يحيى دبوق
دأبت الاستخبارات الإسرائيلية على التحذير سنوياً من تدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية مع اقتراب شهر رمضان، بوصف الأخير أحد أهمّ العوامل التي تدفع الفلسطينيين إلى تظهير رفضهم للاحتلال بصورة عملية. إلّا أن الوضع هذا العام بدا مختلفاً وأكثر إقلاقاً لإسرائيل، خصوصاً مع تراكم الشعور بالظلم واليأس نتيجة الحرب على قطاع غزة والاعتداءات المتواصلة في الضفة والقدس، من قتل المدنيين وهدم المنازل وتهجير أهلها ومصادرة الأراضي بشكل ممنهج ونوايا الضمّ والإجراءات المستفزّة في المسجد الأقصى. ودفع ذلك استخبارات العدو إلى رفع مستوى تحذيراتها للعام الحالي، قياساً بالأعوام الماضية، في حين يَظهر لافتاً فيها التركيز على ما سُمّيت «محاولات إيرانية لإشعال الجبهة الفلسطينية»، وهو ما برز في أكثر من منصّة إعلامية عبرية خلال اليومين الماضيين. والظاهر أن الهدف من إقحام إيران في تلك التحذيرات، تبرير الجرائم التي ينوي الاحتلال ارتكابها، ونزع الدافع الوطني عن الفلسطينيين بوصفه محرّكاً لعمليات مقاومة، مع توظيف الملف الفلسطيني في صراع إقليمي أوسع، يخدم أجندة إسرائيل في دفع التصعيد بين واشنطن وطهران إلى أقصاه.
ورغم أن هذه السردية ليست جديدة، لكنها هذا العام تأخذ منحى أكثر حدّة، في حين يتمّ التركيز إعلامياً على تعزيز جيش الاحتلال قواته تحسّباً لأيّ تصعيد، وكأن وجوده واستفزازاته وتجاوزاته اليومية، ليست إلّا إجراء دفاعياً بحتاً؛ كما تُصدَّر الاعتقالات التعسّفية وعمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي بوصفها إجراءات «وقائية». وهكذا، يبدو تكرار الحديث عن «تهديد أمني وشيك» محاولة لتسويغ «إجراءات استثنائية»، من قبيل إغلاق المعابر وتشديد الحصار على مدن الضفة وقراها ومنع الوصول إلى الأماكن المقدسة، فيما يراد من ربط أي عملية فلسطينية محتملة بإيران، توفير غطاء أوسع للتعامل معها كجزء من «الحرب على الإرهاب المدعوم إيرانياً». على أنه لا يمكن فصل ذلك عن السياق السياسي الإقليمي؛ إذ إن التحذيرات من الدور الإيراني تخدم أيضاً محاولة تل أبيب إفهام واشنطن، في خضمّ مفاوضات الأخيرة مع طهران، بأن «إيران ليست فقط ملفاً نووياً، بل هي خطر ميداني يهدّد استقرار المنطقة» من بوابات عدّة، بما فيها الفلسطينيون.
تتمحور الرواية الإسرائيلية حول فكرة مفادها أن أيّ ردّ فعل فلسطيني هو نتاج «تحريض خارجي»
في المقابل، تغيب الأرقام الحقيقية التي توثّق معاناة الفلسطينيين اليومية في الضفة الغربية، والتي ترد في تقارير صادرة عن الأمم المتحدة والمؤسّسات الحقوقية، ويبرز من بينها:
– أكثر من 9300 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، من بينهم 350 طفلاً، و56 امرأة، و3358 معتقلاً إدارياً من دون تهمة أو محاكمة. وهذه الأرقام لا تشمل المعتقلين من غزة المحتجزين في المعسكرات العسكرية الإسرائيلية.
– 240 شهيداً ونحو 4 آلاف جريح في الضفة برصاص الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين، في عام 2025 فقط.
– عمليات تهجير قسري لأكثر من 900 فلسطيني، منذ مطلع عام 2026 فقط، وذلك بسبب عنف المستوطنين وحماية قوات الاحتلال لتجاوزاتهم وجرائمهم المنظّمة.
– أكثر من 1800 اعتداء من جانب المستوطنين في عام 2025، مع تسجيل تنامٍ كبير في هذه الاعتداءات في العام الحالي، إذ سُجّل أكثر من 50 هجوماً منظماً بتغاضٍ من جيش الاحتلال، وأحياناً بمساعدته، في الأسابيع الأولى من 2026 فقط.
– هدم أكثر من 250 منزلاً ومنشأة في القدس الشرقية وحدها، بحجة عدم الترخيص، وتشريد آلاف العائلات بعد هدم أجزاء واسعة من مخيمات الضفة، في ما يمثّل مستوى قياسياً جديداً.
ورغم هول تلك الاعتداءات والانتهاكات، تشير تقارير حقوقية إلى أن أقلّ من 3 في المئة فقط من ملفات التحقيق التي تفتحها قوات الاحتلال، تصل إلى مرحلة البحث في إدانتها. وحتى هذه النسبة البسيطة، ما كانت لتأخذ مجراها القانوني لو لم تكن نتيجة وجود توثيق وتداول لمقاطع فيديو مصوَّرة عنها. كذلك، نادراً ما يُحاسب جندي على قتل مدني فلسطيني، ونادراً أيضاً ما يُعتقل مستوطن نتيجة مهاجمة المستوطنين قرى فلسطينية. وهكذا، فإن الإفلات المنهجي من العقاب ما فتئ يغذّي دائرة العنف، التي تدّعي إسرائيل لاحقاً أنها «تتصدّى لها»، وأن أسبابها خارجية (إيران)، من دون أيّ اعتراف بالواقع المسؤول عنها.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
