آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » إرهاق التعاطف: كيف نتعافى عندما نشعر بالاستنزاف العاطفي؟

إرهاق التعاطف: كيف نتعافى عندما نشعر بالاستنزاف العاطفي؟

 

 

في عالم تتسارع فيه الأخبار المأساوية والأزمات الإنسانية، قد يجد كثير من الناس أنفسهم غارقين في معاناة الآخرين إلى حدّ يشعرون معه بالتعب العاطفي أو الخدر. وقد يرافق ذلك شعور بالذنب لأنهم لم يعودوا قادرين على الاهتمام كما كانوا من قبل. تُعرف هذه الحالة بما يُسمّى «إرهاق التعاطف»، وهي ظاهرة نفسية أكثر شيوعاً مما قد يتوقعه البعض.

 

بحسب تقرير نشره موقع Simply Psychology، يرتبط إرهاق التعاطف بالشعور بالاستنزاف العاطفي والذهني نتيجة الاهتمام المستمر بأشخاص يمرّون بضيق أو معاناة. ومع مرور الوقت، قد تصبح القدرة الطبيعية على التعاطف مثقلة بما يفوق القدرة على التحمل، ما قد يؤدي إلى شعور بالانفصال العاطفي أو الخدر، بل وحتى العجز عن التعاطف.

 

ما هو إرهاق التعاطف؟

يُعرَّف إرهاق التعاطف بأنه حالة من الإرهاق العاطفي والذهني تنشأ عندما يصبح الاهتمام المستمر بمعاناة الآخرين عبئاً يفوق القدرة على التحمل. ومع تراكم هذا الضغط، قد يشعر الشخص بالابتعاد عن مشاعره أو بعدم القدرة على الاستجابة العاطفية كما كان يفعل سابقاً.

 

وغالباً ما يرتبط هذا المفهوم بالعاملين في القطاع الصحي، أو المعالجين النفسيين، أو مقدّمي الرعاية، إلا أن الظاهرة لا تقتصر عليهم. فكل من يتعرّض باستمرار لمشاعر الألم لدى الآخرين قد يمرّ بهذه الحالة، بما في ذلك المعلمون، والآباء، والناشطون، وحتى الأصدقاء الذين يتمتعون بدرجة عالية من التعاطف.

 

وفي ظل عالم تتدفق فيه الأزمات والأخبار الصادمة باستمرار، يشعر كثير من الناس بأن طاقتهم العاطفية أصبحت مستنزفة.

 

ويستشهد التقرير بوصف أحد المستخدمين في منتدى إلكتروني لهذه التجربة قائلاً: «كنت أبكي عند قراءة كل خبر مأساوي. الآن أمرّ عليه بصمت. لا أريد أن أفقد الإحساس، لكنني متعب من الشعور بكل شيء».

 

الفرق بين إرهاق التعاطف والاحتراق النفسي

غالباً ما تختلط مفاهيم مثل الاحتراق النفسي (Burnout) وإرهاق التعاطف (Empathy fatigue) وإرهاق التعاطف المهني (Compassion fatigue)، الذي يُطلق عليه أحياناً «تكلفة الرعاية» (Cost of Caring)، لكنها تشير إلى تجارب مختلفة.

 

فالاحتراق النفسي عادة ما ينشأ نتيجة الضغط المزمن في العمل، ويؤدي إلى الإرهاق والسخرية وتراجع الأداء المهني. أما إرهاق التعاطف المهني، فيصيب غالباً العاملين في المهن التي تقوم على «المساعدة»، مثل تقديم الرعاية الصحية الجسدية أو النفسية، وذلك نتيجة التعرض المتكرر لصدمات الآخرين.

 

في المقابل، يُعد إرهاق التعاطف تجربة أكثر شخصية، إذ ينشأ من الشعور المتكرر والعميق بمشاعر الآخرين. فإذا كان إرهاق التعاطف المهني يتعلق بتكلفة الاهتمام بالآخرين، فإن إرهاق التعاطف يرتبط بالإفراط في الشعور بمشاعرهم أو ما يمكن وصفه بـ«الامتصاص الوجداني». أحدهما يؤثر في الدافع للمساعدة، بينما يؤثر الآخر في القدرة على التعاطف أساساً.

