقد وصف القرار الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنّتها إيران مؤخراً ضدّ جيرانها من الدول العربية بأنها انتهاكات للقانون الدولي وتشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. كما دعا إلى الوقف الفوري لهذه الهجمات، وأدان استهداف المناطق المدنية، وأكد في الوقت ذاته الحق الأصيل للدول المتضررة في الدفاع عن نفسها وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

 

أما صياغة القرار، فقد جاءت بعيدة إلى حد ما عن اللغة التقليدية المتوازنة التي اعتاد مجلس الأمن استخدامها. وقد أدى هذا الطابع الأحادي في توصيف الأحداث إلى امتناع الصين وروسيا عن التصويت، حيث اعتبرتا أن النص تجاهل ما وصفاه بـ”الاعتداء الذي سبق هذه التطورات”. وجاء اعتماد القرار بعد أيام قليلة فقط من الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران، وما أعقبها من رد إيراني. ومع ذلك، فإنه يمثل المرة الأولى التي يصدر فيها مجلس الأمن إدانة مباشرة وموحدة بهذا الوضوح للهجمات العسكرية التقليدية التي شنتها إيران ضد عدة دول عربية ذات سيادة.

 

وتستمد هذه الخطوة دلالتها من السياق التاريخي للعلاقات الإقليمية. فقبل الثورة الإيرانية عام 1979، كانت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي تُعدّ ركيزة أساسية للاستقرار في الخليج وشريكاً وثيقاً للغرب. غير أن الثورة غيّرت هذا الدور جذرياً، إذ تحولت إيران إلى دولة ثورية سعت إلى تصدير أيديولوجيتها وتحدي جيرانها الذين رأت أنهم لا يلتزمون بما تعتبره نموذجاً إسلامياً كافياً. وقد أسهم هذا التحول في إشعال الحرب الإيرانية – العراقية بين عامي 1980 و1988، حيث قدمت دول الخليج العربية مليارات الدولارات من الدعم اللوجستي لنظام صدام حسين. وردّت إيران حينها باستهداف ناقلات النفط المحايدة وزرع الألغام في مياه الخليج، ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار قرارات مبكرة تدعو إلى التهدئة، إلا أن تأثيرها ظل محدوداً في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي آنذاك.

 

وعقب انتهاء الحرب، تراجعت طهران إلى حدٍّ كبير عن شن هجمات تقليدية مباشرة على أراضي الدول العربية. وبدلاً من ذلك، تبنّت استراتيجية أكثر حذراً وأقل كلفة تقوم على بناء شبكات من الوكلاء المسلحين. فقد لعبت إيران دوراً محورياً في تأسيس “حزب الله” في لبنان عام 1982، كما دعمت فصائل شيعية مسلّحة في العراق عقب الغزو الأميركي عام 2003، وساندت نظام بشار الأسد في سوريا، إضافة إلى تزويد جماعة الحوثي في اليمن بالأسلحة منذ عام 2015. ومن خلال هذه الشبكات، استطاعت إيران توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز حضورها في عدد من ساحات الصراع، مع تجنّب التعرض لإدانة دولية واسعة أو مستمرة.

 

وعلى مدى عقود، ركّزت قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإيران من القرار 1696 الصادر عام 2006 إلى القرار 2231 في عام 2015، بشكل أساسي على برنامجها النووي وتطوير الصواريخ. أما تدخلاتها الإقليمية، فقد حظيت بإشارات محدودة وعابرة في تلك القرارات. غير أن التصعيد الذي شهدته المنطقة في شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2026 غيّر هذا المسار. ففي ردٍّ على الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل الأراضي الإيرانية، والتي استهدفت قيادات عليا في النظام، أطلقت إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت ليس فقط قواعد عسكرية أميركية، بل أيضاً أحياءً سكنية وموانئ ومطارات في كل من البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن.

 

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث نكتب هذا المقال، سقطت شظايا الصواريخ على مناطق سكنية وفنادق في دبي وأبوظبي، ما أسفر عن مقتل سبعة مدنيين ينتمون إلى 25 جنسية مختلفة وإصابة أكثر من 120 شخصاً.

