تمجيد قبيسي
لم يعد خافياً على أحد أن الصراع لم يعد يُخاض بالوسائل العسكرية والأمنية، بل بات يمتد إلى الفضاء الإعلامي، حيث تلعب العناوين وطريقة صياغة الأخبار دوراً أساسياً في تشكيل الرأي العام وصناعة السرديات. أمر يضع وسائل الإعلام أمام مسؤولية تفرض عليها التزام الدقة والحد الأدنى من المهنية، لا أن تتحول عن قصد أو عن جهل إلى وسيط لنقل روايات قابلة للتوظيف السياسي أو الأمني.
حادثة الطيونة
في هذا السياق، نشرت قناة MTV تقريراً تناول حادثة وقعت في منطقة الطيونة، عرضت فيه رواية عن توقيف قوى الأمن الداخلي شاحنتين تابعتين لـ «حزب الله»، قيل إنهما محمّلتان ببقايا عتاد من سوريا، قبل أن تتطور الأمور بحسب التقرير إلى منع عناصر الحزب القوى الأمنية من أداء مهماتها واحتجاز أحدها، ثم إجراء مفاوضات في مخفر الطيونة مع علي أيوب، مسؤول اللجنة الأمنية في بيروت، انتهت بالإفراج عن العنصر وإعادة الشاحنتين. وقد جرت معالجة التقرير بصيغة توحي بعجز الدولة اللبنانية عن فرض سلطتها.
هذا التقرير لم يبقَ في إطاره المحلي، بل استُخدم لاحقاً كمصدر في دراسة ذات طابع أمني واستخباراتي صادرة عن معهد «ألما» الإسرائيلي، المعروف بارتباطه بالمؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية، وبتمويله من جهاز الاستخبارات العسكرية «أمان». وهو ما يطرح إشكالية جدية حول كيفية تحوّل مادة إعلامية محلية إلى عنصر يُستند إليه في تحليل أمني إسرائيلي، وما يرافق ذلك من تداعيات تتجاوز الإطار الصحافي البحت.
التحريض مستمرّ
هنا تبرز الإشكالية الإعلامية الأساسية، بعيداً من أي اصطفاف سياسي، فالمسألة لا تتعلق بموقف من حزب أو جهة، بل بكيفية صناعة الخبر، وبالطريقة التي قد يتحول فيها إلى مادة تحليلية تُستخدم خارج سياقها الأصلي. عندما يُنقل حدث أمني داخلي من دون تدقيق كافٍ أو إضاءة شاملة على خلفياته، يصبح عرضةً لإعادة التوظيف، لا كمعلومة، بل كأداة في سياق سياسي أو أمني أوسع.
هذا النوع من التغطيات يوازي في مفاعيله نقل معلومات حساسة إلى العدو
وفي ظل سعي العدو الإسرائيلي الدائم إلى إظهار الدولة اللبنانية ككيان عاجز ومفكك، تجد هذه التقارير طريقها بسهولة إلى خطابها السياسي والإعلامي. والمفارقة أنّ هذه المادة لا تأتي من مصادر إسرائيلية، بل من وسيلة إعلام لبنانية، ما يمنحها، في نظر المتلقي الخارجي، قدراً إضافياً من «المصداقية».
من هنا، يصعب اعتبار ما جرى خارج إطار التحريض غير المباشر، فالتحريض في الإعلام المعاصر لا يقتصر على الخطاب المباشر، بل يتجلى في طريقة عرض الوقائع، وفي الصورة التي تُرسم عن المؤسسات الرسمية، وفي الرسائل الضمنية التي تُقرأ خارج السياق المحلي. الأكثر خطورة أن هذا النوع من التغطيات يوازي في مفاعيله نقل معلومات حساسة إلى العدو، ولكن عبر الإعلام وتحت غطاء العمل الصحافي.
بدل القنوات الاستخباراتية التقليدية، بات يكفي تقرير إعلامي واحد لتوفير مادة تحليلية تُستخدم في التقدير الأمني. وهو ما يجعل الشاشة وسيطاً مفتوحاً لتداول معلومات ذات أثر بالغ.
إلى ذلك، تبرز أيضاً مسؤولية وزارة الإعلام والقضاء. ويزداد هذا الأمر إلحاحاً في ظل ما يُلاحظ من استنسابية في الملاحقة القضائية للصحافيين، كما في قضية الصحافي حسن عليق على خلفية انتقاده لرئيس الجمهورية، في مقابل غياب أي مساءلة في ملفات أخرى ذات تأثير أمني مباشر.
في المحصلة، ما جرى يسلّط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بدور الإعلام وحدوده في مرحلة بالغة الحساسية، حيث لم تعد الكلمة مجرد رأي، بل باتت عنصراً فاعلاً في معادلات سياسية وأمنية تتجاوز الداخل اللبناني.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