 

من الأكثر عرضة لهذه الحالة؟

يمكن لأي شخص يتمتع بحساسية عاطفية عالية أن يختبر إرهاق التعاطف، لكن هناك عوامل قد تزيد احتمالات حدوثه، مثل أن يكون الشخص المصدر الأساسي للدعم العاطفي في محيطه الاجتماعي، أو أن يعمل في مجالات مليئة بالمشاعر مثل التمريض أو العمل الاجتماعي أو الإغاثة أو التعليم.

 

كما إن التعرض المستمر للأخبار المؤلمة أو الأحداث العالمية المقلقة قد يزيد هذا الشعور، إضافة إلى الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم شديدو التعاطف أو الحساسية.

 

وتشير عالمة النفس في «عيادة كليفلاند»، سوزان ألبيرز، إلى أن إرهاق التعاطف قد يصيب حتى الأشخاص المهتمين بقضايا مثل العدالة الاجتماعية أو تغيّر المناخ، موضحة أن «الأشخاص الذين يحملون قيماً قوية قد يشعرون بالذنب إذا ابتعدوا قليلاً، حتى عندما يكونون مرهقين».

 

علامات وأعراض إرهاق التعاطف

عاطفياً

 

* الشعور بالخدر أو الانفصال العاطفي

* سرعة الانفعال أو الشعور بالاستياء

* الشعور بالذنب لعدم القيام بالمزيد

* الإحساس بالعجز أو فقدان الأمل

 

ذهنياً

 

* صعوبة التركيز أو اتخاذ القرارات

* التفكير المستمر في معاناة الآخرين

* الشعور بالتشاؤم أو فقدان المعنى

 

جسدياً

 

* إرهاق لا يتحسن مع الراحة

* صداع أو توتر عضلي

* الأرق أو أحلام مزعجة

 

ويصف أحد العاملين في خدمات حماية الأطفال تجربته قائلاً: «كنت أبذل جهداً كبيراً في كل قضية. الآن أكتفي بالحد الأدنى وأعود إلى المنزل. أكره أنني وصلت إلى هذه المرحلة، لكنني لا أستطيع الاستمرار في استنزاف نفسي».

 

وتشير هذه الأعراض، في كثير من الحالات، إلى أن الشخص ليس ضعيفاً أو معيباً، بل ببساطة مرهق عاطفياً. والخبر الجيد أن القدرة على التعاطف يمكن أن تعود مع الوقت.

 

لماذا يحدث إرهاق التعاطف؟

تتداخل عدة عوامل في ظهور هذه الحالة. فالتعرض المستمر لمعاناة الآخرين، سواء من المقربين أو عبر وسائل الإعلام، قد يرهق القدرة العاطفية على معالجة المشاعر.

 

كما إن غياب الحدود العاطفية، مثل التواجد الدائم لحل مشكلات الآخرين، قد يؤدي إلى استنزاف المساحة النفسية الخاصة بالشخص.

 

وفي بعض الحالات، قد تعيد معاناة الآخرين إحياء صدمات شخصية لم تُعالج بعد، ما يضاعف التأثير العاطفي. ويُضاف إلى ذلك الشعور بالمسؤولية عن رفاه الآخرين، وهو شعور قد يقود إلى الذنب والإرهاق النفسي.

 

كيف يمكن التعافي من إرهاق التعاطف؟

لا يمكن العطاء من كأس فارغ، وهناك عدة استراتيجيات قد تساعد على استعادة الطاقة العاطفية.

 

1. تسمية ما يحدث

 

الخطوة الأولى هي التعرف إلى الأعراض من دون لوم النفس. فمجرد تسمية الحالة بأنها إرهاق تعاطف قد يساعد على الانتقال من الشعور بالذنب إلى الوعي الذاتي.