 

 

 

وفي المقابل، أفادت السلطات الإيرانية بسقوط ضحايا مدنيين نتيجة الضربات الأولى التي استهدفت أراضيها. وقد قال سفير دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة محمد أبو شهاب أمام مجلس الأمن عقب هذه الأحداث: «من خلال ضرباتها العشوائية، سعت إيران إلى نشر الرعب بين أفراد مجتمعنا، إلا أن شعبنا واجه هذه الهجمات بصمودٍ لافت ووحدةٍ راسخة».

 

كما شكّلت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لمضيق هرمز، الممر البحري البالغ عرضه نحو 21 ميلاً، والذي يمر عبره يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل خُمس الإمدادات النفطية العالمية. وتعتمد ناقلات النفط الآتية من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق على هذا الممر الحيوي، إذ لا يتوافر لها مسار بديل عملي. وقد سبق لإيران أن لوّحت بتهديد هذا الشريان الحيوي، لا سيما خلال ما عُرف بحرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استهدفت سفناً تجارية وزرعت ألغاماً بحرية في الممر الملاحي. وإذا كان التاريخ مؤشراً، فإن أي تعطّل كبير في حركة الملاحة عبر المضيق من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط عالمياً وأن يلحق أضراراً واسعة باقتصادات تمتد من أوروبا إلى آسيا، وهي تداعيات بدأت ملامحها بالظهور بالفعل.

 

وأمام التهديدات المباشرة الصادرة من الأراضي الإيرانية، تحركت دول مجلس التعاون لدول الخليج بسرعة لافتة ووحدة واضحة. ويعكس الدعم الواسع الذي حظي به القرار، من دون تسجيل أي أصوات معارضة، ما يتجاوز مجرد نجاح ديبلوماسي في إدارة المفاوضات؛ إذ يشير إلى تحول استراتيجي في دور دول الخليج، التي لم تعد تكتفي بردود الفعل على تطورات الإقليم، بل باتت تضطلع بدور متقدم في توجيه مسار الدبلوماسية الدولية وصياغة أجندتها.

 

وخلال السنوات الماضية، عززت العواصم الخليجية بشكل ملحوظ منظوماتها الدفاعية ووسّعت شبكاتها الديبلوماسية لتشمل شراكات تتجاوز التحالفات الغربية التقليدية. ومع اعتماد القرار 2817، أصبحت تحركات طهران مرتبطة رسمياً بتهديدات تمس السلم والأمن الدوليين، وهو ما قد يفتح المجال أمام تداعيات ملموسة، قد تشمل تشديد العقوبات أو تعزيز الدعم لقدرات الدفاع لدى دول الخليج. كما قد يتجه مسار العزلة الدبلوماسية التي تواجهها إيران بالفعل إلى مزيد من التعمق.

 

وفي المقابل، تحمل هذه التطورات رسالة واضحة إلى الحلفاء والشركاء الدوليين مفادها أن الدول العربية تتجه بصورة متزايدة إلى بناء أطرها الأمنية الخاصة وتقليل الاعتماد على الضمانات الخارجية. ومع ذلك، فإن ممارسة ضغط فعّال على إيران لا يزال يتطلب توافقاً دولياً واسعاً. ويبرهن القرار 2817 على أن الديبلوماسية الجماعية التي تقودها الدول العربية قادرة على إحداث تأثير ملموس، حتى وإن لم تكن كفيلة بمفردها بحل جميع التوترات التي تشهدها المنطقة.

 

 

 

*د.محمد إبراهيم الظاهري نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الديبلوماسية، وإريك ألتر عميد برامج الدراسات العليا في أكاديمية أنور قرقاش الديبلوماسية.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السوداني: العراق يسعى إلى تجنب الانجرار إلى أي صراع وقادرين على لعب دور الوسيط بين إيران وأميركا

السوداني: إسرائيل تشعل الحروب وتسبب المآسي وتتجاوز القانون الدولي   أعلن رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني أن “الشرق الأوسط يمرّ بمرحلة شديدة الخطورة حيث تتزايد احتمالات توسّع ...