 

2. وضع حدود واضحة

 

من المهم تحديد المجالات التي يحدث فيها الإفراط في العطاء العاطفي ووضع حدود لها. على سبيل المثال:

 

* إيقاف إشعارات الأخبار في المساء

* إخبار صديق بالحاجة إلى فترة للراحة

* الاعتذار عن تقديم دعم عاطفي عندما لا يكون الشخص قادراً على ذلك

 

3. ممارسة التعاطف مع الذات

 

بدلاً من التفكير: «يجب أن أفعل المزيد»، يمكن استبدال ذلك بفكرة مثل:

«أفعل أفضل ما أستطيع بما لدي».

 

4. تقليل التعرض للمثيرات العاطفية

 

قد يساعد تخصيص وقت خالٍ من الأخبار أو المحتوى الثقيل، مثل المشي أو مشاهدة برنامج خفيف، على إعادة توازن الجهاز العصبي.

 

5. استعادة الشعور بالمتعة

 

إعادة ممارسة الأنشطة التي كانت تجلب السعادة قد تساعد على تعزيز المرونة النفسية، مثل:

 

* الطهي

* زيارة مكان طبيعي

* الرسم أو الكتابة

 

6. التحدث مع شخص موثوق

 

مشاركة المشاعر مع شخص قادر على الاستماع دون محاولة إصلاح كل شيء قد تخفف العبء العاطفي. وحتى كتابة اليوميات قد تساعد في التعبير عن المشاعر.

 

متى يجب طلب المساعدة؟

إذا استمرت مشاعر الخدر أو اليأس أو القلق لفترة طويلة، أو بدأت تؤثر في القدرة على أداء الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد التحدث مع متخصص في الصحة النفسية.

 

فالعلاج النفسي يمكن أن يساعد على معالجة المشاعر المرهقة واستعادة القدرة على التعاطف بطريقة صحية من دون الوصول إلى الاستنزاف.

 

لماذا من المهم التعامل مع إرهاق التعاطف؟

إذا لم يتم التعامل مع هذه الحالة، فقد تؤثر تدريجياً في العلاقات الشخصية والصحة النفسية والقدرة على مساعدة الآخرين.

 

فعندما يكون الشخص مستنزفاً عاطفياً، يصبح من الصعب أن يكون حاضراً لمن حوله، بل وحتى لنفسه.

 

وقد يتردد البعض في أخذ استراحة لأنهم يخشون أن يبدو ذلك وكأنه عدم اهتمام، لكن التوقف المؤقت لا يعني اللامبالاة. بل إن حماية الطاقة العاطفية تساعد على الحفاظ على القدرة على التعاطف على المدى الطويل.

 

فأخذ استراحة من الأخبار، أو رفض تقديم دعم عاطفي في لحظة مرهقة، أو قضاء بعض الوقت بعيداً من الإنترنت لا يعني الأنانية، بل يعني الحفاظ على التوازن النفسي.

 

إرهاق التعاطف ليس عيباً في الشخصية، بل إشارة إلى أن الشخص اهتم بالآخرين بعمق، وربما أكثر مما اعتنى بنفسه.

 

ومع الدعم المناسب، ووضع الحدود الصحية، وتبنّي استراتيجيات التعافي، يمكن استعادة التعاطف بطريقة أكثر توازناً واستدامة.

 

فالتعاطف لم يختفِ، بل قد يحتاج فقط إلى بعض الراحة.

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن المرأة..والحياة

  ليندا ابراهيم صديقةُ السَّهر..رفيقةُ الرُّوح..حاملة الوجع..تاجُ الصَّبر..السَّكن والسَّكينة..البيتُ والوطنُ..المأوى والمَلاذ.. سيِّدة الحب..هي ذاتك..هي الذَّات… هي كَلَوحٍ من البلَّور، شفَّافةٌ كالنُّور..لاتُخدَش..فإنْ مَسَحْتَ عليهِ برفقٍ زادَ ...